وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: عندما تقع «ولاية الفقيه» في فخ «تصدير الثورة»!

وجيه قانصو
يخص المفكر والباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.

لقي اللقاء السعودي الإيراني الذي أُعلن عنه منذ أيام أصداء ترحيب وتفاؤل لافتين، لأنه يشكل مدخلاً لحل الكثير من تعقيدات وأزمات المنطقة، بحكم أن الطريق لعلاقة صحية بين إيران وشعوب المنطقة ومكوناتها المتعددة، لا يكون بعلاقة مباشرة مع أي مكون مجتمعي بمعزل عن الدولة التي ينتمي إليها، بل لا بد أن تكون عبر الكيانات الرسمية التي تمثل مكونات هذه الشعوب، وتملك الحق الحصري المنبثق من سيادة الدولة نفسها، بتمثيل شعبها والنطق بإسمهم.

اقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: هكذا تكون حياة الكبار

الثورة الإيرانية

كان شعار تصدير الثورة الإيرانية منذ لحظة سقوط حكم الشاه في العام 1979 وقيام الدولة الإسلامية وفق عقيدة ولاية الفقيه، هذا الشعار كان لازمة أساسية لهذا النظام في بناء علاقاته الدولية وتقديم نفسه إلى الخارج.  هو شعار لم يتجاوز بضعة أدبيات تعبوية وتحشيدية ووجدانية، ولم يقدم منظوراً للحكم السياسي تناسب المجتمعات ذات الخصوصية الدينية والثقافية المختلفة عن البيئة الإيرانية، بل لم يقدم منطلقات فلسفية أو أخلاقية ذات طابع كلي وعام، يمكن الاستناد إليها في أي فعل تغييري أو ثوري للخروج من حال القهر أو الاستبداد المنتشر.

اكتسبت الثورة الايرانية في بدايتها تعاطفاً دولياً كاسحاً لتقديم نفسها خارج القطبية الثنائية التي كانت تحكم العالم حينها

اكتسبت الثورة في بدايتها تعاطفاً دولياً كاسحاً، لا بصفتها أيديولوجية حكم بديلة لأنماط الحكم القائمة في العالم، أو بصفتها تحمل فلسفة حياة جديدة وأطر علاقات إنسانية مبتكرة، وإنما لتقديم نفسها خارج القطبية الثنائية التي كانت تحكم العالم حينها، وهي القطبية الأمريكية-السوفياتية، أو القطبية الرأسمالية-الشيوعية، وإيهام العالم أن هذه الثورة تمثل بديلاً عن الثنائية الضيقة. الأمر الذي جعلها موضوع ترقب ورصد، وإيقظ الأمل لدى العديد من النخب الناقمين على تلك الثنائية الخانقة، بإمكانية شق طريق انتظام آخر خارج القمع السوفييتي والتذري والتهميش الرأسماليين.

تبين أن ثورة عمادها ولاية الفقيه، أي سلطة تقوم على التعيين الإلهي في ممارسة السلطة، ليست سوى نسخة رديئة للنظام الملكي

  تبين أن ثورة عمادها ولاية الفقيه، أي سلطة تقوم على الحق أو التعيين الإلهي في ممارسة السلطة، ليست سوى نسخة رديئة للنظام الملكي الذي كان سائداً في القرون الوسطى.  لكن بفارق جوهري، وهو إعادة إنتاج الإرث الشيعي الإمامي بصيغ أيديولوجية مستعارة من الأدبيات الشمولية المعاصرة لتحويل الإرث الشيعي إلى مشروع سياسي “معقلن” وعابر للحدود، إلى تطلعات نهضة وبعث شيعيين طال انتظاره.  أداء النظام الولايتي الجديد، الذي اتسم بالإسراف في التصفيات الدموية وقمع تيارات كبرى شاركت في نجاح الثورة، كان كافياً لصرف أنظار المراقبين من المحللين والمفكرين والفلاسفة، عن التعامل الجدي مع الثورة كظاهرة فكرية ذات جدة نظرية وأخلاقية، ما أدى إلى تحولها تدريجياً إلى حدث صاخب إعلامياً باستمرار. وهي استراتيجية النظام الولايتي منذ نشوءه للتعويض عن ركاكة الأرضية الفكرية التي يقوم عليها النظام، والمأزق الأخلاقي الذي يعاني منه إداءه القمعي في الداخل. 

تحول شعار تصدير الثورة إلى سياسة زرع ولاءات تابعة لها داخل التكوينات الشيعية في المناطق العربية

          لم يكن لدى النظام الولايتي ليقوله للعالم من بدائل أو مقترحات، ولأنه كذلك، تحول شعار تصدير الثورة إلى سياسة زرع ولاءات تابعة لها داخل التكوينات الشيعية الموزعة في المناطق العربية المجاورة. هي سياسة نابعة من تصور الشيعة خارج إيران رعايا للنظام الإيراني، بالتالي التعامل معهم مجرد مكونات دينية، أي مكونات عقائدية معزولة ومنفصلة عن محيطها وبيئتها لا ثقافة ولا تاريخ خاص لها، ولا هويات وطنية وأطر سياسية تمثلها وتنتمي إليها وتنطق بإسمها داخل حيزها الجغرافي والمجتمعي.

هذا الأداء أوقع النظام الولايتي في خطئين فادحين:

  • أولهما أنه أساء إلى المكونات الشيعية الموزعة في العالم، بأن جوَّفها من خصوصيتها الثقافية والتاريخية، وزرع في داخلها نزوعاً للعزلة والتمايز والتباين عن المكونات المجاورة لها والمحيطة بها، والأهم من ذلك أنه خلق بداخلها صراع الولاءات، بين الولاء والتسليم المطلقين للولي الفقيه، وفق ما يقتضيه التأويل الأيديولوجي الجديد لمعتقد الإمامة الشيعي من جهة، والولاء للدولة المحلية التي يكتسب الشيعة من خلالها الاعتراف القانوني والدولي بهم.
  • ثانيهما: الإساءة إلى الدول المجاورة، من خلال التشكيك المستمر بشرعيتها، وإحداث اختراقات داخل مجتمعاتها، وخلق جيوب أمنية وحزبية موالية لها. مهددة بالتالي استقرار مجتمعات تلك الدول، ومنتهكة جوهر بقاء هذه الدول واستمرارها، وهو السيادة. ما تسبب بعلاقة متوترة مع أكثر الدول العربية، بخاصة دول الثقل فيها: مصر والسعودية.

شعار تصدير الثورة بشيعة العالم ودولهم، كان فخاً قاتلاً نصبه النظام الولايتي لنفسه

هما خطئان ما يزال النظام الإيراني يرى فيهما مصدر قوته وصلابته وقدرته على الصمود، بل يرى فيهما علامة قوة وانتعاش لحسه الأمبراطوري دفين، ومستمر في الرهان عليه لتحقيق مجد كاذب ونصر واهم.  في حين بات هاذين الخطئين مصدر عزلة لإيران وسبباً للعداوات التي تخلقها لنفسها مع شعوب ودول المنطقة، وسبب الضيق الاقتصادي وحالة الاختناق التي يعاني منها شعبه.

رغم الضرر الكبير الذي أنزله شعار تصدير الثورة بشيعة العالم ودولهم، فإن هذا الشعار كان فخاً قاتلاً نصبه النظام الولايتي لنفسه،  لأنه منعه من رؤية الأمور على حقائقها، وبات بمثابة الحاجب الكثيف الذي يفصله عن رؤية الواقع بتعقيده وتنوعه وتداخله.

تكون بداية العلاقة الصحيحة مع النظام الإيراني، حين يتخلى عن انتفاخه الأيديولوجي وهلوساته العقائدية

بذلك، تكون بداية العلاقة الصحيحة مع النظام الإيراني، حين يتخلى هذا النظام عن انتفاخه الأيديولوجي وهلوساته العقائدية اللذان يصوران له أن دمار بعض العواصم العربية هو علامة فخار ومظهر سيطرة له. وحين يدرك أن شيعة العالم ليسوا مجرد تكوينات دينية، بل هم، إلى جانب بعدهم الديني، لبنانيون وعراقيون ويمنيون وأتراك وأكراد وعرب. ما يعني أن تشيعهم ليس مجرد انتماء فريسي لمراقبة ومراعاة لائحة معتقدات حازمة، بقدر ما هو اختبار حياتي وثقافي وتاريخي عاشوه، تداخل فيه الذاتي مع الموضوعي، الجزئي والآني مع الكلي والأزلي، الدنيوي مع الأخروي.  والأهم من ذلك، حين يعترف هذا النظام أن الشيعة ليسوا  رعايا له، أو كيانات معزولة تحتاج إلى أوصياء عليهم، بل هم مواطنون لدولة تنتمون لها ويخضعون لقانونها، ويقدمون الولاء الحصري لها، وهم مكونات أصيلة داخل مجتمعهم، وأن ما يجمعهم مع محيطهم أعمق وأشد كثافة مما يجمعهم بهم.

بعد اثنتين وأربعين عاماً على تأسيس نظام ولاية الفقيه، آن أوان يقظة هذا النظام من سباته الدوغمائي ووهمه الأيديولوجي.   

السابق
القاضية عون مثُلت أمام «القضاء الاعلى».. وتجمهر مناصرو «التيار» أمام قصر العدل
التالي
3 شكاوى من القاضية «المتمردة».. هل من توجّه لإحالتها الى التفتيش القضائي؟