حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: حكومة رئيسي.. احمدي نجاد على «بساط احمدي»!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

في الشكل؛ قدم الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي، لائحة باسماء اعضاء حكومته، مؤلفة من تسعة عشر وزيرا، الى البرلمان الايراني لنيل الثقة، ومن المفترض ان يبدأ النواب في دراسة اهلية كل وزير، لتولي الوزارة المرشح لها ومن ثم التصويت عليه. ومن المفترض اذا نالت اكثرية الوزارة المقترحة الثقة ان تبدأ اعمالها، ومن المرجح ان ينتهي البرلمان من هذه الالية، في التاسع عشر او العشرين من هذا الشهر آب/ اغسطس. ويكون على الرئيس تقديم مرشحين اخرين، بديلا عن الوزراء الذين لم ينالوا الثقة.

في القراءة الاولى لسيرة كل من الوزراء المقترحين، يمكن القول ان غالبية المرشحين، من ذوي الاختصاصات والتجارب العملية المرتبطة بالوزارة التي سيتولونها، باستثناءات قليلة. ومن المفترض ان يشكلوا رافعة حقيقية، لعمل مختلف قطاعات الدولة ومؤسساتها، على خلفية تعويض النقص والضعف وعدم الانتاجية، التي اتهمت بها حكومة الرئيس السابق حسن روحاني، وكانت وراء حالة الفشل الاقتصادي والاداري الذي تعاني منه ايران، حسب ما اتفقت عليه القوى والاحزاب المحافظة، التي شكلت سدا امام روحاني في تنفيذ سياساته الخارجية، وراهن عليها باحداث تحول في الاوضاع الداخلية، خصوصا ما يتعلق بالنتائج المرتبطة بالاتفاق النووي، والخروج من نفق العقوبات الاقتصادية، التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية.

إقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: ايران والرقص على «حافة الهاوية»!

في المضمون؛ وبعد قراءة السير الذاتية للوزراء المرشحين، والمواقع والمناصب التي يأتون منها، او التي سبق ان عملوا على رأسها، انهم يمثلون توجها سياسيا واضح المعالم، سبق ان تولى تشغيل السلطة التنفيذية قبل عقد من الزمن، في عهد الرئيس الاسبق محمود احمدي نجاد، ويتم اعادة انتاجه او اعادة تدويره مع الرئيس الجديد، وكأن المراد من وراء الاستعانة بهم في الحكومة الجديدة، القول بانهم لا يتحملون مسؤولية ما آلت اليه الامور، في التجربة التي خاضوها مع احمدي نجاد.

قد لا يكون من الانصاف وصف طابع الحكومة الجديدة بانه “احمدي نجادي” بالكامل، فالفريق القديم للرئيس الجديد في السلطة القضائية، التي اتى منها الى رئاسة الجمهورية، او مؤسسة “استانه رضوي- الحضرة الرضوية”، التي تعتبر من اكبر المؤسسات الاقتصادية في الشرق الاوسط، حاضر بوضوح بين المرشحين للمواقع الوزارية، او المفاصل الاساسية في السلطة التنفيذية، التي لا تحتاج الى نيل ثقة البرلمان، الى جانب حصة وازنة ومؤثرة ومقررة لحرس الثورة الاسلامية، التي حصلت على وزارات الداخلية (احمدي وحيدي وزير دفاع في حكومة احمدي نجاد)، الامن (اسماعيل خطيب من العامل في جهاز امن الحرس ومؤسسة الحضرة الرضوية)، النقل والاسكان (رستم قاسمي وزير نفط احمدي نجاد)، السياحة والتراث (عزت الله ضرغامي رئيس مؤسسة الاذاعة والتفلزيون)، والخارجية (حسين امير عبداللهيان).

وعلى الرغم من تعدد مشارب وانتماءات التشكيلة الوزارية، التي تمثل مختلف اطياف التيار المحافظ (المتشدد والجديد والعسكر والامن). لكن في المقابل، يمكن القول ان غالبيتهم، مروا بتجارب سابقة في تولي مناصب تنفيذية بمستويات متنوعة، اما على رأس احدى الوزارات، او كمعاونين لرئيس الجمهورية، او مساعدي وزراء او ككبار المسؤولين في المؤسسات السلطة التنفيذية، الا ان الخيط الذي يجمع بينهم، ان هذه التجارب كانت وحصلت في عهد الرئيس احمدي نجاد.

رئيسي وكغيره من الرؤوساء السابقين، لم يكن مطلق اليد والصلاحية، في اختيار اعضاء حكومته وفريقه الوزراي، اذ تعرض لضغوط من اجنحة التيار المحافظ الذي يمثله في السلطة

رئيسي وكغيره من الرؤوساء السابقين، لم يكن مطلق اليد والصلاحية، في اختيار اعضاء حكومته وفريقه الوزراي، اذ تعرض لضغوط من اجنحة التيار المحافظ الذي يمثله في السلطة، وسقف التوقعات الكبيرة التي سيطرت على قياداته، لتكون في السلطة التنفيذية من منطلق ما تعبره استحقاقا، نتيجة دعمها لوصول رئيسي الى رئاسة الجمهورية، وهو ما ادى الى تأخير الاعلان عن التشكيلة الوزارية، التي كان متوقعا الكشف عنها خلال حفل اداء اليمين الدستوري. فضلا ان اللائحة النهاية، وبعد توزيع الحصص وتقاسمها مع هذه التيارات، لا بد ان تمر على المرشد الاعلى والحصول على موافقته النهائية، قبل ارسالها وتقديمها الى البرلمان، خصوصا في هذه الحكومة التي يراهن المرشد على نجاحها و فعاليتها، بما تمثله من ارادة النظام والدولة العميقة، التي استطاعت هذه المرة تحقيق طموحها، في توحيد جميع السلطات ومراكز القرار، في قبضتها بشكل كامل وواضح لا لبس فيه او شبهة عدم الولاء.

العودة للاستعانة بهذه الشخصيات تحديدا تلك التي كانت في الصف الاول او الصف الثاني في عهد احمدي نجاد، يعني اعترافا ضمنيا بفشل خيار النظام

العودة للاستعانة بهذه الشخصيات، تحديدا تلك التي كانت في الصف الاول او الصف الثاني في عهد احمدي نجاد، يعني اعترافا ضمنيا بفشل خيار النظام، في وضع احمدي نجاد على رأس السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية من جهة، ورفض الاعتراف بخطأ الرؤية او الاستراتيجية، التي وضعها لادارة البلاد وتطبيق سياساته. وان الفريق الذي عمل مع احمدي نجاد، لا يتحمل مسؤولية النتائج السلبية والمدمرة، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفكريا لادارته، خصوصا وان الاخير، لجأ الى تشكيل وتكوين فريق خاص به، بعيدا عن ارادة المرشد الاعلى والدولة العميقة، وحاول الالتفاف على المؤسسات المقررة، ان كان على المستوى الداخلي او على المستوى الخارجي، من خلال اللجوء الى استحداث مهمات لهذا الفريق، ترتبط به مباشرة ولا تمر عبر الحكومة او الاليات الدستورية، وخارج رقابة او معرفة الدولة العميقة ومؤسسة المرشد الاعلى، متبعا الالية الموجودة في الادارة الامريكية، في تفكيك الملفات وتكليف مبعوثين خاصين به، لمتابعتها وادارتها من دون التنسيق مع الوزارات المعنية، خصوصا مع الخارجية في الملفات الدولية والاقليمية. وهي سياسات انتهت الى مواجهة بين احمدي نجاد والمرشد الاعلى، في سابقة لم تشهدها الحكومات السابقة، حتى تلك التي كانت تمثل مشروعا متقاطعا ومختلفا مع مشروع المرشد، كالمشروع الاصلاحي الذي حمله الرئيس الاسبق محمد خاتمي.

اعادة تدوير او اعادة انتاج فريق عمل احمدي نجاد مع الرئيس الجديد، قد لا يكون جديدا

اعادة تدوير او اعادة انتاج فريق عمل احمدي نجاد مع الرئيس الجديد، قد لا يكون جديدا، فهو- اي رئيسي- لجأ الى هذا الخيار، عندما دخل السباق الرئاسي عام 2017 ضد روحاني في دورته الثانية، بحيث اعتمد على هذا الفريق في ادارة حملته الانتخابية، خصوصا الشخصيات التي اعلنت معارضتها لما آل اليه احمدي نجاد، من افتراق فكري وعقائدي ومنهجي مع رؤية المرشد الايديولوجية. الا ان هذه العملية قد تكون بمثابة المقامرة لرئيسي، الذي يبدو انه قرر السير على حد السكين في ادارة مؤسسات الدولة، في ظل صعوبة تحقيق انسجام ضروري، لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة لايران داخليا ودوليا، لان عوامل التناقض والتباين الداخلي بين اعضاء الفريق الوزاري، قد لا تتأخر في الظهور الى العلن، لاختلاف المشارب المحافظة التي يأتون منها، والتنافسية الحادة بين الجهات التي يمثلونها، والساعية لاثبات جدارتها في ادارة البلاد، وتطبيق رؤية المرشد والدولة العميقة.

فهل يستطيع رئيسي العبور بايران من نفق الازمات داخليا وخارجيا، ام سيكون مصداقا للمثل الايراني الذي يقول بالفارسية “آزموده را آزمودن خطاست”، والذي استخدمه العراقيون بكثرة في السنوات الاخيرة بقولهم “المجرب لا يجرب” او في معادلة الانكليزي “It is a mistake to test the tried”؟.

السابق
تطور في ملف احداث خلدة الدموية.. ما الجديد؟
التالي
دولار السوق السوداء.. كيف أقفل مساءً؟