«إعادة» أموال المودعين.. «إبرة بنج» لتسكين معاناة اللبنانيين؟!

المصارف
إبتداءا من آخر حزيران المقبل سيتمكن المودعين من الحصول على ودائعهم بالعملة الاجنبية إلى حدود 25 ألف دولار، هذه العبارة ليست شائعة مبدئياً، بل ما نصت عليه مبادرة مصرف لبنان، التي لا يمكن التكهن بمدى واقعيتها كونها مرتبطة بمفاوضات ستجري بين المركزي وجمعية المصارف، لكنها قد تكون أقرب إلى إبرة بنج لتخفيف أوجاع رفع الدعم التي تصيب اللبنانيين.

صحيح أنه لا يجب الإستعجال بالحكم على مبادرة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التي أطلقها أمس وتهدف إلى “إراحة اللبنانيين ضمن القوانين والأصول التي ترعى عمل مصرف لبنان عبر خطوات رد الودائع للمودعين إبتداءا من حزيران المقبل وإطلاق منصة صيرفة”، خصوصا أن تنفيذها يتطلب مفاوضات وموافقة من قبل جمعية المصارف، لكن من المشروع البحث عن مدى واقعية هذه المبادرة وإمكانية “تسييلها” وجعلها أمرا واقعا في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وفي ظل الرفع الفعلي للدعم على المواد الاساسية (وإن كان الدعم يستمر صوريا حتى تأتي موافقة الحكومة المستقيلة)،أم أنها مجرد “إبرة بنج” هدفها تسكين وجع رفع الدعم الذي يشعر به اللبنانيون بشكل متصاعد، وإمتصاص أي ردة فعل إحتجاجية يمكن أن يقوموا بها، خصوصا أن الطبقة السياسية تتمادى في إبقاء البلاد داخل مستنقع الفراغ الحكومي الآسن؟

إقرأ أيضاً: «تحرير» الودائع مقابل «لحس» الدعم..ومشاورات لإطلاق «جبهة معارضة»!

بداية لا بد من التذكير بأن المبادرة نصت أن “يفاوض مصرف لبنان حالياً المصارف اللبنانية بهدف إعتماد آلية، تبدأ بموجبها المصارف بتسديد تدريجي للودائع ‏التي كانت قائمة قبل 17 تشرين الأول 2019 وكما أصبحت في 31 آذار 2021، وذلك بالعملات كافة‎.‎ ولهذه الغاية طلب مصرف لبنان من المصارف تزويده بالمعطيات ليبني عليها خطة يتم بموجبها دفع مبالغ تصل إلى ‏‏25 ألف دولار أميركي، وبالدولار الأميركي أو أي عملة أجنبية، إضافة إلى ما يساويها بالليرة اللبنانية‎. ‎وسيتم تقسيط هذه المبالغ على فترة زمنية يُحدّدها مصرف لبنان قريباً‎، ومن المتوقّع أن يبدأ الدفع اعتباراً من 30 حزيران 2021 شرط الحصول على التغطية القانونية‎.”‎

البند الثاني من المبادرة هي أن”يُطلق مصرف لبنان منصة “صيرفة‎” (SAYRAFA)‎، أي المنصة الالكترونية لعمليات الصرافة بمشاركة ‏المصارف والصرّافين، مع ما تؤمّنه هذه المنصة من شفافية في الأسعار وفي المشتركين فيها بحيث لا تشمل ‏الصرافين غير الشرعيين‎، وسيقوم مصرف لبنان بالتدخّل عند اللزوم لضبط التقلبات في أسعار سوق الصيرفة، علماً أن السعر ستحدده حركة ‏السوق التي ستكون مفتوحة أمام الأفراد والمؤسسات‎”.‎

وأكدت المبادرة أن “مصرف لبنان لا يزال يؤمّن بيع الدولار للمصارف على ‏سعر الصرف الرسمي للمواد الأولية التي قرّرت الحكومة دعمها، وهو ملتزم ببيع هذه الدولارات على هذا السعر”.‎

حقيقة أم إشاعة؟

كل ما سبق يدفع إلى السؤال هل تملك هذه المبادرة عناصر النجاح والتحول إلى حقيقة؟ يجيب الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان “جنوبية” بالقول:”بداية لا بد من التنويه أن ما صدر عن مصرف لبنان هو بيان وليس تعميم، وهذا يعني أنه إعلام ويفتح الباب أمام التساؤل لماذا يمكن أن يقدم المصرف المركزي على القيام بمبادرة تجاه المصارف التجارية، في الوقت الذي لديه السلطة لإصدار تعاميم، والقانون يمنحه الحق بإلزامهم بتنفيذها تحت طائلة سحب التراخيص من هذه المصارف مثلا، من دون أن ننسى أنه أيضا سلطة رقابية وتنظم علاقة المصارف بالمودعين وللقطاع”.

أبو سليمان لـ”جنوبية”: إعادة أموال المودعين عبر إحتياطي العملات الاجنبية 

يعتبر أبو سليمان أن عوائق كثيرة تقف في وجه تنفيذ هذه المبادرة، وأولها “رد جمعية المصارف على مسودة القانون الكابيتال كونترول التي نصت على إلزام المصارف بإجراء تحويلات المودعين إلى الخارج، بحيث أشارت (المصارف) إلى أنه بين حساباتها في الخارج لدى المصارف المراسلة وبين المطلوبات والموجودات، فإن المصارف مديونة بمليار و700 مليون دولار، وأن كل ودائعها بالدولار موجودة في الخارج لدى المصارف المراسلة”، سائلا “كيف يمكن للمصارف التي لا تزال مديونة بمليار و700 مليون دولار أن تعيد الاموال للمودعين؟ “.

يضيف:”في الشق الثاني من التعميم 154، ينص على أن السياسيين المكشوفين أن يعيدوا 30 بالمئة من الاموال التي هربوها إلى الخارج، وعلى أعضاء مجالس إدارة المصارف أن يعيدوا أيضا 15  بالمئة من الاموال التي حولوها إلى الخارج إبتداءا من تموز 2017، وهذا التعميم نصّ أيضا على أن هذه الودائع المرتجعة، يجب أن تكون مجمدة أقله 5 سنوات لدى المصارف المراسلة، وبعدها يتم إعادة الاموال إلى المودعين، والسؤال كيف يمكن إعادة أموال إلى المودعين من هذه الودائع المجمدة ( على إفتراض أنه تمّ إعادتها)؟

يشدد أبو سليمان على أن “المبادرة يشوبها لغط كبير،  والمخرج الوحيد لإعادة المصارف أموال المودعين هو من إحتياطي إلزامي بالعملات الاجنبية الموجودة في مصرف لبنان، الذي يمكن ان يعيدها الى المصارف لكي يعيدونها بدورهم إلى المودعين”.

ويختم:” هل هذا الامر سيحصل؟ لا أحد يعرف و يجب ان تترافق ذلك مع وقف الدعم”.

وليد ابو سليمان
وليد ابو سليمان

لننتظر المفاوضات

يوافق الخبير الاقتصادي نسيب غبريل أن لا يمكن التكهن بنجاح المبادرات إلا بعد إجراء مفاوضات بين المركزي وجمعية المصارف، ويقول لـ”جنوبية”:”بيان مصرف لبنان يتناول الإجراءات التي تسمح للمودع مبدئيا بسحب جزء من ودائعه بالعملات الاجنبية، وإقترح أن يكون المبلغ 25 ألف دولار إبتداءا من آخر حزيران”، معتبرا أن “الاهم ما في هذا البيان أن هذه المبادرة ستخضع لمفاوضات بين مصرف لبنان والمصارف التجارية ولن تكون معلبة أو”نازلة بالباراشوت” على غرار التعاميم السابقة التي صدرت”.

غبريل لـ”جنوبية” : قدرة المصارف على التطبيق  رهن المفاوضات 

ويرى أن “أهمية المبادرة أنها ستكون بمبادرة بين الطرفين المعنيين فيها، أي جمعية المصارف والمصرف المركزي، أما تفاصيل هذه المبادرة ستكون حصيلة هذه المفاوضات وليس هناك مهل زمنية تقيّد الفترة التي ستتم فيها السحوبات”، معربا عن إعتقاده أن “حصول المودعين على أموالهم (25 ألف دولار) لن يكون دفعة واحدة بل على دفعات، وهدف هذه المبادرة هو إستعادة ثقة المودع بالقطاع المصرفي في لبنان، أما قدرة المصارف على تطبيق هذه المبادرة فهي رهن المفاوضات التي ستجري ولا يمكن التكهن بموقفها مسبقا”.

نسيب غبريل
نسيب غبريل

السابق
تعب في الكلى وضيق تنفس.. التدهور الصحي لصحة سمير غانم ودلال عبد العزيز
التالي
في صور.. ادعوا انهم من مخابرات الجيش واعتدوا بالضرب على صاحب محطة بنزين!