نخبة مقاوِمة للضحالة الثقافية

لقمان سليم

الاغتيال الثقافي له دائما وقع أكثر مفاجأةً من الاغتيال السياسي. أقصد اغتيال المثقفين واغتيال السياسيين. ففجأةً يضيئ دمُ المثقف على أهمية ليست محسوبة قبل الاغتيال تماماً. يضيئ على أهمية الثقافة وسلطتها “غير السلطوية”. هناك من يقيس في الغرفة المظلمة أهمية للثقافة لا تتوقعها الساحات المكشوفة للضوء. اغتيال سمير قصير وفرج فودة ولقمان سليم والاعتداء على نجيب محفوظ وغيرها وغيرها من اعتداءات على مثقفين، على الاختلافات الكثيرة بين هويات وأحجام وأدوار ومواقع كل إسم، هي في كلّ واحد منها اعتداء أو اغتيال مركّب. فرغم سهولة اغتيال المثقف الأمنية،السهولة الفائقة، هو أعقد على الفهم من حيث أن اغتيال المثقف بسبب عدم وضوح مدى تأثير الدور إلا في ذهن صاحب قرار التصفية هو اعتراف بقوة عميقة، يظهرها الاغتيال وبهذا المعنى يفجِّرها كما يتفجّر نهر غير منظور من جوف الأرض.

لا أريد أن أقارن بين الاغتيالات في منطقةٍ حيث كل اعتداء على سياسي أو مثقف أو على أي مواطن فيها هو اعتداء على الحرية التي يثبت بعد عقود من تجارب مجتمعاتنا ودولها “الفتيّة” أن غيابها، أي الحرية، هو العنوان الأول للتخلّف والظلام والظلامة. لاشيىء يبرر القتل. حتى التطرف في الرأي عندما يصدر عن أعزل يقاوم بالوسائل السلمية. كان لقمان متمسكاً عنيداً بمعارضته لكنه كان رجلا مسالماً بكل أنماط نشاطه وحياته. كان مثل مثقفين كثيرين يحمل فكرة ثقافية ديموقراطية ثابتة عن الحياة السياسية.

اقرأ أيضاً: تقديرات إسرائيلية: «حزب الله» يستعد لتصعيد «محدود»

وإذا كان اغتيال لقمان سليم “أوضح” من اغتيالين حصلا عام 1987 هما اغتيال حسين مروة ومهدي عامل، فإن الاغتيالات الثلاثة تنتمي مباشرةً أو غير مباشرة إلى مستوى واحد هو الصراع على “ثقافة” الطائفة الشيعية في لبنان. فالاغتيالات الثلاثة تطال مثقفين محترفين كانوا جزءا من مناخ متعدد الاتجاهات بما فيها الاتجاه غير الديني. رغم يسارية مروة وحسن حمدان (مهدي عامل) وانتمائهما البارز للحزب الشيوعي اللبناني كان الإثنان موصولَيْن بشكل طبيعي بكل ما هو خارج الإسلام الأيديولوجي السياسي سواء صيغته الأصولية الشيعية أو صيغته الإخوانية السنيّة.
صحيح أن الحزب الشيوعي اللبناني كان متورطاً منذ العام 1975 في الحرب الأهلية اللبنانية وبهذا المعنى كان متورطا في الحرب إلى جانب الإسلام السياسي التقليدي ( غير الأيديولوجي) اللبناني ضد المسيحية السياسية التقليدية اللبنانية لكنه، أي الحزب الشيوعي، قبل الثورة الإيرانية لم يكن معنيا على المستوى الثقافي بهذا التحدّي مع الإسلام الأصولي.

سيُقتَل مروة وحمدان في واحدة من السنوات الأخيرة للحرب الأهلية وسيظهر لاحقا أن رمزية هذا القتل كانت تعني خلو الساحة الشيعية “ثقافيا” لتيار واحد. ومع تطويع الجسم الحزبي الشيوعي واغتيال بعض كوادره المسيحية أيضاً سيخلو الجو لتيار واحد في مقاومة إسرائيل. لا أتهم أحدًا بالتحديد هنا فليس لديّ معلومات أمنيّة، ولكني أتحدّث عن نتائج. وقد تعلّمت منذ زمن طويل أن الجرائم السياسية تُقرأ في السياسة أولا، ولو بعد زمن، بسبب استحالة الوصول إلى معلومات أمنية والتركيز على التفكير الأمني يضيِّع الحقيقة أكثر بل يدخلها في متاهات لا نتيجة منها. وهذا ينطبق على كل أنواع الاغتيالات السياسية التي شهدناها وقامت بها قوى مختلفة ومتصارعة ولاسيما منذ اغتيال الرئيس أنور السادات المتهم به الإسلام السني الراديكالي إلى اغتيال الرئيس رشيد كرامي المتهم به رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى اغتيال الفنان رسام الكاريكاتور ناجي العلي المتهم به ياسر عرفات إلى الاغتيال الأخير المتهم به “حزب الله”. وقبل ذلك إخفاء الإمام موسى الصدر المتهم به العقيد معمر القذافي واغتيال كمال جنبلاط المتهم به النظام السوري. كل من هذه الاغتيالات وغيرها الكثير ومنها اغتيال الرئيس بشير الجميل واغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه وإخفاء الصحافي جمال خاشقجي، له وظيفة سياسية وكل فراغ يتركه، بمعزل عن توفّر الدلائل الأمنية أو غيابها، يدل على مستفيد من الجريمة.

أحصر الأمثلة هنا بمرجّحات التهم العائدة لأطراف عربية تستبعد معارضيها ولا أتكلم عن الاغتيالات التي تقوم بها إسرائيل والتي لا بد أنها تقوم بها بواسطة عملائها المباشرين أو غير المباشرين. وإسرائيل التي تغتال شعبا بكامله في نظام التمييز العنصري الذي تقيمه ضد الشعب الفلسطيني تصبح الحليف غير المعلن لكل استبداد وتسلط ينتهجه أي فريق في المنطقة يمارس الاستبداد الصغير أو الكبير داخل هذه المنطقة ويدفع نخب شعوبنا نحو الهجرة أكثر إلى الخارج الغربي المتقدم. هذا ليس مجرد تقييم خطابي بل هو معادلة ثابتة من حيث استمرار تقدم إسرائيل المذهل واستمرار تخلفنا المريع.

طُوِّع الحزبُ الشيوعي اللبناني صاحب التاريخ الطويل في تطويع نفسه بنفسه وراء آخرين أقوياء كثر لبنانيين أو عرباً. لكنه وهو الهامشي في الحياة السلطوية للدولة اللبنانية، برلماناً وحكومات، كان دائما أساسيًا في الحياة الثقافية اللبنانية بحكم استقطابه لنخبة واسعة جعلته في السبعينات من القرن المنصرم الحزب الثقافي الأول في لبنان بعدما كان يتنافس على هذا الموقع في الخمسينات من القرن نفسه مع الحزب السوري القومي ثم مع حزب البعث. جاءت الحركة الشيعية الأصولية وقد أصبحت في السلطة لتجد نفسها، على صدام مع واقع وجود السلطةالثقافية الإبداعية في يد الشيوعيين والليبراليين والتقليديين في لبنان وخصوصا في الطائفة الشيعية.

لن يخرج “حزب الله” عن قانون عام حكم كل التيارات الأصولية الإسلامية سنةً وشيعة. فحتى في ذروة نجاحه السلطوي والسياسي والأمني والشعبي، بعد العام 1990 والمقاومتي لإسرائيل حتى عام 2000، هو مثل كل الأصوليات حزبٌ ضحل في الثقافة الإبداعية. الإخوان المسلمون أينما وجِدوا، وهم النسخة الأصولية الأم للأصولية الشيعية لم ينتجوا قصيدة واحدة، أو مسرحية أو رواية تقليدية أو تجديدية في الصف الأول من الثقافة الإبداعية. حتى اليوم لا زال من هم يساريون وشيوعيون حاليون وسابقون، قوميون وبعثيون سابقون، ليبراليون جدد أو قدماء، تقليديون و”مستغربون” فرنكوفون وأنغلوفون ينتجون ثقافة الصف الأول بين الشيعة والسنّة فكيف بين الطوائف اللبنانية الأخرى من مسيحيين ودروز حيث يستحيل للأصولية الإسلامية الاختراق.

الضحالة الثقافية البنيوية من جهة، والقوة الاكتساحية الأمنية والسلطوية والشعبية من جهة ثانية، ستجعلانا نعيش مع مفارقة لا حل لها بالنسبة لحزب أصولي، هي مفارقة الهامشية الثقافية حتى عندما يستعير يساريين سابقين بهرتهم تجربة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
كان لقمان سليم واحدا بارزا في النخبة الثقافية اللبنانية ولاسيما الشيعية. ليس فقط في كونه مع شقيقته رشا، وهي الروائية المعروفة، أسّسا دار نشر هي “دار الجديد” ستكون معنيةً بنشر انتاجات جديدة أو إعادة النشر الذكي لكلاسيكيات بعض أبرزها لطه حسين وعبدالله العلايلي أو لترجمات نتاجات فرنسية نالت جوائز في باريس. ولكنه، حمل دائما سيف المعارضة والاعتراض الثقافي، وهو في سنوات النضج الليبرالي المخضرم والخلّاق والشجاع، على كل ما هو سلطة واستبداد.

عمل لقمان على نتاجات توثيقية عديدة أهمها من وجهة نظري تسجيله لشهادات عناصر ساهمت “باليد” في ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا ووصل إلى أشخاص أظن لم يصل أحدٌ إليهم في السابق لأن الاتهامات تركزت فقط على رموز مثل إيلي حبيقة وسعد حداد ناهيك طبعا عن الضباط الإسرائيليين الذين أداروا المجازر، تفرجاً أو مشاركة. وذات يوم في متحف الهولوكوست الفلسطيني الذي سيفتتح في عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، سيكون للعمل التوثيقي الذي قام به لقمان سليم وزوجته مونيكا بورغمان في كشف قعر مجازر صبرا وشاتيلا المكان المرموق في متحف الذاكرة المأساوية الفلسطينية.

سيبقى على “المعنيين” الذين بقوا أحياء حتى إشعار آخر أن يقيسوا بين ما هو اغتيال الصعود السياسي في عالمنا الاستبدادي وبين ما هو اغتيال الانحدار السياسي للقوة السياسية المسؤولة عنه. وفي حالات معينة تبلغ الدراما ذروتها في أن الخاسر على المدى الأبعد ليست الجهة التي تنتمي إليها الضحيّة بل الجهة التي تنتمي إليها الرصاصة القاتلة. وأحيانا العكس. أين نحن اليوم؟
هنيئا لهم برعّاعهم وإلى المزيد من صفوة الشباب اللبناني المتجهة إلى مطار بيروت الدولي للهجرة.
منطقة تعج بالاغتيالات ولذلك فإن اغتيال لقمان سليم “يعيدنا” إلى المستقبل لأنه يذكِّرنا بأن مستقبل هذه المنطقة هو مستقبل ظلام فكري وسياسي كما كتبتُ على صفحتيَّ على الفايسبوك وتويتر يوم الخميس المنصرم.
إنها فعلا “عودة” إلى المستقبل.

السابق
«حزب الله» يعاقب الـ «mtv» ويقطع بثها عن الضاحية!
التالي
مناصرو التيار «الحر» ينتقدون تلاوة الصلاة المسيحية في رثاء سليم: «شعائرنا خط أحمر»!