لبنان بلد «الرسالات الكثيرة».. والمطلوب واحد!

لبنان

لبنان ليس مجرد بلد، إنه رسالة سلام . قالها البابا يوحنا بولس الثاني في أيار من العام 1997 لدى زيارته التاريخية إلى لبنان . طبعاً لا يمكن لأحد أن يشكك بنبل وصدق عاطفة البابا الراحل تجاه لبنان وشعبه، وبأن ما قاله هو قناعته ربما بما يجب أن يكون عليه لبنان بصفته بلد متعدد الطوائف والمذاهب الدينية ، ولكن يبقى أن ما قاله وإن يكن نظرياً صحيح إلا أنه واقعياً بعيد كل البعد عن الحقيقة، بسبب ممارسات طبقة من المنتفعين في كل مجالات الحياة في هذا البلد الصغير المنكوب، وشعبه الذي يقُدِّم ككبش فداء على مذبح المصالح والمطامع الإقليمية والدولية، بمساعدة من هذه الطبقة من المنتفعين في الداخل التي تسمى السلطة منذ ما يقارب النصف قرن إن لم يكن أكثر .

قد يكون لبنان البلد الوحيد في العالم الذي تسمع فيه بإستمرار كلمة ” رسالة “، لدرجة باتت معها هذه الكلمة مبتذلة لكثرة إستعمالها، تعطي الإنطباع بغير معناها الأصلي من حيث هي توحي بالسلام والمحبة المنبثقة من الرسالات السماوية ، بل على العكس من ذلك باتت عنواناً للنصب والتضليل والإستغلال .

الدين بات طوائف ومذاهب متصارعة وستاراً لمصالح طبقة معينة من الناس يفتى لهم بالباطل

في لبنان ، ” الرسالة ” باتت رسالات ، كل مهنة من المهن في هذا البلد تعتبر نفسها رسالة لها “رُسُلها”، الذين يبشرون بها ويروجون لها ، ويدعون للإلتحاق بها والتعبد في محرابها نظراً لـ”قدسيتها” وطمعاً بالجنة الموعودة، بينما الحقيقة على الأرض غير ذلك تماماً .

الدين في لبنان مثلاً ” رسالة ” ، إنما رسالة ” غير شكل ” ، إذ في الوقت الذي تدعو فيه للخير والمحبة والتسامح ومقارعة الظلم ونصرة المظلوم ومساعدة الفقير كما يُروج لها رسلها من على المنابر ، نرى في الواقع بأن الدين بات طوائف ومذاهب متصارعة ، وبات ستاراً لمصالح طبقة معينة من الناس يفتى لهم بالباطل ، وتُزيَّن لهم أفعالهم الدنيئة وظلمهم وجورهم على الوطن والناس في سبيل منصب من هنا وجاهٍ من هناك لهؤلاء الرسل أو ورثتهم .

السياسة باتت مطية للركوب على ظهر الشعب والوطن ووسيلة للكسب السريع ومص دماء الفقراء

السياسة في لبنان هي أيضاً ” رسالة ” تدعو للحرية والسيادة والإستقلال والإصلاح ومقاومة الإحتلال والإستعمار ، لكن الواقع هو أنها باتت مطية للركوب على ظهر الشعب والوطن ، ووسيلة للكسب السريع ومص دماء الفقراء وإبتزازهم لبيع أصواتهم تارة في سوق الإنتخابات ، أو بيع أرواحهم في سوق الصراع الإقليمي والدولي تارة أخرى ليكونوا وقوداً في محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، فقط من أجل إرضاء غرور الزعيم وتكريس ” قداسته ” المزيفة.

الطب والصيدلة في لبنان ” رسالة ” ، ومع ذلك يموت الفقراء على أبواب بعض المستشفيات بسبب نقص في الأموال أو بسبب من كباش بين المستشفيات والدولة على المستحقات، أو بسبب غياب ورقة توصية من زعيم أو حزب أو مرجعية دينية ، كما يدوخ المواطن العادي الفقير ” السبع دوخات ” وهو يركض من صيدلية لأخرى بحثاً عن دواء لا يجده لأنه يُخبأ في أحسن الأحوال للخاصة من الزبائن ، وفي أسوأها يُهَرَّب إلى خارج الحدود بهمة كبار القوم وحماته الأبرار الميامين .

إقرأ أيضاً: اسواق صور القديمة تنفض عنها الغبار الأسود.. و ترتدي الازرق والابيض!

الإعلام في لبنان ” رسالة ” ، وأي رسالة وقد تحول بعضه إلى ما يشبه الكباريهات الرخيصة في تخطيه لكل الأخلاقيات الإنسانية والمهنية بحثاً عن سكوب أو سبق ، والبعض الآخر إلى ما يشبه فرق الطبل والزمر لإحياء حفلات التلميع والتضليل ، والبعض الثالث إلى مخبر لدى الأجهزة وناقل رسائل في كل الإتجاهات .

التجارة والصناعة في لبنان ” رسالة ” ، ولكن لا بأس من بعض الغش والإحتكار والتهريب وسرقة مال الدعم من فم الفقير في خبزه ودوائه وسبل تدفئته وتنقلاته .

الفن أيضاً ” رسالة ” ، ولكنه بات مزيج من السياسة والإعلام والتجارة والصناعة مجتمعة ، وبالتالي لك أن تتخيل المشهد .

الحصانة تكون لحماية الإنسان الصالح من تعسف وترهيب قد يمارس عليه لثنيه عن ممارسة مهامه بشفافية

لا نقول هذا الكلام بهدف التعميم ومن ثم التيئيس أو إحباط الناس ، فلا يزال في البلد أناس أشراف في كل المجالات على قلتهم ، إنما نقوله – وهو معروف للجميع – لمحاولة إلقاء الضوء بهدف تغيير بعض المفاهيم، التى تسعى لتقديس كل شيء بهدف إرهاب الناس معنوياً ومن ثم فعلياً لمنعهم من المطالبة بحقوقهم الأساسية ، وأولى هذه الحقوق المحاسبة وأن لا يكون أحد فوق القانون بسبب حصانة ما من منصبه أو مهنته ، فالحصانة تكون لحماية الإنسان الصالح من تعسف وترهيب قد يمارس عليه لثنيه عن ممارسة مهامه بشفافية ، وليس لحماية الفاسد والمرتكب والإنتهازي الذي يستغل منصبه وحصانته لغايات شخصية أو حزبية كما هو حاصل اليوم .

رسالتنا الوحيدة يجب أن تكون الإنسان ، الإنسان فقط ، بغض النظر عن دينه ولونه وطبقته ، وليس بالكلام بل بالممارسة العملية ، حينها فقط نكون أصحاب ” رسالات ” حقيقية وليس مزيفة ، ويكون بلدنا ليس مجرد بلد كغيره من البلدان ، ولكن رسالة سلام ومحبة كما وصفها البابا الراحل ، رسالة تبدأ من مجتمعنا أولاً ومن ثم تنتشر في أرجاء المعمورة، عبر أبناء هذا الوطن المخلصين والناجحين فرادى في الخارج ، وليس كما هو عليه الحال اليوم من فشل مجتمعي جماعي في الداخل رغم كثرة ” الرسالات ” التي لا نتوقف عن الحديث عنها والتطبيل لها زورا وبهتانا.

السابق
وحوش على هيئة بشر.. أم وأب يرميان طفلهما في خلدة وتحرّيات القوى الأمنية تكشفهما!
التالي
وهّاب يُبشّر بانفراجات كبيرة.. هل يستفيد لبنان؟