غياب السيد محمد حسن الأمين..بعض آخر مشتركاتنا يموت

كثيرة هي مزايا الراحل الكبير والعلامة والمفكر الاسلامي الكبير السيد محمد حسن الامين وهي حفاظه على هويته كرجل دين لكنه لم يتعاط مع العلمانية من باب الخصومة بل من باب المشتركات والبناء عليها.

تزامنت وفاة السيد محمد حسن الأمين جراء إصابته بفيروس كورونا عن 75 عاما، مع ذكرى اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية قبل 46 عاما. ما كدنا نودع الراحل الكبير، حتى استقبلتنا تلك الذكرى بكثير من التوتر، بخلاف السنوات الماضية.

هذا التزامن في حد ذاته موح على أكثر من صعيد. فالراحل الكبير هو واحد من قلة بين اللبنانيين، الذين يمكن اعتبارهم ممن ارتضوا لبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه. في حين أن الكثرة الساحقة من اللبنانيين، ولا أستثني التيارات العلمانية منها، لا يزالون يعيشون حربا أهلية ويفكرون وينتمون إلى منطقها المتغلب.

وإذ أزعم أنني من المنتمين إلى تيار علماني في لبنان، فإن علاقتي الخاصة والعامة مع السيد الأمين، كانت علاقة ود وتفهم من الجانبين، ولأكون أكثر دقة، كانت علاقة ود من قبلي وود وتفهم من قبله.

وحيث أنني أنتمي إلى تيار علماني، أجد نفسي ملزما بتحمل تبعات مواقفه وأخطائه وزلاته، حتى حين أكون معترضا على بعض ما يذهب إليه هذا التيار أو جله. هذا التيار حمل دائما شعارا تفصيليا لفصل الدين عن السياسة، يفضي في تفصيله الأعم والأشيع، إلى المطالبة بمنع رجال الدين عن التدخل في السياسة.

العلامة الامين لم يكن يرى في التيارات العلمانية أو في أبناء الطوائف الأخرى خطرا يستوجب إعلان الخصومة معهم

لكنه أي هذا التيار ، وفي سلوك مناقض لمطلبه، حين يصل إلى تقييم رجال دين من طراز و قماشة السيد الأمين، أو السيد هاني فحص أو المطران غريغوار حداد، ينقلب على مطلبه السابق انقلابا تاما.

كما لو أن لسان حال هذا التيار يقول: من حق رجال الدين أن يتدخلوا في السياسة العامة إذا كان تدخلهم يصب في مصلحتنا.

بخلاف هذا السلوك العلماني المتناقض، لم يكن السيد الأمين خارجا على شيعيته، هو رجل دين أولا وآخرا، وهو مدافع عن انتمائه هذا، لكنه بخلاف آخرين من رجال الدين، لم يكن يرى في التيارات العلمانية أو في أبناء الطوائف الأخرى، خطرا يستوجب إعلان الخصومة معهم.

إقرأ أيضاً: إرث العلامة الأمين لن ينتهي بعد رحيله: نموذج العالم الشجاع والصافي

بالعكس كان دائما يجد نقاطا كثيرة متقاطعة بين كل هذه التيارات، ولم يكن صلبا وحاسما إلا في موقفه تجاه الأطراف الخارجية والتابعة.

السيد الأمين كان يرى لبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه أقله في ممارسته وأفكاره وكلامه خلال الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية الساخنة

كان قادرا على اجتراح تسويات وإقامة أصعدة مشتركة، وبناء جسور بين جميع اللبنانيين، لأي طائفة أو جماعة أو حزب انتموا. وربما نستطيع أن نستثني منهم من يجهرون بحروبهم الأهلية، ويريدون استكمالها على نحو لا يطيق البلد احتماله. وهم كثر ومتنوعون في واقع الحال.

السيد الأمين، بهذا المعنى، بخلافنا جميعا، كان يرى لبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه. أقله في ممارسته وأفكاره وكلامه خلال الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية الساخنة، منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم.

ورؤيته هذه تتصل بالمعنى العميق للانتماء إلى وطن. فالرابطة الوطنية لا تكون رابطة وطنية حقا، إذا افترضت أن الوطن ضيق بأبنائه جميعا، ومن الأفضل إخراج بعض مكونات هذا الوطن من المعادلة، سواء بالحرب أو الإبادة أو التضييق الاقتصادي والسياسي والقانوني.

الرابطة الوطنية تكون وطنية حقا، حين يمكنها أن تتسع للجميع، أكانوا علمانيين أم طائفيين، فقراء ومهمشين أم ناشطين اقتصاديين ولا يمكن الاستغناء عنهم. وبمعنى آخر فإن الوطن ليس نصا قانونيا يُخضع شعبا ما إلى مقرراته وبنوده.

الوطن هو مساحة تتسع للجميع بما فيه خيرهم ورخاؤهم، أو على الأقل احتمال خيرهم ورخائهم. والسيد الأمين بهذا المعنى، لم يكن يستثني من الانتماء إلى هذا الوطن أحدا أو فئة، ولم يكن يرى في أي فئة تهديدا وجوديا لوجود هذا البلد. وحين أشير إلى هذه الفكرة، فهذا لا يلغي أن السيد كان يناصب الخصومة، لبعض الواقفين على سلاحهم وهم قوة لا يستهان بها في طول البلد وعرضه.

غياب السيد الأمين عشية ذكرى الحرب الأهلية، هو غياب مفجع. ذلك أن غيابه يجعل القلة القليلة التي تشبهه في انتمائه إلى الوطن في غاية الندرة. ما يجعل البلد برمته مسرحا صاخبا، لدعاة الحرب الأهلية والكفر  بالوطن والانتماء إليه.

السابق
ايها المزارعون إستعدوا للري باكراً..الحرارة المرتفعة باقية طيلة نيسان
التالي
بين أميركا ولبنان..المرونة مقابل العدالة!