محمد حسن الأمين… رحيل علّامة متنوّر شجاع

السيد محمد الأمين

لم يكن الراحل السيد محمد حسن الأمين مجرد رجل دين، بل شخصية متنورة شجاعة لا تبدل قناعاتها وفق المتغيرات، لا في بيئته الشيعية ولا في رحاب الوطنية، ولا في قضايا العروبة والتحرر والسيادة والاستقلال. فبقدر ما كان علماً وقامة دينية وفكرية مجددة في مسار الاصلاح الديني، التصق بقضايا الوطن والناس، ولم يستسلم للضغوط ومحاولات العزل للتخلي عن خياراته ومبادئه ضد الهيمنة في بيئته وعلى مستوى الوطن. تمسك بمواقفه حفاظاً على الحريات والتنوع وكان يعرف كلفتها من دون أن يتراجع قيد أنملة عن ثوابته الوطنية. ترجل محمد حسن الأمين، العلامة والمثقف والشاعر، صاحب المواقف السجالية والمناصر للثورات العربية، ولم يبدل، وهو الحاسم في رسالته أن الطائفة الشيعية هي جزء لا يتجزأ من البنية الوطنية اللبنانية ذات المصلحة الحقيقية في التحرر والسيادة والاستقلال، والعقلاني في نظرته إلى العلمانية والدولة المدنية.

المحطات السياسية للسيد محمد حسن الأمين كثيرة ولا تقف عند حدود موقعه في الطائفة، فهو المناصر الأول للقضية الفلسطينية التزمها ولم يغيّر، وحتى حين انكفأ سياسياً لسنوات بعد 2005 في ذروة الانقسام اللبناني لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بقي يسعى الى إبراز الدور الوطني للطائفة من خارج الثنائي الشيعي، وإن كانت تجربة تأسيس اللقاء اللبناني الشيعي لم تصل إلى خواتيمها بعدما اجهضت هذه التجربة، إذ أن الامين تنبه إلى أن التغيير يكون من رحاب الوطنية اللبنانية وضمن مندرجاتها، وبقي صامداً حتى حين شنّ الممانعون حملة تتهمه بـ”شيعة الوهابية” ليرد بوقوفه إلى جانب ثورات الربيع العربي، ومؤيداً للثورة السورية ضد النظام، وحضر في الساحات مع العلامة هاني فحص صديقه ورفيقه في النضال والفكر المتنور. 

لم يتردد العلامة الأمين في دعوة الناس إلى الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية خصوصاً الانتفاضة السورية المحقة، وهو رفض ما يسمى بتحالف الأقليات ضد الأكثرية السنية، وجاهر بموقفه في أن تجربة ولاية الفقيه لم تقدم للإيرانيين أو للمسلمين أي شيء، والتبعية لنظام الأسد أو للنظام الإيراني ليست من العقيدة الشيعية في شيء. وهو لذلك رفض التدخل والقتال في سوريا. الاهم أنه حذر الشيعة من الانخراط في بلدان ليس لهم تواجد فيها، إذ وجب على “حزب الله” برأيه ان يعيد النظر في المقاومة التي حررت الأرض، والولاء لإيران يجب أن يتوقف عند حدود الولاء للوطن. ليس العمل على بناء حيثية مغايرة في البيئة الشيعية، هو ما ميّز محمد حسن الامين، فهو جاهر بموقفه الوطني بعد 14 أذار 2005، قائلاً إنه لا يجوز للشيعة كطائفة أن تكون في عزلة عن الاجماع الوطني اللبناني على الالتفاف حول انتفاضة الاستقلال، ولذا يجب معالجة كل شكل من أشكال الاصطفاف الطائفي المضاد، لانه يشعل فتنة. انتصر السيد لانتفاضة اللبنانيين ضد السلطة الفاسدة، فهي تجسيد لحق دستوري وإنساني، وليس صحيحاً أن هناك أصابع خارجية تحرّكها. في إجماع كل فئات الشعب اللبناني وطوائفه للنزول إلى الشوارع، دعا إلى الإصلاحات وأن تتخلى الطبقة السياسية عن مواقعها وإمتيازاتها، وأن يصار إلى إنتخابات مبكّرة يكون المجلس بعدها مؤهلاً لإختيار المسؤولين من رؤساء ووزراء، على أساس قانون إنتخابات خارج القيد الطائفي.

موقف السيد من الانتفاضة كان امتداداً لمناصرته قضايا الوطن والناس، ولا أحد ينسى دوره في حماية الوحدة الوطنية إلى جانب علماء صيدا وقادتها الدينيين والسياسيين، ومساهمته في مرحلة الثمانينات إلى جانب المطران سليم غزالة في حماية التنوع السياسي والطائفي وضمان استمراره في المنطقة. وهو أيضاً علم مقاوم في دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث أبعدته قوات الاحتلال من صيدا والجنوب. لكن موقفه من المقاومة واستقلاليتها عرّضه للكثير من الضغوط، فجرى التضييق عليه في محاولة عزل فكره التنويري ضد الانغلاق، من دون ان يهتز على رغم كل التهميش الذي تعرض له في مؤسسات الطائفة الشيعية.

شفافية السيد الأمين وانفتاحه على العلمانية والدولة المدنية واستقلاليته جذبا الكثير من النخب حوله، فدعاة العلمنة ليسوا ملحدين وأن ظاهرة الإلحاد، لم تأتِ من العلمنة، وإنما أتت من ينابيع أيديولوجية أخرى. وهنا لا فرق بين مصطلحي الدولة المدنية والعلمانية، إذ أن مشكلتنا ليست مع الدين، بل هي مع الطائفية السياسية، و”الدولة المدنية أو “العلمانية المؤمنة”… هي لحماية حق التديّن وليست بالضرورة علمانية لحماية الملحدين كما يصوّرها البعض. السيد المتنور الذي تخرج من النجف كان من أشد المدافعين عن الحرية. وهو من الداعين إلى تحقيق مبدأ الحرية في اختيار السلطة وفي تداولها، وأيضاً مواجهة عبودية المجتمع للفرد.

“نحن لا نعرف مفهوم المواطنة كما تعرفه الشعوب المتقدمة والتي هي أكثر تنوعاً وتعدداً على الصعد الدينية والطائفية منّا. ففي لبنان يولد الفرد مقيّداً ومحاصراً بقيد طائفته أو مذهبه، وهو بالتالي ليس عضواً في الاجتماع السياسي الكبير، إنه عضو في المذهب الذي ينتمي إليه”. وبهذا المعنى هو لا يعيش تحت سقف الدولة، بل تحت سقف أدنى من الدولة، هو الطائفة الذي ينتمي إليها. لذا يمكن لممثل طائفة معينة أن يستنفر طائفته في مواجهة الحكومة والدولة عندما يتعرض شخصه لما يعتبره إهانة أو أمراً غير لائق بموقعه التمثيلي، وبحكم كونه مالكاً لمنافع الدولة، وظائفها حصرياً فإن الطائفة أو المذهب الذي ينزعمه يستجيب لهذا الاستنفار”.

لذا الاستبداد عندنا مزدوج يمارسه الحاكم بواسطة الطائفة وتمارسه الطائفة بإسناد الحاكم، وتبقى دائرة التحرر من هذا النظام ضيقة لا تتسع لكتلة وطنية قادرة على الفعل والتغيير. رحل العلامة السيد محمد حسن الامين، متأثراً بجائحة “كورونا” وترك إرثاً من الفكر المتنور، ومؤلفات وتجربة، لم يهزمها التضييق والعزل والحصارن ونستنير بها لمواجهة الانغلاق والعتمة والتبعية.

السابق
الى روح السيد محمد حسن الأمين
التالي
موسكو تنتظر الحريري.. والحكومة محور الزيارة !