في رثاء السيد محمد حسن الأمين.. عودة الى النجف وحوزاتها

السيد محمد حسن الامين

…قلم…ألم…نشرح

اطلالتي على سماحتك ليست من شبابيكك السنوات الحوزوية في النجف وهي مليئة بالذكريات، ومع كل خطوة على طريق الكلّية مشيناها من والى المدرسة العاملية ذهاباً وإياباً كل يوم لنا قصة وذكرى مضافاً لها حكايات سمر الليالي والتقفيات الشعرية، وإستعادة هذه الذكريات على مدارج الذهن مطبّات وحواجز تعترض سلاسة الفكر ومسيرة القلم ،، ولن تكون إطلالتي على سماحتك من خلال الأمواج العلمية والادبية المكتسبة بالجهد والنشاط الشخصي ، ولا من خلال امواج الكمال الذاتي من الخلق الرفيع والتواضع والذكاء في رُباعية ابعاده من الفهم والاستيعاب والتمايز الفكري والعبقرية ، لأنها موروثات أُسرية عائلية أمينية ومكتسبات جهد ذاتي وتربية نفسية جعلت من شخصك قُمة في العفة والنزاهة،، لأول مرة يستدرجني القلم الى ساحة الرثاء بعيداً عن قناعاتي والتزامي المبدئي ان رثاء الأفراد بدلاً من رثاء الأمة في عصر نكباتها خيانة لبيعة الامة في اعناق ابنائها واقلام ادبائها، فلا تلومّن أخي انكفاء القلم على ذاته والعودة مجدّداً الى السنوات الحوزوية لتجديد البيعة للنجف الأشرف وعناوينها السماوية.

اقرأ أيضاً: وداعاً العلامة العلماني المجدِّد محمد حسن الأمين

كانت سنوات سنابل خضراء اعقبت الانقلاب العسكري في العراق على الحكم الملكي المرسوف في الأغلال البريطانية ، سنابل أتت أكلها دقيقاً من الثقافات العامة وكانت طفرة جديدة في الساحات العلمية النجفية ليس على صعيد العلوم التقليدية من الفقه والأصول والمنطق واللغة وهي رائدة في سماء كل علم من هذه العلوم ولها اكثر من اسكلوبيديا في كل موضوع من مواضيعها،، انما الانقلاب العسكري الذي تحول الى ثورة شعبية على جميع المستويات الإجتماعية والفكرية والسياسية وبدأت معه شرارات الاحزاب المجرثمة بالمادية المطلقة والتي انتشرت في هشيم الجهل بعدما ركبت متون الأحزان والقهر والاستبداد الذي عاناه الشعب العراقي زمن النظام الملكي البائد كان لا بد لهذا الانتشار الحزبي ان يوقض كوامن القوة النائمة في التراث النجفي قبل ان تعدو عليها زواحف الفكر المادي وذباب البعث العاثر الذي حاول الاستيطان في صفائح الكنوز بدل التزامه نطاق بيئته الوبائية، ادرك حملة الدعوة مدى قصورهم في مواجهة العواعصف الحزبية اللقيطة ،اقول لقيطة لانها لم تبنَ ايديولوجيتها على اسس علمية منطقية تتوائم مع مستلزمات الحياة الانسانية في جميح نواحيها المادية والسيكولوجية وانما كانت مجرد شعارات هوائية مستولدة من غازات الواقع المشؤوم الذي كانت تعاني منه الشعوب العربية حينها احزاب لُمام جمعت المعاناة اليومية للفرد العربي في أُطر وصيغ حزبية ،لست بوارد التدوين لتلك الحقبة وانما اطلالة سريعة على موضوعية الولادة للشوط الثقافي الحديث وبداية الانقضاض على الروتين التقليدي لبناء الانسان الحوزوي والانفتاح على جميع العلوم العصرية من زاوية منفرجة،،وانت واحد ممن اختمر في المعاجن الثقافية لتلك الحقبة ، وكم مشيت من العاملية للكلية على قدمين تحركهما رقصات الجليد على وجهك وجسدك الطاهر، لا أجد حرجاً بعد هذه العجالة في القول “” ان السيّد محمد حسن الأمين نال بجدارة وكفاءة عالية درجة علاّمة بإمتياز”” انت انموذج للعالم الذي استعمل ساقيه لطلب العلم ولم يستعمل “الأمانة وسيلة النقل النجفية ” طالب علم دون عربة رباعية الدفع ، ومن رحم المعاناة يولد العالم الثِبْت ،، برزخ المكان حال دون لقائك وانتصب بعد زواله برزخ الزمان حتى وافانا برزخ الوباء قاتله الله وكان ما كان من فراق مكروه …وددت لقاءك لأطلعك على سرٍ كتمته عنك وأجيبك عن سؤال سألتنيه مرات ومرات اين أذهب كل يوم بعد صلاة المغرب ؟

…لقد انضويت لحزب الدعوة الحاكم في العراق في اسبوعه التأسيسي الأول ايماناً مني في ضرورة العمل التنظيمي ومواكبة الصرعات الحزبية ودراسة الفلسفات الماديةوالاقتصادية على يد جبرائيل الفلسفة الشهيد الصدر وكتمت السرّ عنك ،، لك وله الرحمة والرضوان وربوع الجنان ولنا اللحاق بكما في الأوان …رحيلك خسارة رغم الاختلاف معك على بعض خطوط العرض لمسار الحركة الشيعية في إطارها المختصر مع التماهي في الاتفاق على جميع خطوط الطول للحركة الشيعية العالمية…لك احترامي على سرير المرض والمغتسل وموسداً تحت الثرى….

السابق
وداعاً العلامة العلماني المجدِّد محمد حسن الأمين
التالي
لا دولار للمودعين؟!