أحزاب لبنان «الغارقة» من رأسها حتى أخمص قدميها.. القصة الكاملة!

بالتوازي مع سلبية السلطة الحاكمة في لبنان، المتمثلة في تحاصص الأحزاب والتيارات الطائفية والمذهبية، لمقدرات الدولة والتي كان من نتائجها الإنهيار الحاصل اليوم، هناك سلبية أخرى مواجهة، تتمثل بمن يسمون أنفسهم معارضة، سواء على مستوى الوطن أو على مستوى الطوائف ذاتها ، بحيث يمكن القول اليوم بأن “سلبيتبن لا تصنعان وطنا” “على طريقة الصحافي اللبناني جورج نقاش، الذي كتب ذات يوم من عام 1949، يقول ” نفيان لا يصنعان أمة ” .

إقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: عبداللهيان والرهان.. على «العودة النووية»!


فمن المعروف أن النظام الطائفي اللبناني، يوزع السلطة على الطوائف، بما فيها من أحزاب وتيارات، أنشئت لغرض الصراع السياسي فيما بينها، داخل الطائفة الواحدة بداية، ومن ثم بين الطوائف المختلفة لتقديم الأفضل للبلد والناس.

من المعروف أن النظام الطائفي اللبناني يوزع السلطة على الطوائف بما فيها من أحزاب وتيارات


قبل الحرب الأهلية، كان هناك تعددية داخل كل طائفة، فضمن الطائفة المارونية مثلا، حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية، وكذلك بعض الشخصيات المستقلة ذات الوزن السياسي المرموق، يقابلها في الجانب السني شخصيات تقليدية عدة وازنة، لم تكن منظمة ضمن أحزاب ربما، ولكنها كانت تمثل شرائح واسعة من الناس، يسمح لها بالتنافس الحر فيما بينها، فكان هناك صائب سلام، ورشيد كرامي، وتقي الدين الصلح، وغيرهم من القامات، كذلك الأمر عند الطائفة الدرزية، التي كانت ولا تزال، تنقسم ولاءاتها ما بين الجنبلاطيين واليزبكيين آل أرسلان ، وكان آل جنبلاط بزعامة كمال جنبلاط، ينتظمون وممن يؤيدهم، ضمن الحزب التقدمي الإشتراكي الذي كان يومها حزبا يساريا قائداً عابرا للطوائف بالفعل، إذ جمع في صفوفه شخصيات من كل الطوائف اللبنانية، بحيث بات كمال جنبلاط يجمع زعامتين وطنية وطائفية، بينما كان آل أرسلان بقيادة الأمير مجيد أحد أبطال الإستقلال، أقرب إلى اليمين خاصة الى كميل شمعون المسيحي الماروني، نظرا لكونه إبن منطقة الشوف حيث الغالبية الدرزية.

بات كمال جنبلاط يجمع زعامتين وطنية وطائفية بينما كان آل أرسلان أقرب إلى اليمين خاصة الى شمعون المسيحي الماروني


في الطائفة الشيعية كذلك الأمر، كان هناك تعددية عبرت عنها شخصيات، مثل كامل الأسعد، وصبري حمادة، وعادل عسيران، وكاظم الخليل، وغيرهم، من الشخصيات التقليدية التي كان لها أتباعها ومؤيديها بالرغم من المد اليساري والقومي، الذي كان له التأثير الأكبر نسبيا، داخل المجتمع الشيعي منه، في مجتمعات الطوائف والمذاهب الأخرى، بدافع من عاملين أولهما كون الجنوب خط تماس مع العدو الصهيوني، وثانيهما مظلومية الحرمان، التي كان يشعر بها المكون الشيعي أكثر من غيره.

إبان الحرب الأهلية تحول الحزبان الرئيسيان لدى الطائفة المارونية إلى ميليشيات مقاتلة بينما رفض حزب الكتلة الوطنية خيار الحرب

إبان الحرب الأهلية، تحول الحزبان الرئيسيان لدى الطائفة المارونية، الكتائب والوطنيين الأحرار، إلى ميليشيات مقاتلة، بينما رفض حزب الكتلة الوطنية خيار الحرب، في الوقت الذي نمت ميليشيا أخرى في الشمال بإسم المردة، تابعة لرئيس الجمهورية يومها سليمان فرنجية. في المقابل كان الفلسطينيون هم” جيش المسلمين” عامة، والسنة منهم على وجه الخصوص، كما أطلق عليهم يومها، مع بعض الميليشيات التابعة لهم ك”المرابطون” وغيرهم من التنظيمات اليسارية، منها والقومية التي فرخت على هامش الحرب، بحيث بات كل تنظيم من هذه التنظيمات، يتبع لإحدى الدول العربية، مع توسع الحرب وتفرعها إلى حروب صغيرة بين الأنظمة العربية ” الثورية “.
الدروز بقوا بشكل عام، على إلتزامهم بالقتال مع الحزب التقدمي الإشتراكي، مع قلة منهم إنتسبت لحزبي الشيوعي والسوري القومي الإجتماعي، اللذين كانا من أركان الحركة الوطنية اللبنانية، بقيادة كمال جنبلاط على أية حال .
وحدهم الشيعة كانوا “يقاتلون” على إمتداد كل الأحزاب، والمنظمات الفلسطينية والعربية ،اليسارية منها والقومية، فكانوا الخزان الأهم لأحزاب الشيوعي ومنظمة العمل والبعث بشقيه العراقي خاصة والسوري، مع ظهور بعض التنظيمات المحلية، كحركة فتيان علي في النبعة بقيادة أحمد صفوان، ومع بداية ظهور لحركة المحرومين على إمتداد الوطن، التي أسسها الإمام موسى الصدر، قبل أن تتحول إلى أفواج المقاومة اللبنانية “أمل”، بهدف الدفاع عن الجنوب، مع تصاعد الإعتداءات الصهيونية عليه .

بعد الإجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978 وما تلاه من إختفاء الإمام موسى الصدر سطع نجم حركة أمل بفعل شد العصب المذهبي الذي نتج عن الحدثين


بعد الإجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978، وما تلاه من إختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا، سطع نجم حركة أمل، بفعل شد العصب المذهبي الذي نتج عن الحدثين، وكان التغيير في قيادتها، ليحل نبيه بري رئيساً لها محل النائب يومها حسين الحسيني، بدعم سوري قوي وواضح، وكان إيذاناً بعسكرتها ودخولها لعبة الحرب والقتال، لتبدأ المصادمات بينها وبين أحزاب اليسار اللبناني والقوى الفلسطينية في قرى الجنوب اللبناني، على خلفية التجاوزات على الأرض والخلاف السياسي والإستراتيجي على النفوذ والأرض، بين منظمة التحرير الفلسطينية والنظام السوري، الذي كان قد دخل لبنان بداية بطلب من الرئيس سليمان فرنجية، وأحزاب اليمين الممثلة بالجبهة اللبنانية المسيحية، وأصطدم بقوات الحركة الوطنية اللبنانية، والثورة الفلسطينية المنضوية تحت أسم القوات المشتركة، قبل أن تغدو قواته جزءاً من قوات الردع العربية، التي أقرها مؤتمر الرياض لوقف الحرب الأهلية في العام 1976، ومن ثم تنفرد بالساحة اللبنانية، بعد “تطفيش” القوات العربية الأخرى وإغتيال كمال جنبلاط.

إنتهت صدامات حركة أمل وقوى اليسار والفلسطينيين في الجنوب ليظهر بعدها العنصر الجديد على الساحة اللبنانية والشيعية، عقب الإحتلال الصهيوني تمثل بحزب الله


إنتهت صدامات حركة أمل وقوى اليسار والفلسطينيين في الجنوب، بالإجتياح الصهيوني الثاني للبنان عام 1982، ليظهر بعدها العنصر الجديد على الساحة اللبنانية والشيعية، عقب الإحتلال الصهيوني للبنان وعاصمته بيروت، تمثل بحزب الله، وما يمثله من إمتداد إقليمي لإيران في لبنان، فكان لا بد من الصدام مع حركة أمل، بعد تحرير غالبية أراضي الجنوب اللبناني وإنكفاء العدو الصهيوني للشريط الحدودي بفضل عمليات المقاومة التي كانت تمثل عامودها الفقري يومها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول – وكذلك حركة أمل، دون إغفال بعض عمليات للمقاومة الإسلامية في بداياتها، لينتهي الصدام بإتفاق سوري – إيراني لُزمت فيه المقاومة ضد إسرائيل لحزب الله، خاصة مع بدء سريان إتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية، وأدخل الميليشيات ومنها حركة أمل، إلى السلطة، ليرسو المشهد على ثنائي شيعي، جزء منه في الدولة وجزء في المقاومة، قبل أن تتحول إلى دويلة ضمن الدولة بعد التحرير، يقابله أحادية سنية، تمثلت بزعامة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وشبه أحادية درزية بزعامة وليد جنبلاط، بعد عزل فيصل أرسلان، على خلفية مواقفه السيادية المعادية للسوريين، وتسليم الزعامة لشقيقه الأصغر طلال، وزعامات مسيحية ضعيفة شعبيا، في ظل غياب المكونات المسيحية الفاعلة ما بين السجن والمنفى، لتنتهي هذه المرحلة بإستشهاد الرئيس الحريري، إثر زلزال 14 شباط 2005، الذي قلب الأوضاع رأسا على عقب، وبدل التحالفات وفرز المواقف، وأدى إلى خروج قوات النظام السوري من لبنان، وإنقسام البلد أفقيا وعاموديا، وظهور ما سمي بفريقي 8 و 14 آذار الشهيرين.

كان يمكن لهذه المرحلة، أن تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، من حيث التعددية داخل كل مكون طائفي، ما يسمح بوجود مناخ سياسي حقيقي، لولا عقلية المحاصصة التي تحكمت بالتسويات السياسية في لبنان، ما بعد الحرب، فكان الإتفاق الرباعي الشهير بين الثنائي الشيعي من جهة والثنائي السني – الدرزي من جهة أخرى، ممثلا بتيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، الوافد الجديد على المشهد السياسي اللبناني ، والحزب التقدمي الإشتراكي بزعامة وليد جنبلاط “البيك الإشتراكي الدرزي”، هذا الإتفاق الذي دفع ثمنه بداية المكون الشيعي السيادي المستقل والحر، من أي تبعية سواء لسوريا كما هو حال حركة أمل، أو لإيران كما هو حال حزب الله، الأمر الذي أدى إلى ضرب أي توجه مستقبلي لدى أي من الفئات الأخرى، لمحاولة الخروج من التبعية الطائفية والمذهبية والحزبية الضيقة إلى رحاب الوطن، ومن ثم دفعت ثمنه قوى 14 آذار مجتمعة، حينما إنقلب عليها الثنائي الشيعي، وبخاصة حزب الله، عبر تفاهم مار مخايل مع التيار الوطني الحر، فبدا وكأن الإتفاق الرباعي، كان فترة إلتقاط أنفاس لقوى 8 آذار، بعد خروج الراعي السوري لها من لبنان، إثر ثورة الأرز في 14 آذار، ليصح القول بأن ” ثور ” قوى 14 آذار الأسود، أُكِل يوم أُكِل الثور الشيعي الأبيض في الإتفاق الرباعي، قبل أن تعود قوى 8 آذار وتنقض على البلد في 7 أيار 2008، ليصبح لبنان الدولة من يومها أسير الدويلة، التي ما لبثت أن فرضت، وبعد أحداث وتطورات كثيرة ميشال عون رئيسا للجمهورية، بعد أن أُختصِر المشهد السياسي اللبناني بعدد من الشخصيات، التي باتت تتحكم بمصير البلد والناس، عبر محاصصات تارة ومخاصمات تارة أخرى، دون أية معارضة سياسية حقيقية ووازنة، إذ رست الأمور على ثنائي شيعي قوي، وشخصيات شيعية معارضة عاجزة عن تشكيل أي إطار جامع، وثنائي مسيحي متنافر وأحزاب وشخصيات معارضة أكثر تنافرا، وزعامة سنية كانت قوية، وضعفت بسبب من موازين القوى على الأرض في الداخل، فضلا عن الوضع الإقليمي الضاغط، الذي دفع بها إلى تسويات سياسية خاسرة، نتج عنها معارضة تبدأ من البيت العائلي، ولا تنتهي في البيت السياسي، من شخصيات وازنة سياسية وفكرية، إنشقت عن الجسم السياسي للطائفة، معطوفة على نواب وشخصيات معارضة، مدعومة من الأطراف السياسية الأخرى في البلد، تشهرها بوجه هذه الزعامة عند اللزوم، ومع ذلك، فشلت كل هذه الأطراف في طرح بديل معقول ومقبول للناس، وإكتفت ببعض المقالات في موقع إعلامي، يبدو وكأنه أنشئ خصيصا للغمز من قناة هذه الزعامة، دون أي مردود إيجابي لهذه المقالات، سوى أنها تضر بالشخص ولا تنفع البلد. في الجانب الدرزي ثنائية درزية تقليدية، أضيف إليها الطرف الثالث لزوم الحرتقة السياسية، كما في الجانب السني، كلما لزم الأمر، ليبدو الأمر كأنه ثلاثية من ضمن الثنائية التي باتت ضعيفة أيضا، بحيث باتت تتنافس وتتوافق حسب بارومتر، الوضع السياسي للأطراف الأخرى في الصراع الداخلي، والناس هي من تدفع الثمن في النهاية حتى وصلت الأمور الى الإنهيار الذي تعيشه اليوم.

حملت ثورة 17 تشرين بعض الأمل في الأشهر الأولى، ولكنها اليوم وهي على أبواب عامها الثاني نراها تنكفئ وتفشل في تشكيل كيان موحد


حملت ثورة 17 تشرين، بعض الأمل في الأشهر الأولى، ولكنها اليوم، وهي على أبواب عامها الثاني، نراها تنكفئ وتفشل في تشكيل كيان موحد، أو جبهة عريضة تتفق على الحد الأدنى من الثوابت، بالرغم من أن إنفجار المرفأ، كان يجب أن يكون حافزاً لإنطلاقة جديدة واعية، وتبدو اليوم أكثر من أي وقت، وكأنها تختلف على “جنس الملائكة”، الأمر الذي سهَّل على السلطة المافياوية القائمة، أن تحاصرها وتفرغها من مضمونها، وتشتت قواها عبر الترهيب للأغلبية عن طريق “ذراعها” الشيعية للأسف، التي يبدو أنها باتت الطرف الوحيد المتحرك، والقادر على “التغيير”، سواء بالترهيب أو الترغيب، بسبب من تنظيمها الحزبي الحديدي، وقوتها الأمنية والعسكرية، في ظل شلل شبه كامل لباقي الأطراف، وعبر الإختراق لبعض المجموعات الشبابية، المتحمسة سياسيا وإيديولوجيا، تحت شعار حماية المقاومة ومقارعة الإمبريالية، وهي شعارات باتت بحكم التجارب، تخيف قطاعات واسعة من الناس العاديين الذين لا هم لهم سوى لقمة عيشهم، وتأمين حياة كريمة ولائقة لعائلاتهم ومستقبل زاهر لأولادهم، وهكذا دخلنا في سلبية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقل بمردودها عن سلبية السلطة الحاكمة، التي يبدو أنها إستعادت أنفاسها، بالرغم من كل المشاكل التي يعاني منها البلد والناس، وتراها مرتاحة لوضعها وتتأهب لخوض الإنتخابات المقبلة – إن سمحت الظروف بإجرائها – غير عابئة بما يعانيه الناس، من ظلم وإذلال ومهانة، والدليل أنها تتعامل مع قضية تشكيل الحكومة بكل برودة، وترف تضييع الوقت، وكأن البلد بألف خير، لنجد أنفسنا نحن المواطنين بين سلبيتين ك “طرفي كماشة”، لا يمكن أن ينتج عنهما أي أمل بمستقبل أفضل، أو بوطن لا يمكن أن يبنى ويستقر، إلا عبر العمل الإيجابي والدؤوب بعيدا عن أي سلبية.

السابق
اختطاف 4 شبّان من أمام السفارة السورية في لبنان.. ماذا يجري؟
التالي
خاص بالفيديو: اطلاق نار وتضارب بالسكاكين أمام محطة في العباسية.. وسقوط 5 جرحى!