السيد محمد حسن الأمين.. حين تغيب «لؤلؤة» العقل والأدب والفكر

قبل أسبوع أودعنا بحزن عظيم لؤلؤتنا الغالية التراب، رقدت على بعد أمتارٍ من المكان الذي صاغها قبل عقود من حبّ وعقلٍ وجمال.

أسر جمال تلك اللؤلؤة القلوب ثمَّ أسر العقول، وتعلقت عيون الناس بها عندما نضجت وتوهجت، حتى باتت قِبلة كلّ التّواقين لمعرفة الحبّ والخير والجمال، ولم تكن العِمّة السوداء التي تعلوها سوى شارة هداية لقلوب المؤمنين بعدالة السّماء، كما للباحثين عن الحقّ في شعاب أرضنا المظلمة.  

إقرأ أيضاً: غياب السيد محمد حسن الأمين..بعض آخر مشتركاتنا يموت

في بلادنا يتركون اللآلىء والجواهر دفينةً ويمنعون الناس من كشفها والنظر إليها، لأن كنوز الحكمة خطيرة، وتحرير العقول عمل مشين قد يودي بالبلاد الى التهلكة! أمّا نحن فقد كان قدرنا أن نتبع هدى توهجها من تحت التراب، ونكون رسل حرّيّة كما علمَتنا، فنردد اجدى حكمها التي صدحت بخشوع: عبادة لله الحقيقية هي أسمى معاني الحرية، لانها تمنع استعباد الانسان من قبل القابضين على شؤون الدنيا”.  

الخروج من سجن الجماعة 

كنّا فتيانا عندما تفتحت عقولنا على أحاديثك،  وقبل أن يكتمل نمونا حملنا عبء فكرك على كاهلنا وقاتلنا في سبيل الحرية، في وطنٍ اعتاد قاطنوه على الخضوع ومبايعة الأقوى .  

في بلادنا يتركون اللآلىء والجواهر دفينةً ويمنعون الناس من كشفها والنظر إليها، لأن كنوز الحكمة خطيرة، وتحرير العقول عمل مشين قد يودي بالبلاد الى التهلكة!

لا مساومة على الحرية، لا مساومة على دولة القانون العادلة، ولا مساومة على قضية فلسطين.  

ثمّ عرّفتنا على “العلمانية المؤمنة” وانها ليست حراماً، بل أنّ الدولة الدينية ظالمة، لأنها ضدّ الدين وضدّ الإنسان .  

لقد عانينا نحن الأقربون بسبب اعتناقنا فكر السيد محمد حسن الأمين الوطني الوحدوي، وتمنينا أحيانا لو أننا بقينا ننعم بأمان الجماعة التي نحن منها، فما لنا ومنازعة الحكام زعماء الطوائف، الذين يسهرون على شدّ عصب جماعاتهم ويغرونهم بالمغانم؟ حتى أصبح الخروج عن رأي الجماعة أصبح تهمة تصل حدّ الخيانة والعصيان والعقوق الطائفي .   

تهمٌ تعودنا عليها ثمّ صارت جزءاً من هويتنا، وكنا كلما  هاجمنا الأقربون ازددنا تمسكاً بالحرية وتضاعف إيماننا بالله، وعملنا على رد الأذية بالكلمة والقلم والمنطق، ولم نفهم معنى تهمة الخروج عن الملة، وأصرّرنا على عدم فهمها، والبقاء خارج سجن الجماعة.  

الأرث الديني..  

ولكن لماذا لم يكتف السيد بدور التبليغ الديني وممارسة القضاء الشرعي؟ ولماذا تجرّأ على التعرض لمسلمات موروثة تنتحل صفة الدين بهذه الحرية والطلاقة ؟ حتى انه آخى بين الدين العلمانية بمصطلح “العلمانية المؤمنة”، وسط دهشة كثيرين واستنكار جمهور بسطاء المؤمنين، قبل ان يصرّ عليها فتلقى لاحقا ترحيبا حارا من جميع أنصار التجديد في بلادنا.  

واذا كان التجديد الديني يحتاج لرجال دين استثنائيين شجعان أحرار يتمتعون بعلم زاخر، فان السيد كان استوفى تلك الشروط جميعا، وهو ما زال فتى يزق العلم من لدن والده العالم الكبير السيد علي مهدي الامين، المجتهد الذي دان له جبل عامل بالزعامة الدينية، بعد وفاة المرجعين السيد محسن الامين والسيد عبد الحسين شرف الدين، فقد لقن السيد الكبير ولده الأدب والشعر وجعله شاعرا حرّا قبل ان يفتح له خزائن العلم الديني. 

اذا كان التجديد الديني يحتاج لرجال دين استثنائيين شجعان أحرار يتمتعون بعلم زاخر، فان السيد كان استوفى تلك الشروط جميعا

 اما الشجاعة والقوة والتوق الدائم الى الحرية فهو طبع اشتهر فيه ابن الجنوب السيد محمد حسن الامين، الذي لم يكتف بالوقوف الى جانب المقاومة الفلسطينية في شبابه، بل انخرط فيها مقاوما، وكان احد اعمدتها، فجاهد وشارك بصناعة المقاومين ضد المحتل الاسرائيلي منذ عام 1982، وكاد ان يدفع حياته ثمنا لاصراره على المقاومة وعدم الرضوخ لتحذيرات المخابرات الاسرائيلية، التي لم تجد سبيلا للتخلص منه سوى بكسر باب بيته في صيدا واعتقاله ونفيه من الجنوب الى بيروت. 

لذلك، فان السيد الشجاع صاحب العلم الزاخر والارث الديني النفيس، لا يمكن الا ان يكون كما عرفناه، فقيها مجدّدا ومفكرا مبدعا ومجليا لا يخشى لومة لائم، بل على العكس من ذلك فان من خالفه آراءه من التقليديين، لم يجرؤوا على نقده صراحة، لمعرفتهم بسمو علمه، وبلاغة منطق بيانه المقنع. 

السيّدان..أعجوبة النجف! 

عندما انطلق السيّد على درب الآباء والأجداد الى العراق نحو مدينة النجف، كانت المدينة المقدسة حيث مرقد الامام علي (ع) في عصرها الذهبي، فلم تعد تقتصر فقط على وجود الحوزات الدينية التقليدية، بل باتت مع تأسيس كلية الفقه برئاسة عميدها الشيخ المظفر تدرّس طلبة العلم الى جانب الفقه الديني، العلوم الانسانية العصرية من ادب وتاريخ وفلسفة وعلم الاجتماع. هذا التجديد الاكاديمي قابله حضور استثنائي لمراجع عظام في ذلك الزمان منهم: السيد محسن الحكيم والسيد ابو القاسم الخوئي والمفكر الاسلامي السيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني الذي كان منفيا من ايران، اضافة الى لفيف من الادباء والشعراء، ما جعل مدينة النجف مركز حوار فكري أدبي تقليدي – حداثي، هذا الحوار قاد في ذلك الزمان نهضة ادبية فكرية امتدت من بلاد الرافدين الى بلاد الشام. 

قبل يومين، كتب الروائي العراقي زهير الجزائري مقالا في موقع درج بمناسبة غياب سيدنا، مستذكرا زمن الستينات النجفية، فقال انه “حين كان يأتي الى النجف ضيوف من بغداد، كنا نحرص على أن نأخذهم إلى المدهشات الأربع: الحضرة العلوية، وادي السلام، جامع الكوفة، والأعجوبة الرابعة هي السيدان (حداثيان تحت عمامتين)”، ويقصد السيّد محمد حسن الامين والسيّد هاني فحص!…واذا علمنا ان السيدين حينها كانا في العشرين من عمريهما، لنا ان ندهش حينها من عظمة تلك الأعجوبة! 

 والمبدعون مناياهم تضاعفهم .. فكلما قلّ من اعمارهم كثروا! 

هذا الشعر الرائع قاله سيدنا الراحل في رثاء الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، بحفل في الجامعة الاميركية في بيروت عام 1997.. وقد علّق الشاعر العبقري سعيد عقل عندما سمع هذا البيت وكان القى قبل قصيدة مهيبة في الحغل المذكور: “لا يقول هذا الشعر سوى مبدع..الآن سأموت وأنا مطمئن ان هناك من سوف يكون جديرا برثائي!!”.  

سلام عليك يا سيّد الابداع حيّا وميتا..سيبقى حضورك طاغ ويتضاعف كما أنبأتنا فـ(المبدعون مناياهم تضاعفهم)… 

السابق
«الجنرال».. غادة عون؟!
التالي
الليرة تتهاوى أمام الدولار.. اليكم سعر الصرف في السوق السوداء