من يحمي «الشيعة الأحرار» من بطش الأشرار؟!

رفضاً لقتل لقمان سليم
مجدداً تطرح جريمة " إعدام " المفكر لقمان سليم، إشكالية المكون الشيعي المستقل والحر من أي تبعية حزبية أو طائفية أو مذهبية، داخلية كانت أم خارجية، وهي إشكالية بدأت مع إنطلاق ثورة الأرز، بعد جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 التي لا نزال نعيش تردداتها حتى اليوم.

يومها إنتفض الشيعة الأحرار مع غيرهم من اللبنانيين ونزلوا إلى الساحات، وكلهم أمل و عزيمة على العمل مع إخوانهم في الطوائف الأخرى من أجل وطن حر، سيد ومستقل، على أساس وحدة لبنان وتحت سقف الدستور و وثيقة الوفاق الوطني المنبثقة من إتفاق الطائف.

للحقيقة والتاريخ والإنصاف نقول، أنه كان لنزول المكون الشيعي المستقل يومها نكهة خاصة، فيها من الإقدام والشجاعة والوطنية الشيء الكثير – من دون التقليل طبعا من شأن المكونات الأخرى – كون الطرف المهيمن في الجهة المقابلة ورأس الحربة في التصدي لثورة الأرز، كان الثنائي الشيعي الذي نجح فيما بعد مستغلا خوف قوى الرابع عشر من آذار من ” تسونامي ” ميشال عون – بعد ما سُرِّبَ يومها من تفاهمات عقدها عون مع النظام الأمني السوري – اللبناني حتى قبل جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمهيدا لعودته.

ظهر مصطلح ” شيعة السفارة ” كتعبير عن أحقر وأحط حملة تخوين وإلغاء للآخر

ونجح بإقامة الحلف الرباعي يومها مع ” الثنائي ” السني – الدرزي المكون من تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري والحزب التقدمي الإشتراكي برئاسة وليد جنبلاط، الأمر الذي إستفاد منه ميشال عون في الواقع ، في الوقت الذي كان على حساب المكون الشيعي المستقل الذي فشل هو الآخر في تجميع قواه وطاقاته في كيان شيعي مستقل كما بقية أطراف 14 آذار ومكوناته الطائفية، فكان هذا التحالف أول مسمار دق في نعش قوى الرابع عشر من آذار إذ أنه من البديهي القول، أن لا حرية ولا سيادة ولا إستقلال في غياب أي مكون طائفي لبناني، أياً كان هذا المكون فكيف بالحري المكون الشيعي خاصة في ظل المشروع الإيراني في المنطقة .

 في 6 شباط 2006 ، وتحت ظل التحالف الرباعي الذي تجسد بحكومة السنيورة الأولى، التي ضمت كل أطياف قوى 14 آذار حتى المستقلين منهم من المسيحيين بإستثناء المستقلين الشيعة، بحيث إنحصر التمثيل الشيعي بالثنائي إياه، وهو ما دفعت ثمنه حكومة السنيورة لاحقا عندما إنسحب الوزراء الشيعة منها، أُعلن عن إتفاق مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر، والذي كان عملياً بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الإتفاق الرباعي، الذي بدا يومها وكأنه كان تكتيكا من جانب حزب الله لكسب الوقت و” تنفيس ” ثورة الأرز، وهو ما نجح فيه للأسف وسط ” غفلة ” من جانب قيادات قوى الرابع عشر من آذار، التي وللإنصاف كانت تتعرض لتصفيات جسدية جعلها تنكفأ للملمة جراحها ولحمها من الشوارع. 

ثم جاءت حرب 2006 في غمرة إلتئام الشمل على طاولة الحوار الوطني للبحث بما سمي الإستراتيجية الدفاعية كحل لمسألة سلاح حزب الله.

إتفاق مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر اطلق رصاصة الرحمة على الإتفاق الرباعي

هذا الحوار الذي تبين لاحقاً أنه كذلك كان محاولة لتمرير الوقت وهكذا تكون قوى 14 آذار لدغت من نفس الجحر مرتين .

فكان أن ” إنفخت الدف ” بين الرباعي وتفرق العشاق كما يقال ، وبدأت مرحلة جديدة في لبنان تميزت ببداية تغول فريق الثامن من آذار بقيادة الثنائي الشيعي وبواجهة مسيحية من التيار الوطني الحر، عبر نزع الأقنعة وتبيان الوجه الحقيقي لهذا التحالف، الذي كان يعمل ولا يزال بأجندة إقليمية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية اللبنانية .هذه المرحلة – مرحلة ما بعد حرب 2006 – زادت من الضغوط على المكون الشيعي المستقل عبر إتهامات له بالخيانة والعمالة ضد بيئته وأهله.

الشيعي الحر يدفع الثمن مرتين: مرة عند خلاف الطرفين وأخرى عند محاولات التفاهم بينهم

وظهر مصطلح ” شيعة السفارة ” كتعبير عن أحقر وأحط حملة تخوين وإلغاء للآخر، ما أدى في أحداث 2008 إلى ترويع الأحرار الشيعة من ضمن ترويع الآمنين في بيروت والجبل، كما حصل في الهجوم على تلفزيون وجريدة المستقبل حيث كان يعمل الكثير من الشيعة وعلى رأسهم الراحل نصير الأسعد، وكذلك ما حصل في صور مع السيد علي الأمين وغيرهم الكثير.

وكانت النتيجة أن حصل الثنائي الشيعي وحلفاؤه بعد إتفاق الدوحة فضلا عن حصرية تمثيله للشيعة على حصة له في التمثيل السني والدرزي، عبر بعض أتباعه من الطرفين الذين فصَّل لهم كتل وتجمعات هجينة كي يدخلهم جنة السلطة ويستقوي بهم على بقية المكونات الطائفية في البلد ، في الوقت الذي إزدادت فيه الإنتهاكات والتهديدات للشيعة المستقلين بعد تدخل حزب الله في الحرب السورية ووقوف الأحرار المستقلين الشيعة ضد هذا التدخل بل في الجانب المقابل له.

إقرأ أيضاً: عبد الحسين شعبان يعزّي البرزاني برحيل شاويس..تواضَع رغم مناصبه الرفيعة

وكان من نتيجتها إستشهاد الشاب هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية في بيروت أثناء مظاهرة معارضة للتدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية ، أمام عدسات الكاميرات ودون أن يصل ” التحقيق ” إلى شيء يذكر .

مع إندلاع ثورة 17 تشرين 2019 ، نزل الشيعة بغالبية أطيافهم أيضا كغيرهم من اللبنانيين في الأيام الأولى من الثورة خاصة في الجنوب قبل أن يستدرك الثنائي الأمر عبر القمع في النبطية وصور وبنت جبيل ، وذلك بعد ظهور أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ليتهم الثورة والثوار بأنهم صناعة سفارات، ووصل الأمر حد الحديث والسؤال عن مصدر المناقيش والسندويشات التي يتناولها الناس في الساحات.

ومع إتساع دائرة الإحتجاجات ومن ضمن الضغوط السياسية على بعض أطراف السلطة التي إستجابت نسبيا لصرخات الناس ، بدأت الإعتداءات على الثوار والمضايقات بشتى أنواعها طورا بالإرهاب المعنوي عبر الهتاف الشهير شيعة شيعة شيعة ، وتارة عبر الإعتداءات المباشرة وبالوجوه المكشوفة ، وثالثة بتدمير الممتلكات العامة والخاصة خاصة في وسط بيروت بما يرمز إليه.

وقد طالت هذه التعديات من جملة ما طالت خيمة الملتقى التي كان يشرف عليها الشهيد لقمان سليم بذريعة ترويجه للتطبيع، وكلنا لا يزال يذكر ما تعرض له وعائلته من تنمر وتهديد سواء بالكلام أو بالملصقات على جدران دارته، ما دفعه يومها لإصدار بيان ” إتهامي ” مسبق يحمِّل فيه المسؤولية عن حياته وحياة عائلته إلى قطبي الثنائي الشيعي بالإسم والصفة. 

ولا ننسى أيضا ما يتعرض له العلامة السيد علي الأمين من تخوين وتضليل عبر دعاوى قضائية تتهمه بالتطبيع ومحاولة زرع الفتنة ويا لها من تهم باطلة ووقحة . اليوم وبعد عملية ” إعدام ” المفكر لقمان سليم البشعة ، يجد المكون الشيعي المستقل نفسه بجميع توجهاته الفكرية والسياسية مرة أخرى في مواجهة خطر التصفية الجسدية، في حال تمادى ومس الخطوط الحمر – التي لا يعرف أحد أصلاً أين تبدأ وأين تنتهي – رغم سلميته في المعارضة بالقول والكتابة، حيث أنه لا يملك سوى سلاح القلم والصوت، ومع ذلك يجد نفسه عارياً من أية حماية سياسية أو أمنية ويبدو كالأيتام على مائدة اللئام.

وما المواقف السياسية الضعيفة التي تناولت جريمة قتل لقمان سليم سواء الداخلية منها وخاصة من قبل قوى ما كان يسمى ب 14 آذار أو الخارجية، إلا عينة مما وصل إليه الوضع في البلد ، حيث كانت مواقف أقرب لرفع العتب من أن تكون مواقف جذرية وحقيقية ، ما يجعل الطرف المدني الشيعي فاقدا لأي غطاء حتى من قبل أرباب عمله الذين يتبارون أحيانا في إطلاق المواقف السياسية عالية السقف، لدرجة أن موقعا إخباريا قد تبرأ من موقف – مجرد موقف – لمدير تحريره موجها ضد إحدى الصحف المحرضة على القتل ، وكذلك تنصلت إحدى محطات التلفزيون من مواقف أطلقتها إحدى الإعلاميات لديها في برنامجها من على منبر المحطة ، يحصل هذا في وقت نجد أن بعض الدول بدأت مع وصول إدارة بايدن للسلطة في أميركا، بتخفيف بعض القيود على بعض مواطنيها المعتقلين لديها كإطلاق سراح مراسل الجزيرة في القاهرة المصري محمود حسين من السجون المصرية بعد إعتقال تعسفي لأكثر من ثلاث سنوات ، وكذلك إطلاق السعودية لسراح مواطنتها لجين الهذلول بعد إعتقال دام عدة سنوات ، في الوقت الذي لا يزال يتعرض فيه المكون الشيعي الحر وحده في كل من العراق ولبنان للتصفية الجسدية، في ظل الحديث عن إعادة فتح باب التفاوض بين أميركا وإيران، بما يخص الإتفاق النووي وغيره من الملفات.

تنصلت إحدى محطات التلفزيون من مواقف أطلقتها إحدى الإعلاميات لديها في برنامجها

وكأنه كتب على الشيعي الحر أن يدفع الثمن مرتين، مرة عند الخلاف بين الطرفين وأخرى عند محاولات التفاهم بينهم دون ناصر أو معين، وهذا لعمري ظلم ما بعده ظلم من ذوي القربى من الجانبين، الظالم والساكت عن الظلم ، وظلم ذوي القربى كما هو معروف أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند، ما يجعلنا نردد الدعاء المأثور ، “أللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه” ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها .     

السابق
عبد الحسين شعبان يعزّي البرزاني برحيل شاويس..تواضَع رغم مناصبه الرفيعة
التالي
من جمهورية الـ«لالا لاند» باسيل «يقصف» الحريري..و«المستقبل»: الصهر «يعزل» عمه في بعبدا!