حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: إيران.. «مفاوضات على المفاوضات»!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

جرعة الدعم التي قدمها المرشد الاعلى للنظام الايراني للبرلمان والتيار المتشدد في خطابه الاخير، بوصفه القانون الذي اقره النواب حول “استراتيجية رفع العقوبات” بـ”القانون الجيد”، الذي يهدف للحفاظ على حقوق ايران وشعبها، لم تمنع حكومة الرئيس حسن روحاني من الالتفاف على هذا القانون، مستفيدة من المراسيم التطبيقية التي اصدرتها، والتفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تعليق التنفيذ العملي مدة ثلاثة اشهر لما جاء في البند السادس من هذا القانون، الخاصة بوقف العمل بالبروتوكول الاضافي للتفتيش المباغت واطفاء كاميرات المراقبة الدولية في المنشآت الايرانية.

اقرا ايضًا: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: إنما لـ«الحزب» حدود!

زيارة مدير عام الوكالة الدولية رافايل غروسي لطهران يومي 20 و21 شباط/ فبراير، انتهت الى تفاهم مع علي اكبر صالحي رئيس الوكالة الايرانية للطاقة الذرية ونائب رئيس الجمهورية، على تقسيم الخطوة الايرانية الى مستويين، الاول وقف العمل بالبروتوكول الاضافي لجهة ان القبول ايران بهذا النوع من التفتيش، كان “تطوعيا” ومن باب تعزيز الثقة من دون المرور باقراره بالبرلمان ، الامر الذي يعطيه حينها صفة الالزامية. اما المستوى الثاني والمتعلق بكاميرات المراقبة، التي اتفق على ابقائها مع احتفاظ ايران بارشيفها لمدة ثلاثة اشهر ، تكون مرحلة اختبار لنوايا السداسية الدولية (5+1)ض ونيتها الجدية بالعودة الى تفعيل الاتفاق النووي ورفع العقوبات.

حكومة روحاني ومعركتها مع البرلمان

هذا التفاهم الذي لا يرتقي الى مستوى الاتفاق، منح حكومة روحاني دفعة في معركتها مع البرلمان الذي يسيطر عليه المحافظون، واظهرت قدرتها على تعطيل الهجوم الذي يشنه هؤلاء، لتعطيل اي جهود تبذلها لحل ازمة الملف النووي وعودة العلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي. واعادت تذكير النواب بحدود الصلاحيات والادوار التي يتمتعون بها، فيما يتعلق بالبرنامج النووي والاتفاق المتعلق به، من خلال التأكيد على تنسيق مواقفها مع المجلس الاعلى للامن القومي – الذي يرأسه روحاني- لجهة ان هذا المجلس، هو الجهة او السلطة الوحيدة التي تملك حق التقرير في الموضوع النووي، بعد ان تم حصر موضوع اقرار الاتفاق النووي عام 2015 بهذا المجلس، ولم يكن للبرلمان اي دور سوى الاطلاع على التقرير المختصر من عدة صفحات بدلا عن مئات، الذي قدمه مجلس الامن القومي حول طبيعة الاتفاق والالتزمات المترتبة على ايران.

استفاقة متأخرة

استفاقة النواب على دورهم التشريعي في اقرار الاتفاقات والمعاهدات مع الحكومات والمؤسسات الدولية جاءت متأخرة ومن خارج السياقات المتبعة في آليات اتخاذ القرارات المرتبطة بالمستجدات الدولية، وان استبعادهم عن الاتفاق عام 2015 لم تكن حكومة روحاني مسؤولة عنه، بل جاء منسجما مع توجيه او رغبة من المرشد الاعلى الذي ارتأى حصر الشأن النووي في المجلس الاعلى للامن القومي، كونه – اي المرشد – يمسك بمفاتيح التحكم بهذا المجلس بما له من صلاحيات حصرية في رسم وتقرير السياسات الاستراتيجية الداخلية والخارجية للدولة والنظام.

الانتفاضة التي قام بها النواب المحافظون ضد روحاني والحكومة، سرعان ما خفتت بايحاء غير مباشر من المرشد الاعلى الذي امسك بالعصا من الوسط بين السلطتين التشريعية والتنفيذية

الانتفاضة التي قام بها النواب – المحافظون- ضد روحاني والحكومة، وتسطير مضبطة اتهام برلمانية بحق رئيس السلطة التنفيذية، والاعلان عن نيتهم الطلب من السلطة القضائية النظر في مخالفات روحاني وادارته لنص القانون النووي، سرعان ما خفتت بايحاء غير مباشر من المرشد الاعلى الذي امسك بالعصا من الوسط بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالتأكيد على اهمية القانون الذي سبق ان اقر و ضرورة التوظيفه الجيد في الدفاع عن الحقوق الايرانية، وباعطاء الحكومة دفعا في عملية التفاوض والمساومة على خطوة رفع العقوبات مقابل العودة الى كامل الالتزامات، ومحذرا من ظاهرة ثنائية المواقف بين هاتين المؤسستين التي تضغف الموقف التفاوضي وتخدم اهداف العدو. ما اجبر البرلمان للتراجع عن خطوته التصعيدية والبحث عن مخارج لحل الخلاف.

التهدئة التي اجبر البرلمان على القبول بها، قد يكون لها تأثير على مجريات المعركة الانتخابية والسباق الى رئاسة الجمهورية

التهدئة التي اجبر البرلمان على القبول بها، قد يكون لها تأثير على مجريات المعركة الانتخابية والسباق الى رئاسة الجمهورية، اذ ان مهلة الاشهر الثلاثة تعطي لحكومة روحاني فرصة وضع الامور في العلاقة مع واشنطن والمجتمع الدولي على سكة الحلول المطلوبة والتأسيس لبدء عملية تفاوض جدية، من خلال تثمير الحوارات غير المباشرة القائمة او التي قد تحصل بعد تفعيل عمل اللجنة المشتركة لمراقبة تنفيذ الاتفاق النووي برعاية من الاتحاد الاوروبي، والتي قد تشكل المعبر الذي ستعود منه واشنطن الى هذا الاتفاق بعد تطوير عودتها للمشاركة بصفة مراقب الى عضو كامل الصلاحية. الامر الذي يعيد وضع القوى المعتدلة والاحزاب الاصلاحية على خارطة المنافسة الجدية في السباق الرئاسي، من خلال توظيف المكاسب التي قد تتحقق في اعادة ترميم الوضع الاقتصادي، بما يعيد تعزيز موقعهم الاجتماعي، وبالتالي الدفع نحو مزيد من المشاركة الشعبية في الانتخابات، بحيث تسمح لهم بفرض انفسهم شريكا في تقاسم القرار، والبقاء على رأس السلطة التنفيذية لدورة جديدة.

اي اتفاق سيكون بين المرشد والبيت الابيض، وما يبقى للاطراف الداخلية سوى الصراع على ادارة الشؤون الداخلية تحت مظلة المرشد ورؤيته واستراتيجيته

هذه المتغيرات وما يمكن ان ينتج عنها على صعيد السباق الرئاسي، تشكل مصادر القلق الرئيسة لدى التيار والاحزاب المحافظة، التي ترى ان الطريق امامها ممهدا للعودة الى رئاسة الجمهورية، من خلال عرقلة جميع الجهود والمساعي التي تبذلها حكومة روحاني، لحل الازمتين النووية والاقتصادية المرتبطة بها او الناتجة عنها، خصوصا وان النتائج الاولى لمهلة التعليق هذه تنتهي على مشارف الموعد المحدد للعملية الانتخابية في 18 حزيران المقبل، وان ابطال مفاعيل هذه الخطوة وما قد تحمله من نتائج ايجابية قد يكون معقدا ويعيد خلط اوراقهم، لان الهدف الكامن من وراء معركتهم مع روحاني والقوى المؤيدة له، يتعلق بالنتائج النهائية للمفاوضات، واي من الاطراف سيكون صاحب الامتياز الذي يسجل باسمه هذا الانجاز. خصوصا وان كلا الطرفين يدركان جيدا بانهما لاعبان هامشيان في عملية التفاوض، فالادارة الامريكية لا تتفاوض مع اي جهة ايرانية، سوى باعتبارها ممثلا عن صاحب القرار في النظام، وبالتالي فان اي اتفاق او تفاهم سيكون بين المرشد والبيت الابيض، وما يبقى للاطراف الداخلية سوى الصراع على ادارة الشؤون الداخلية تحت مظلة المرشد ورؤيته واستراتيجيته.

السابق
بالفيديو: الوزير حمد يفقد اعصابه ويتهجم على طوني خليفة: ما هي انجازاتك الاعلامية؟!
التالي
هذا ما جاء في مقدمات النشرات المسائية ليوم الخميس 25/02/2021