هذا ما جناه.. ٧ أيار!

في ذكرى 7 أيار 2008، يفنّد الكاتب ياسين شبلي الأحداث التي تعصف بلبنان وكيف يحصد الناس زرع ذلك اليوم الأسود في تاريخ لبنان، وذلك على وقع التطورات الإقليمية الكبرى التي تخطف اهتمام الجميع.

تسعة شهور مرت على جريمة تفجير مرفأ بيروت، وثلاثة على جريمة “إعدام” لقمان سليم، والحال هو الحال، الحقيقة مغيبة، و”التحقيق” في الجريمة الأولى لا يزال يتنقل من يد قاضٍ إلى آخر، وفي الجريمة الثانية “أُعدم” التحقيق مع الضحية عن سابق تصور وتصميم، لأن مكان وقوع الجريمة ليس مكانا لأي تحقق أو تحقيق، بل هو أرض مغلقة بإسم المقاومة والضرورات الأمنية والجهادية. كل هذا يجري في غياب السلطة التي لا يشعر الناس بوجودها إلا في صفقات الفساد، التي يتناوب أطرافها على عقدها أو بتغطيتها، بحيث بات لكل طرف من أطرافها إختصاص معين، فطرف يغطي سرقة اللحم المدعوم، وآخر يستحوذ على الزيت المدعوم، وثالث وهو الراعي للمنظومة إختصاصه النفط والطحين والدولار  وربما “الرمَّان” المهرب خدمة ل “مجهوده وواجبه” المقدس خارج الحدود. 

إقرأ أيضاً: وقفات احتجاجية في الغبيري وهتافات: «الشعب يريد 7 ايار جديد»!

هكذا يستمر الجمود في البلد ب “قوة” التعطيل المستمر، لجهود تشكيل حكومة مَهَمة إصلاحية يطلبها العالم لدرس إمكانية المساعدة، ويتطلبها الوضع الذي وصل إليه البلد في زمن هذا العهد “القوي” وهذه السلطة المكونة منذ بداياتها من ثنائي شيعي “قوي” في التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، وثنائي ماروني يجعل من القوة عنوانا وهدفا له عبر تكتل لبنان “القوي” وتكتل الجمهورية ” القوية “، وثنائي سني ممثلا بالمستقبل – الذي بات ممثلا ” قوياً ” للسنة بعد أن كان عابرا للطوائف، وكأن هذه النعمة تحولت لديه إلى نقمة ونقطة ضعف –  إضافة لنادي رؤساء الحكومة الأربعة، وغيرهم من المكونات الأخرى  “القوية”، التي يعدنا البعض منها بالتقدم والإشتراكية، والبعض الآخر يريدنا  كالمردة وآخر يريدنا زوبعة في وجه الأعداء، الكل “قوي” إلا الوطن والشعب فهم في أضعف أوضاعهم . 

العالم كله يتحرك، كلٌ لحماية مصالحه وترتيب أوضاعه، إلا نحن في جمود قاتل ننتظر نتائج المحادثات

حولنا العالم كله يتغير، مفاوضات في فيينا بين إيران وأميركا بخصوص الملف النووي، يتفرع عنها محادثات في مسقط وبغداد ودمشق والدوحة والقاهرة بين الأطراف الإقليمية، بين السعودية وإيران، والسعودية وسوريا، وكذلك بين تركيا وكل من السعودية ومصر . العالم كله يتحرك، كلٌ لحماية مصالحه وترتيب أوضاعه، إلا نحن في جمود قاتل ننتظر نتائج المحادثات، ونراهن عليها وكأننا في كازينو والثمن هو الوطن ولقمة الشعب وأمواله، المنهوبة منها أو البقية الباقية التي تنهب بحجة الدعم، في وقت بات جيشنا المفروض أنه عماد وطننا يتلقى مساعدات “غذائية” من الدول الشقيقة والصديقة كمصر وسلطنة عمان وغيرها من الدول . 

سيناريوهات كثيرة يطرحها كل طرف، خاصة أطراف العهد القوي، من حزبيين ومستشارين في سبيل تعبيد الطريق، أمام “ولي العهد” الذي يشتد الطوق عليه عبر العقوبات والعزلة المفروضة عليه، خاصة من الأطراف الدولية والعربية التي زارت لبنان مؤخرا، من ديفيد هيل إلى سامح شكري وزير خارجية مصر إلى حسام زكي مساعد الأمين العام للجامعة العربية، ما دفعه لطلب النجدة من وزير خارجية المجر اليميني المتطرف كي يلتقي به، وكذلك بإستجداء زيارة إلى روسيا دعا من خلالها إلى “تثبيت” النظام السوري في محاولة واضحة منه لإستغلالها لنفي العزلة عنه وكذلك أيضاً من خلال رمي كمية من الصور التي تظهر “الحفاوة” الشخصية به في وسائل الإعلام، دون أن يظهر أي مردود سياسي لها حتى الآن .

جماعة العهد ووليه يؤشرون إلى إمكانية إستبدال سعد الحريري كشريك بأخيه بهاء الحريري

آخر السيناريوهات بدأت مع الحديث عن زيارة مدير المخابرات السعودية إلى سوريا للقاء رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك – ما غيرو – وبدأ التطبيل والتزمير لهذه الزيارة، من قبل أنصار العهد بإعتبارها سين – سين جديدة وهم الذين بنوا مجدهم السياسي على مقارعة ومعارضة هذه الصيغة، وما هذا إلا نكاية بسعد الحريري الذي إعتبروا أنه سيكون ضحية لهذا التقارب الجديد، مع غزل واضح وصريح بإتجاه “شقيقه اللدود” بهاء، الذي بات واضحا أنه يتهيأ لدور سياسي مستقبلي عبر تمدده الإعلامي البارز، ومساعداته المادية والعينية التي يقدمها للبعض في ظل هذه الظروف الإجتماعية والإقتصادية والصحية الصعبة التي يعاني منها الناس، ، وكأني بهم – جماعة العهد ووليه – يؤشرون إلى إمكانية إستبدال سعد الحريري كشريك بأخيه بهاء الحريري، ليكون هناك ثنائي جديد هو باسيل – بهاء، بغض النظر عما يمثل بهاء في الشارع السني اليوم من شعبية وحيثية سياسية، لا يزال سعد الأقدر على تمثيلها نسبيا . 

لا شك بأن زيارة الوفد السعودي لدمشق تركت صدى واسعا في الأوساط الداخلية اللبنانية، وحتى الإقليمية خاصة وأنها تأتي في ظل المحادثات السعودية – الإيرانية، التي أكد الرئيس العراقي برهم صالح، أن بلاده إستضافت عدة جولات منها في بغداد، وكذلك جاءت تصريحات رجل المملكة العربية السعودية القوي محمد بن سلمان، عن رغبته وسعيه لإقامة علاقات جديدة وطيبة مع إيران، لتثبت بأن هناك جو جديد في المنطقة يجري العمل على إشاعته، من خلال محاولة تبريد الجبهات المشتعلة بين الأطراف الإقليمية المختلفة، سواء بين الأطراف العربية وإيران أو بينها وبين تركيا، ما يوحي بأن المنطقة قادمة على تسويات سياسية، بعد أن أنهكتها الصراعات. وبدلاً من أن يلجأ اللبنانيون لمحاولة إستدراك الوضع لإستغلال هذه التحركات لمصلحة بلدهم عبر التفاهم ولو بالحد الأدنى، نراهم يراهنون كل من موقعه، على محاولة كسر الآخر والإستفادة الشخصية من التطورات، لتعزيز موقع هنا أو مركز هناك، خاصة وأننا على مسافة عام تقريبا من إنتهاء ولاية مجلس النواب الحالي، وحوالي عام ونصف من نهاية ولاية الرئيس ميشال عون، وهنا بيت القصيد في كل هذه المعمعة التي نعيشها.

يستمر التعطيل في الوقت الذي يتسارع فيه الإنهيار، وبتنا قريبين من خط النهاية حيث بدأ المس بـ”اللحم الحي”

 وللأمانة نقول وليس دفاعا عن أحد، بأن ما يقوم به أنصار العهد منذ ما بعد 17 تشرين، وخاصة منذ عشية إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، بعد عدة محاولات فاشلة لتخطيه وآخرها حكومة حسان دياب، هو مشروع تدمير لكل فرصة إصلاح، أو محاولة إنقاذ يحاول سعد الحريري أن يتمسك بها ويسعى لها، عبر المبادرة الفرنسية التي تمثل الحد الأدنى المطلوب للإنطلاق، نحو إعادة تأهيل البلد، وما ذلك إلا بسبب الصراع على كرسي الرئاسة ما بعد ميشال عون. فالحكومة العتيدة ستكون هي المسؤولة عن إجراء الإنتخابات النيابية المقبلة التي  ستفرز مجلس النواب الجديد، الذي من المفترض أنه سينتخب الرئيس المقبل للبلاد، بعد إنتهاء ولاية ميشال عون، كما أنها قد تكون هي من تؤول لها السلطة في حال لم تحصل الإنتخابات النيابية لسبب من الأسباب، أو إذا حصل فراغ في سدة الرئاسة – لا سمح الله – في حال غياب  الرئيس فجأة، من هنا يبدو تمسك رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ومن ورائه العهد بالثلث المعطل تحت ذريعة عدم القبول بتسمية الوزراء المسيحيين من قبل رئيس الحكومة، وغيرها من الذرائع على مدى الجولات ال 18 التي إجتمع فيها الحريري مع عون، متخطيا كل الإستفزازات التي وصل بعضها حد الإهانة والتحقير، في محاولة لإحراجه أمام جمهوره لإخراجه معتذرا عن التكليف، هذا دون الحديث عن تخطي العهد ومستشاريه وتحديه لإرادة مجلس النواب، المسؤول دستوريا عن التكليف وكذلك عن إعطاء الثقة للحكومة أو عدمه . 

يوم 7 أيار 2008 الذي تمر ذكراه اليوم والبلد وناسه يحصدون زرع ذلك اليوم الأسود في تاريخ لبنان

وهكذا يستمر التعطيل في الوقت الذي يتسارع فيه الإنهيار، وبتنا قريبين من خط النهاية حيث بدأ المس ب “اللحم الحي”، ألا وهو الإحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان ، ويسري التعطيل بطبيعة الحال على كل شيء في البلد، ومنها التحقيق في الجرائم التي أرتكبت وترتكب،  سواء إنفجار المرفأ أو الإغتيالات التي حصلت بعده، والتي أثارت الشكوك عن علاقة محتملة لها بالإنفجار، بحيث سيستمر إلى ما شاء الله دون نتيجة، أو حتى التحقيق الجنائي الذي يتلطى وراءه العهد،  للتغطية على تعطيله تشكيل الحكومة، ويستعيض عنه بإستعراضات غادة عون التي تتنقل بين الشركات لإقتحامها، متخطية قرارات السلطة القضائية بكف يدها عن عدد من الملفات، إذ كيف يكون تحقيق جنائي أو غيره من التحقيقات، دون وجود حكومة قوية وفاعلة وموثوقة داخليا وخارجيا. 

فالتعطيل بات هو السياسة الوحيدة التي يجيدها العهد وسيده ومن يدعمه طبعا، الذي كان التعطيل دائما ديدنهم منذ يوم 7 أيار 2008، الذي تمر ذكراه اليوم والبلد وناسه يحصدون زرع ذلك اليوم الأسود في تاريخ لبنان، ولا يزال الحصاد المر مستمرا، حتى يقضي الله والتطورات الإقليمية أمراً كان مفعولا. 

السابق
أخطاء بالجملة.. هجوم من أبناء أبطال «مدرسة المشاغبين» على مشروع تلوين المسرحية
التالي
الصاروخ الصيني سقطَ في مسلسل «طاش ما طاش» من قبل