حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: هكذا «احتوت» طهران حركة طالبان!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

في الوقت الذي اعلنت حركة طالبان سيطرتها على معبرين بريين اساسيين بين افغانستان وايران، كان وفد من المكتب السياسي لهذه الحركة برئاسة عباس استانكزي معاون المكتب السياسي، يجلس الى طاولة حوار افغانية في مبنى وزارة الخارجية الايرانية، برئاسة وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف، في مواجهة ممثل حكومة كابول وزير الداخلية السابق يونس قانوني، وممثلين عن احزاب المعارضة والهئيات المعنية باللاجئين. 

إقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: الانتخابات الايرانية على وقع «الانتفاضة الاصلاحية»!

اجماع طهران يأتي بعد فشل الجهود التي بذلتها كل من الحكومتين الروسية والتركية في الاشهر الماضية، لعقد جولة حوار بين القوى الافغانية بمحورية حكومة كابول وحركة طالبان، لبحث آليات المرحلة الانتقالية بعد الانسحاب الامريكي، نتيجة عراقيل وضعتها قيادة طالبان افشلت انعقادها. 

يمكن القول ان طهران نجحت حيث فشلت موسكو وانقره، الا ان هذا النجاح جاء تبعا للمتغير الميداني الحاصل، نتيجة سيطرة مقاتلي حركة طالبان على غالبية الاراضي الافغانية- في بعض التقديرات التي ترفضها الحكومة سيطرت طالبان على اكثر من 80 في المئة من افغانستان- ووصولها الى مشارف العاصمة كابول (30 كليومترا الى الشرق من العاصمة). ونتيجة ايضا لحاجة طالبان الى توجيه رسائل ايجابية، لدول الجوار الافغاني حول نواياها المستقبلية لما ستكون عليه الاوضاع في هذا البلد، خصوصا وان قيادة هذه الحركة اكدت عدم نيتها السيطرة على العاصمة واسقاط الحكومة. وهو موقف قد يكون مرحليا، في حال فشلت جهود الحوار بينها وبين الحكومة الرسمية بقيادة الرئيس اشرف غني. 

النجاح الايراني في تشكل طاولة الحوار الافغانية يأتي نتيجة لمسار بدأته طهران في حوارات موازية للحوار الذي استضافته الدوحة بين الادارة الامريكية وطالبان

والنجاح الايراني في تشكل طاولة الحوار الافغانية، يأتي نتيجة لمسار بدأته طهران في حوارات موازية للحوار، الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة بين الادارة الامريكية، ممثلة بسفيرها من اصل افغاني زلماي خليل زاد وحركة طالبان ممثلة برئيس المكتب السياسي الملا عبدالغني برادر. اذ ان هذه الحوارات بدأت عندما استقبلت طهران في 26 يناير 2021 الملا برادر في طهران، في اطار جهودها لتقريب وجهات النظر بين الحركة وحكومة كابول، والاتفاق على خارطة طريق للتعاون بين الطرفين، بموازة اتفاق الحركة مع واشنطن وما تضمنه من آليات ما بعد الانسحاب الامريكي من هذا البلد. 

على الرغم من ان الانسحاب الامريكي وقوات الناتو من افغانستان، يصب في اطار استراتيجية الرد على اغتيال الجنرال قاسم سليماني في العراق، والتي اعلنها المرشد الاعلى للنظام الايراني بعد الثالث من يناير 2020، وتضمنت في احد بنودها العمل على خروج القوات الامريكية من منطقة غرب آسيا، الا ان طهران، ومع واشنطن قرار الانسحاب على مسار التنفيذ، بدأت تشعر بالتحديات التي قد تنتج عن هذا الانسحاب، وما يمكن ان يشكله من قلق امني على حدودها الشرقية، خصوصا وانه يأتي من دون التفاهم معها او في التوقيت المناسب لها. 

فالحوارات التي بدأتها مع حركة طالبان، والزيارات المتبادلة بين الطرفين، في اطار الجهود من اجل التوصل الى صيغة تساعد على رعاية تفاهم بين الحركة والحكومة الرسمية، حول طبيعة السلطة وآليات الحكم ما بعد الانسحاب، لم تصل الى مرحلة النضج، بما يسمح او يساعد طهران على تكريس دورها الوسيط، بين الاطراف الافغانية المتنازعة، ويضمن ابعاد الخطر الامني وموجات جديدة من اللاجئين على حدودها الشرقية. خصوصا وانها لم تنته بعد من معالجة الاثار السلبية، على حدودها الشمالية والغربية، نتيجة الحرب الاذربايجانية الارمينية ونتائجها الجيوسياسية عمقها في منطقة القوقاز.

هذه القراءة الايرانية تنظر الى تقدم طالبان، بانه نتيجة للفراغ النفسي والامني الناتج عن انسحاب القوات الامريكية والناتو

المقولة التي لجأ اليها النظام والدبلوماسية الايرانية في التعامل مع المتغير الافغاني، وعودة طالبان الى الواجهة، تقوم على قراءة جديدة لطبيعة هذه الحركة او الجماعة، وانها تختلف في خلفياتها عن تلك التي سيطرت على افغانستان، في تسعينيات القرن الماضي وارتكبت المجازر والقتل بحق الاقليات المذهبية والاثنيات القومية. 

وهذه القراءة الايرانية تنظر الى تقدم طالبان، بانه نتيجة للفراغ النفسي والامني الناتج عن انسحاب القوات الامريكية والناتو، والسعي لاستغلال هذا المستجد لتعزيز مواقعها ومناطق نفوذها، بالاضافة الى الانقسام القائم بين اركان الحكومة والسلطة في كابول، وعدم وجود رؤية موحدة بين القوى والاحزاب المعادية لطالبان، الذي ترك اثارا سلبية على القوى العسكرية والامنية الرسمية التي فقدت الدافع للتصدي لتقدم طالبان. 

وحسب اعتقاد طهران، فان فشل الحوارات الافغانية في اسطنبول والدوحة، لم يكن امامها سوى الخيار العسكري، كتكتيك لفرض نفسها شريك في مفاوضات السلام المستقبلية واستخدامها في للحصول على مكاسب سياسية، اما في حال فشل هذا التكتيك، لا تسبتعد طهران ان تعود طالبان لاعتماد الاستراتجية التي اعتمدها عام 1996، والسيطرة على كامل البلاد واسقاط الحكومة الرسمية في كابول.

الدافع الاساس للتحرك الايراني هو المصالح القومية والاستراتيجية

يمكن القول ان الدافع الاساس للتحرك الايراني للبحث عن حلول والتمسك بمبدأ الحوار الداخلي في الازمة الافغانية، هو المصالح القومية والاستراتيجية، خصوصا في ظل مخاوف من ان تتحول افغانستان، في حال سقوط حكومة كابول، الى ساحة  لعمليات فلول تنظيم داعش، بالاضافة الى مساع بعض الاطراف المؤثرة على هذه الساحة، لاستغلال هذا المتغير في محاصرتها وتحويل المناطق الشرقية، الى مصدر تهديد امني يجبرها على صرف النظر، او التخفيف من دورها ونفوذها في ساحات اخرى في منطقة غرب آسيا، والتركيز على الخطر القادم من الشرق. 

السابق
بالفيديو: بري يبحث طلب رفع الحصانة في تفجير المرفأ.. ومواجهات بين الأهالي والقوى الامنية!
التالي
انهيار تاريخي لليرة.. الدولار يشق طريقه نحو الـ 20 ألف!