حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: «لبنان الأخضر» يتحول الى ثُقبٍ أسود!

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

تفاقمت أزمة لبنان يوم سقوط دولته، وسقطت دولته يوم تولى سلطاتها رجال لا قِيَم لديهم ولا معايير تحدد أداءهم، ولا ضوابط تردع أطماعهم وشهواتهم، وتعطلت مؤسسات النظام، يوم تمّ ليّ عنق الدستور واخضاعه لمصالح اصحاب النفوذ، تعديلاً وتحريفاً وتأويلاً وتزييفاً، وساد منطق الارتكاب والجريمة، يوم اصبح الخروج عن القانون واستباحة نصوصه، ميّزة سياسية يفاخر بها الزعيم السياسي أَمامَ أتباعه ومريديه، تماما كما يفاخر قبضاي في ايّ قرية بائسة، بأنه كسر مزراب العين، وأنّ من يريد الماء، عليه أن ينال رضاه وبركته، لذلك تبدلت لغة السياسة والرئاسة من سؤال الرئيس فؤاد شهاب الجوهري، عند كل منعطف سياسي او أزمة وطنية، “ماذا يقول الكتاب” اي الدستور، الى أسئلة التفاهة المافوية ماهي حصتي؟ وكيف اضمن مستقبل وريثي!؟ الدولة سداها المعايير والقيم، أما العصابة فديناميتها القوة ومبتغاها الحصص.

اقرا ايضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية» عن الحكومة «الهجينة»: الثورة مسألة حياة!

وفقد شعب لبنان صفته كشعب في وطن يوم ربط وحدّد ولاءه السياسي لزعيمه، بمدى قدرة هذا الزعيم على مساعدته في مخالفة القانون، او التهرب من تطبيقه او النجاة من عقابه، او تمكينه من تجاوز نتيجة امتحان لدخول وظيفة، فأصبحت دينامية تشكيل الجماعة السياسية تشبه دينامية عصابة اجرامية، بدل ان تكون دينامية ائتلاف، يبغي الدفاع عن المصالح المشروعة ويؤمن الخدمات العمومية والانسانية.

فقد شعب لبنان صفته كشعب في وطن يوم ربط وحدّد ولاءه السياسي لزعيمه

وفقد لبنان روح الانتماء اليه، يوم ارتضى الناس أن يتحلقوا حول رجال سلطة، ليس في سيرهم الذاتية اي ملامح نجاح في مهنة رائدة، او ادارة شركة ناجحة، او انجاز معرفي في حقل من حقول علوم العصر وتقنياته، بل أنّ أغلى أرصدة كل واحد منهم، تبعيته لدولة اجنبية، تمده بالمال والسلاح والموارد والخدمات، وفي سيرته أغلب الأحيان إرثاً من ضحايا، يحمل جثثها نعوشا على أكتافه، أو دما على يديه، أو كل ما تقدم مجتمعا.


وفقد لبنان معناه يوم خانت النخب العلمية والثقافية والإعلامية والمهنية، أمانة دورها الريادي ومسؤولياتها ك “سلطة معرفة” تعتمد النزاهة وتبحث عن الحقيقة، فقبلت هذه النخب بأغلبيتها، بان تكون جوقات تمجد الزعماء، وتحمل مباخر التفخيم والتعظيم، وتستنبط عسفاً وكذباً، صفات قداسة البعض، وعبقرية البعض الاخر، وعصامية الثالث، مصطنعة بلاغة لمن لا يجيد قراءة خطاب، ومعلنة ثقافة عميقة لمن لا يقرا في السنة ايّ كتاب، ومسندة مرجعية علمية شاملة، لمن لا يعرف من ابواب العلم والعصر والعالم ايّ باب، يوم حدث كل هذا واستمر دون رفض او احتجاج تأسست الكارثة وانهارت قيم الجمهورية ومعاييرها.

فقد لبنان معناه يوم خانت النخب العلمية والثقافية والإعلامية والمهنية أمانة دورها الريادي ومسؤولياتها كـ”سلطة معرفة”

على قاعدة كل ما تقدم ذهب الوطن واهله من حكمٍ، بالدستور والقانون وطبقا للمعايير والاصول الديموقراطية، الى سلطة تشبه عصابة مافيوية تطبق شريعة الغاب وتتصف بأخلاق الذئاب الجارحة فيها، فتمّ افتراس الادارة أولاً، عبر انتهاك قانون الموظفين ومعايير الخبرة والكفاءة والامتحان، من أجل إدماج جيش من الأغبياء و أشباه الأميين من حملة الافادات وأشباهها من الشهادات، في ملاكات الدولة ومؤسساتها العامة، وجرى اختراع عشرات الصفات الجديدة للعاملين في السلطة، للالتفاف على القانون وموجبات وشروط الوظيفة العامة، فأصبح لدينا أجراء، ومياومين، ومستخدمين، وعمال فاتورة، وعمال اكراء، ومتطوعين مأجورين طبعاً، ومستعان بهم، الخ… وكلها صفات لوظائف دائمة خارج موجبات القانون وشروطه، وتجاوزاً لملاكات الادارة العامة وحاجاتها، وعندما تلكأ مجلس الوزراء مجتمعاً في الاستمرار في حشو المحاسيب، بعد أن فاضت الادارة العامة بأعدادهم، تولى التوظيف مجلس النواب عبر قوانين تشرع ادخالهم الى الوظيفة، في تجاوز واضح للفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، كما حدث في قطاعات الكهرباء والدفاع المدني وغيرها.

تحولت الادارة العامة الى جسم متورّم ضخم غير منتج وغير كفوء بكلفة عالية ودون جدوى


على هذا النحو، تحولت الادارة العامة الى جسم متورّم ضخم غير منتج وغير كفوء، بكلفة عالية ودون جدوى، فما كان من السلطة الى أن لجأت الى انشاء ملاكات موازية، عبر عقود تبرمها بتمويل خارجي او دولي وبرواتب وعقود مجزية، تقاسمتها بطانة أصحاب السلطة والقابعين على ابواب زعمائها.

لم يقتصر الأمر على افتراس الادارة العامة، بل انتقلت أنياب الذئاب السلطوية الى افتراس المؤسسات العامة، ومرافق الخدمات في المطار والمرفأ والجامعة اللبنانية، والكهرباء والاتصالات والمستشفيات الحكومية ومصالح المياه، وشركة انترا، فحولتها الى بقرات حلوب، واستباحتها توظيفا وعائدات وتلزيما، حتى جفت ضروعها، ونضب حليبها.
على خط آخر، دارت العصابة صوب الاملاك العامة والبلدية في البحر ومجاري الأنهر والقمم الجبلية، فاستولت عليها، وحولتها الى املاك خاصة اقامت عليها، اراض جديدة ومنتجعات للسياحة ومرافئ يخوت، حيث كان ذلك مربحاً، ومطامر نفايات في مناطق ثانية وكسارات ومرامل في المناطق الثالثة، ومعامل اسمنت تجرف جبالا كاملة في مناطق رابعة.

الصراع في لبنان كان بين مشروعين متناقضين فالحريرية السياسية انتهت يوم انتخاب الرئيس اميل لحود رئيسا

ليس صحيحا ان الصراع في لبنان كان بين مشروعين متناقضين، فالحريرية السياسية، كمشروع اقتصادي واعماري، انتهت يوم انتخاب الرئيس اميل لحود رئيسا للجمهورية، وانتهت مرة ثانية يوم وفاة الرئيس حافظ الاسد الذي كان يدير سياسةً سوريةً، تحرص على الشراكة العربية مع مصر والسعودية، تلك الشراكة كانت المستند الاقليمي الضروري للحريرية السياسية، ولم يكن من نتيجة تولي ابنه بشار الأسد السلطة، الا ذهابا كاملا، بسورية، الى الحضن الايراني والاصطفاف خلف خيارات طهران الإقليمية، وانتهت مرة ثالثة باغتيال مؤسسها.

أمّا مشروع حزب الله كمقاومة لبنانية، وليس كحزب وظيفته ان يكون ذراعا اقليميا لنفوذ طهران، فقد انتهى سنة ٢٠٠٠ بعد انسحاب اسرائيل من الجنوب ورسم الخط الازرق، وتأكدت نهاية هذا المشروع يوم ٧ ايار ٢٠٠٧، حين استعمل حزب الله سلاحه لكسر المعادلة الداخلية اللبنانية، وفرض هيمنته وايران بالقوة المسلحة، وتكرست نهاية مشروع المقاومة مرة ثالثة، يوم قرر الراعي الاقليمي في ايران تكليف حزب الله، بالدفاع عن الاسد والاشتباك بمعارك العراق واليمن، التي اتخذت طابع الفتنة المذهبية.

كان الإصلاح عصيّاً على التنفيذ وقولا لا معنى له ويتيماً لا أب له ولا أهل على مائدة لئام العصابة وأطرافها

منذ سنة ٢٠٠٠ على الاقل، تجلت الحاجة الى برنامج اصلاحي جذري، يعيد بناء وظيفة لبنان الاقتصادية ودوره الاقليمي وعلاقاته العربية، ويعيد على ضوء ذلك، تأهيل واصلاح هيكليات السلطة و الادارة العامة، وتحديث قطاعاته الانتاجية وتطوير مجالاته الاقتصادية، اعلنت هذه الحاجة مرارا وتكرارا في كل مؤتمرات دعم لبنان في باريس ١ و٢ و٣ ، ثم وضعت شرطا مسبقا في الاجتماعات التمهيدية لمؤتمر سيدر، كما اعلنت الحاجة الى الاصلاح في كل بيانات الوزارية، التي تبنتها الحكومات المتعاقبة على عقدين من الزمن، رغم ذلك كان الإصلاح عصيّاً على التنفيذ، وقولا لا معنى له، ويتيماً لا أب له ولا أهل، على مائدة لئام العصابة وأطرافها، وكان هذا الاستعصاء أمراً منتظراً وبديهياً فلا اصلاح دون اصلاحيين.

في المدة الفاصلة بين ٢٠٠٠ و٢٠٠٦، استطاعت اطراف السلطة أن تتلطى وتبرر إمتناعها عن الاصلاح، بالوصاية السورية وقبضتها الخشنة على موارد الدولة، ثم في حرب تموز وتداعياتها الاقتصادية، لكن بعد انسحاب جيش الاسد من لبنان، وبعد “مؤتمر الدوحة” وانتخاب الرئيس ميشال سليمان، استمر نهج تعطيل الاصلاح والتنكر لموجبات اعادة البناء، دون وجل أو خجل!.

استعصاء الاصلاح ليس استعصاءا جديداً يواجه المبادرة الفرنسية ويقفل الباب امام تشكيل حكومة مهمة


فاستعصاء الاصلاح ليس استعصاءا جديداً، يواجه المبادرة الفرنسية ويقفل الباب امام تشكيل حكومة مهمة، فعمر هذا الاستعصاء واحد وعشرون سنة وهو ليس مرتبطبا بسلوك أطراف السلطة وحساباتها السياسية، بل هو متعلق بطبيعة العصابة وجوهر تكوينها، كمنظمة اجرامية تدير لبنان وتستبيح خيراته.

شكلت السلطة الممسكة بالداخل دوامة تقوم بطرد كل ظاهرة ايجابية او كفاءة علمية أو فعالية اقتصادية واعدة الى خارجها


وقد تجلت هذه الطبيعة فيما فعلته هذه السلطة منذ اعترافها بضرورة الاصلاح وموجباته، فتابعت بدأب واصرار عمليات سطوها التي اعتادت ممارستها منذ نشأتها، واستكملت السطو على بيئة الاعمال والقطاع الخاص، تارة بفرض اتاوات مالية على مشاريع انتاجية واستثمارات صناعية او سياحية، وطوراً بفرض تنفيعات ووظائف لمحاسيبها وازلامها في المؤسسات الخاصة المالية والتجارية، بحيث اصبحت اسواق المهن و فرص العمل في المؤسسات الخاصة والعامة، تكيّة ومنّة يمنحها سلطان الجماعة لخاصة اتباعه. وقد ادى هذا الامر الى هجرة اصحاب الكفاءات والكرامات الى خارج لبنان يبحثون عن عمل او مستقبل آخر.


على مدى عشرون عاما واكثر كانت تبعية لبنان تكبر وتترسخ، وكان ارتهانه السياسي والاقتصادي يتعاظم ويتبلور، فيما كان الداخل يتآكل ويتعفن تحت سطوة العصابة وارتكاباتها، فيصاب بخواء سياسي، ثقافي، اقتصادي واعلامي، بحيث شكلت السلطة الممسكة بالداخل، دوامة تقوم بطرد كل ظاهرة ايجابية او كفاءة علمية، أو فعالية اقتصادية واعدة الى خارجها، فيما تجتذب هذه الدوامة كل عناصر الخراب والجريمة والفساد لإدماجها في متنها وديناميتها، فمن استباحة موارد الدولة والتهرب الجمركي والضرائبي، الى السوق الاسود الموازي، الذي اقتطع الحصة الكبرى من الاقتصاد الحقيقي، الى تبيض الاموال والاتجار بالمخدرات، وبمراسيم تجنيس الملاحقين بمذكرات جنائية دولية، الى بيع وظائف الدولة ومناصبها، الى استباحة ودائع شعب بكامله… صنعت العصابة دولة الثقب الاسود، الذي يدمر كل من في داخله، ويلفظ خارجا كل ظاهرة او بنية لا تخضع لنزعاته.

صنعت العصابة دولة الثقب الاسود الذي يدمر كل من في داخله ويلفظ خارجا كل ظاهرة او بنية لا تخضع لنزعاته

سلطة الثقب الاسود تدير استمرار خراب وطن كان اخضر، فيفتقد الناس فيه، كل ضروريات الحدّ الادنى من متطلبات حياتهم، ويتأكد مرة أخرى، أن ترحيل العصابة هو شرط من شروط بقاء لبنان.

السابق
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الثلاثاء في 8 حزيران 2021
التالي
من هم «حزب اللّٰه» القرآني؟