حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين!

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

عادت قضية فلسطين الى واجهه الاحداث، واسترجعت موقعها في صدارة قضايا العالم، وأصبحت تحدد وجه المنطقة ومسار الاحداث فيها، فبعد سبعة عقود ونيف على النكبة، تتردد اشعار محمود درويش كحقيقة عنيدة من حقائق الحياة وأمثولاتها: كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين! 

اقرأ أيضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: هل تقوى فرنسا على انجاح مبادرتها واستكمالها؟

صحيح ان اسرائيل قد نجحت في اقامة مشروع دولة، تجمّع فيها أكثر من ستة ملايين يهودي، اعادوا احياء اللغة العبرية، واقاموا الى جانب الاقتصاد الحديث والصناعة المتطورة والزراعة الدقيقة والتقدم التكنولوجي ، بنية سوسيو سياسية تتمتع بعناصر القوة العسكرية والجيش القادر على حمايتها ، وتمتلك التقنية النووية وسلاحا يصل الى مئتي راس حربي ذري، لكنها فشلت في طمس الهوية الفلسطينية، وتطويع ارادة الفلسطينيين واجبارهم على التنازل والتسليم بحقوقهم المشروعة في أرضهم وبيوتهم، وحقهم بالعدالة وتقرير المصير والحياة الحرة الكريمة داخل بلادهم.

فشلت اسرائيل في طمس الهوية الفلسطينية وتطويع ارادة الفلسطينيين واجبارهم على التنازل

فلا المجازر المتكررة ولا الحروب الخاطفة، ولا القصف الجوي التدميري او الاجتياحات البرية الغاشمة، أو سياسات الاغتيالات لتصفية قيادة الشعب الفلسطيني وناشطيه ومناضلي حركته الوطنية، ولا سياسات التضييق والحصار، أو التهويد وتهجير القرى والبلدات العربية والاستيلاء على الاراضي، ولا نشر قطعان المستوطنين لارتكاب الجرائم الفظيعة، ولا هدم البيوت او تجريف البساتين وتدمير المحاصيل، ولا سياسات تكسير ايادي اطفال الحجارة وضرب المدنيين بالقنابل والرصاص المطاطي أو الحي، ولا سياسات تطويق المدن الفلسطينية بالجدران الفاصلة والحواجز العسكرية الظالمة، ولا محاولات احباط عزائم الفلسطينيين وبث الياس في نفوسهم، من خلال عقد تسويات سلمية منفردة مع الدول العربية، بدأت مع مصر واتفاقيات كامب ديفيد وانتقلت للاردن في وادي عربة، ثم الى الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية في اوسلو، وتتوجت، بصفقة القرن التي حاولت تمريرها الادارة الاميركية في عهد دونالد ترامب، وكان من ثمارها اتفاقية “سلام ابراهيم” وتطبيع علاقات دول خليجية عربية متعددة مع اسرائيل اضافة لجمهورية السودان، ولا اعتراف اميركا بضم الجولان السورية الى الدولة العبرية، ونقل السفارة الاميركية الى القدس المحتلة، لا شيء من كل هذا استطاع اسقاط المشروع الوطني الفلسطيني، او كسر ارادة شعب مازال يواجه منذ مئة سنة ونيف.

استطاع الشعب الفلسطيني ان يبلور قضيته الوطنية ويحتفظ برايته النضالية، من اجل تقرير مصيره

على الرغم من كل الجراحات والمعارك والخيبات، والتضحيات البشرية الفلسطينية عبر ثلاثة اجيال متوالية، وسط انحياز دولي فاضح لسياسات اسرائيل، وفي جو عربي رسمي يتأرجح بين العاجز والمتواطئ، استطاع الشعب الفلسطيني ان يبلور قضيته الوطنية ويحتفظ برايته النضالية، من اجل تقرير مصيره وحقه بالحياة والسيادة والكرامة والاستقلال.

حملت جولة المواجهة  الفلسطينية الإسرائيلية الجديدة ملامح خاصه لم تكن موجوده في المواجهات السابقة

حملت جولة المواجهة  الفلسطينية الإسرائيلية الجديدة، ملامح خاصه لم تكن موجوده في المواجهات السابقة، فقد بدأت مواجهة محدودة، حول اخلاء عدد من بيوت  حي الشيخ جراح في القدس، لتتوسع الى معركة للدفاع عن الحرم الشريف والمسجد الاقصى وقبة الصخرة، والحق الفلسطيني بممارسة شعائره الدينية في مدينته المقدسة، في مواجهة سعي المستوطنين للاحتفال باحتلال القدس، بما اسموه توحيد القدس وتحريرها، فكانت هبة  العرب الفلسطينيين داخل الخط الاخضر، لتأكيد عروبة القدس والتمسك بكونها عاصمة الدولة الفلسطينية الموعودة، ثم كبرت دائرة الحراك الجماهيري الفلسطيني، لتطال انتفاضة اهالي الضفة الغربية ومواجهتهم قوات الاحتلال والاشتباك معها في مئتي موقع مواجهة وصدام، واتى التصعيد العسكري لفصائل المقاومة في غزة، ليؤكد وحدة الشعب الفلسطيني، وقدرته على استعمال كل اشكال النضال في وجه السلطات الاسرائيلية. في مواجهة سياسة التمييز العرقي وتطبيق نظام ابارتيد عنصري داخل الخط الاخضر، يرفع عرب ال ٤٨ راية النضال من اجل حقوق مواطنة متساوية، تبغي العدالة والتكافؤ بين المواطنين بمعزل عن هويتهم الدينية، وينتظمون في احزاب وجبهات سياسية وتجمعات مهنية واقتصادية، تعزز الحضور السياسي العربي داخل البرلمان الاسرائيلي، وفي هيئات العمل البلدي في الوسط العربي، وفي المؤسسات الصحية والجامعية والاقتصادية الاسرائيلية، ويواجهون متعاونين مع قوى يهودية معتدلة الممارسات المتطرفة لاقصى اليمين الصهيوني، وسيتعاظم تأثيرهم السياسي والاقتصادي كأقلية تبلغ اكثر من ربع سكان الكيان، اذا تأمنت شروط وحدتهم وادارة نضالهم بكفاءة وعقلانية.

سيتعاظم تأثير عرب ال ٤٨ كأقلية تبلغ اكثر من ربع سكان الكيان اذا تأمنت شروط وحدتهم وادارة نضالهم بكفاءة وعقلانية

أما في الضفة الغربية والقدس فيتصدى الفلسطينيون لجيش الاحتلال الذي تمارس قواته العسكرية الارهاب والقمع وحصار كل المدن والبلدات الفلسطينية، بما يحوّلها الى معازل سكانية مدنية، مقطعة الاوصال بجدران الفصل او الحواجز العسكرية، فيما يجري الاستيلاء على اراض جديدة واقامة مستوطنات تقطع اوصال الضفة وتمنع تواصلها الجغرافي، لجعل قيام دولة فلسطينية امرا غير ممكن التطبيق، فيما يجري بشكل منهجي ومستمر تهويد القدس عبر هدم بيوت الفلسطينيين، وقد بلغ عدد البيوت التي هدمت في القدس منذ احتلالها ولتاريخه ٥٣٤٩ بيتا، وتم تهجير اهلها واحلال مستوطنين يهود مكانهم، ولم تكن محاولة تهجير سكان حي الجراح المقدسي الا واحدة من محاولات سابقة او لاحقة. وتستمر السلطة الفلسطينية ترعى مسيرة بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وتطالب بانهاء الاحتلال طبقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، والسعي لتنفيذ شعار اجمعت عليه دول العالم كافة بتحقيق حل الدولتين، مع ما يتطلب ذلك من مواجهة الاستيطان وتمدده السرطاني، كما تقوم بتقديم الخدمات التربوية والصحية والثقافية وادارة المرافق العامة والبلدية في الضفة الغربية، وتعنى بحياة ملايين المواطنين الفلسطينيين.

أما في تجمعات الشتات الفلسطيني وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في دول الجوار الفلسطيني، كما في دول العالم حيث الجاليات الفلسطينية تنتظم وتتفاعل مع المجتمعات المستضيفة، فان الحراك الفلسطيني يمكن ان يتطور للمطالبة بحق العودة، وبتشكيل اطارات مساندة ودعم وتفاعل وتضامن مع الحق الفلسطيني بالاستقلال وانهاء الاحتلال وادانة نظام الفصل العنصري والنشاط الاستيطاني، كعمل اجلائي وتطهير عرقي يرقى الى جريمة حرب، كما يمكن ان تتمكن الجاليات الفلسطينية والعربية ان تشكل مجموعات تأثير وضغط، في دوائر صناعة القرار في عواصم الدول الكبرى، من اجل تلبية حقوق الانسان الفلسطيني وادانة جرائم الحرب الاسرائيلية.المواطنة والمساواة في مواجهة نظام الفصل العنصري الاسرائيلي، وتفعيل الحضور العربي داخل الكيان ثقافيا سياسيا واقتصاديا، الانتفاضة الشعبية ومواجهة الاستيطان وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس في مواجهة الاحتلال، حق العودة وادانة العنصرية الصهيونية والمطالبة بتطبيق القانون الدولي الانساني في مواجهة جنرالات الحرب الصهاينة، مواجهة الغطرسة الاسرائيلية بالمقاومة المسلحة انطلاقا من قطاع غزة او اي ارض فلسطينية اخرى، طرق متعددة، قد تفترق وتتمايز، لكنها سرعان ما تأتلف وتتقاطع من أجل ان تكون فلسطين، قضية تحرر وطني تحتل صدارة قضايا الحرية وحقوق الانسان في العالم، وتجعل من  المشروع الصهيوني نزعة اصولية باقية من عصر مضى. قد يقول قائل ان احدى نتائج المواجهة التي تجري اليوم، هي اعادة تعويم نتنياهو في اسرائيل، قد يكون ذلك صحيحا، لكن الصحيح أيضا انه هناك انجاز فلسطيني واضح بهز الامن الاسرائيلي، وباستعادة فعالية عرب الداخل لحماية القدس، ولإعطاء القضية الفلسطينية صدارة الحدث في المنطقة واعادة الاعتبار لحل الدولتين.

ثمة خطر قد يحدث نتيجة المبالغة في  حراك عرب ال ٤٨ واستغلال ذلك من نتنياهو لتفعيل وتعنيف نظام الابارتيد الاسرائيلي وحصارهم

ثمة خطر قد يحدث نتيجة المبالغة في  حراك عرب ال ٤٨، واستغلال ذلك من نتنياهو لتفعيل وتعنيف نظام الابارتيد الاسرائيلي وحصار فلسطينيي ال ٤٨، لذلك يتوجب عدم استنزاف طاقتهم النضالية  بل يتوجب تفعيل مواقفهم دون اخراجهم من معادلة التوازن داخل الكيان نفسه، كما يتوجب ضبط الرد العسكري تحت سقف استمرارية الحراك الجماهيري.

السابق
جبهة الجنوب تشتعل.. الجيش الاسرائيلي يطلق النار على اشخاص اقتربوا من السياج!
التالي
المخدرات تملأ سوريا.. إيقاف شحنة مهربة إلى الإمارات في ميناء إسكندرون