الخلل القانوني ينخر المحكمة الجعفرية(٢٨): المفتش (غير) العام يُعرف من مُخصصاته!

القضاء

نختم في هذا المقال الكلام حول عمل ودور المفتش لدى المحاكم الجعفرية، بالرغم من بقاء عدد من النقاط التي ينبغي بحثها، والإستفاضة بتفاصيلها، في المهام القانونية، وفي الأداء والممارسة؛ لكننا آثرنا إكمال الكلام حول بقية شؤون وشجون المحاكم ضمن هذا المقام؛ كي لا نسترسل كثيراً في أبحاثنا، على أننا نترك ذلك لكتابنا المخطوط الذي قد نوفق لنشره قريباً.

على اعتبار أن إصلاح المحاكم الشرعية الجعفرية – في جزء منه – يبدأ من تنظيم عمل “مفتش المحاكم” وأي خلل في دوره تكون تداعياته على عمل كامل المحاكم الجعفرية، طبعاً مع التأكيد على أهمية تطوير الأنظمة، والتركيز على معايير الكفاءة في اختيار القضاة؛ لكن للمفتش دور رئيسي في عملية الإصلاح؛ ومن هذا الباب تركيزنا على دوره..

إقرأ أيضاً: الخلل القانوني ينخر المحكمة الجعفرية(٢٧): «المفتش» ممنوع من التفتيش!

وعليه، نضيء على جملة قضايا بشكل موجز:

أولا: كان التفتيش في المحاكم الشرعية من صلاحية العالم الديني الذي يرأس المحكمة العليا؛ بشكل لا يشكل حساسية لأهل العلم، قضاة الشرع، الذين ينبغي ملاحظة خصوصيتهم، بعدم إدخال شخص من غير سلك أهل العلم والدين ليتولى مهام التفتيش.. وبقيت المحاكم الجعفرية على ذلك حتى فترة آية الله الشيخ عبد الله نعمة (قدس سره)، وبعده، وتحديداً في عهد الشيخ حسن عبد الساتر بدأ انعطاف جديد في القضاء الشرعي عموماً، كما دخل عنصر التفتيش العدلي إلى المحاكم الشرعية..

ثانياً: إن مفتش المحاكم الشرعية (غير متفرغ) حالياً، بل يقوم بمهام التفتيش بشكل ثانوي، وعلى هذا كانت سيرة المفتشين السابقين، باستثناء المفتش الحالي الذي يداوم طيلة أيام الأسبوع في المحكمة، في حين أنه في موقع غير متفرغ به!! وإذا كان النص الوارد في سنة 1994 يقول بأن المفتش متفرغ؛ فإن آخر تعديل قانوني قال ما نصه: [يتولى مراقبة حسن سير القضاء الشرعي السني والجعفري والعلوي وأعمال القضاة وموظفي المحاكم الشرعية مفتش واحد غير متفرغ..] علماً بأن القانون 350 / 1994 كان قد جعل المفتش متفرغاً، لكن تم إلغاء ذلك في القانون 452 / 1995، كما بينا النصوص في مقال سابق.

ثالثاً: يستعمل المفتش الحالي لفظ: (المفتش العام) وهذا ما يدونه في الإعلان على مكتبه في المحكمة الشرعية، بل وفي توقيعه على قراراته.. وخلال تتبعنا لكافة مراسيم تعيين المفتشين لم نجد لفظ (مفتش عام) بل اقتصر الأمر على (المفتش)، وبالرجوع إلى مرسوم تعيينه فلم يرد لفظ “مفتش عام”.

وحتى قضاة المحكمة الجعفرية صاروا يخاطبونه بشكل غير دقيق، كما فعل الشيخ محمد كنعان والشيخ علي مكحل في نصي قرارهما المسجلين بالصوت والصورة!!

والشبهة في هذا المقام ناشئة من كونه كان يتم تعيين “مفتش عام” من “هيئة التفتيش القضائي” لذلك كان القضاة: أحمد مهنا، مصطفى نور الدين، محمد سمير حاطوم، من “المفتشين العامين” في هيئة التفتيش، ولذلك يصح إطلاق لقب “مفتش عام” على كل منهم، لكن لا يصح إطلاق هذا اللقب على القضاة: أحمد حمدان، عماد زين، حسن الشامي، لكونهم ليسوا من المفتشين العامين، ولا يوجد في المحكمة الجعفرية لقب “مفتش عام”.

ويظهر ذلك من المواد القانونية التي تتحدث عن المفتش، “قانون تنظيم القضاء الشرعي السني والجعفري” فقد جاء لفظ المفتش حصراً في المواد التالية:
ففي المادة 460 ورد لفظ: “المفتشين” بالنسبة للمحكمة السنية والجعفرية، فقط، من دون أي إضافة عليها.
وفي المادة 461: [يتولى مراقبةحسن سير القضاء الشرعي السني والجعفري والعلوي وأعمال القضاة، وموظفي المحاكم مفتش واحد] وفي المادة 465: [يقترح المفتش] هذه كل المواد القانونية التي تتحدث عن المفتش، لم يرد ولا مرة لفظ “مفتش عام”

وإذا ذهبنا لكل مراسيم تعيين القضاة الثلاثة (حمدان، زين، الشامي) لا نجد لفظ: “مفتش عام”. ونكتفي بذكر آخر مرسوم تحديد تعويضات المدعي العام والمفتش في المحاكم حتى نتبين ذلك، ففي المرسوم 1913 الصادر بتاريخ 29 / 11 / 2017 جاء: [حدد التعويض الشهري المقطوع للقضاة المنتدبين من ملاك القضاء العدلي للقيام بمهام الإدعاء العام والتفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية والجعفرية والمذهبية الدرزية، بمليون ليرة لبنانية / 1.000.000 / ل. ل. ويعتبر ثلث هذا المبلغ بدل نقل وانتقال] وهكذا تم التعبير “الإدعاء العام” لكن اقتصر الكلام على “التفتيش” من دون العام..

رابعاً: إن المفتش الحالي هو السادس في سلسلة القضاة المفتشين، منذ التعديل الذي أسلفنا ذكره، وفي هذه السلسلة لم يقم أحد من أسلافه بأي إثارة في الإعلام، ولا بالإشهار بما يحصل، ولا بالتفرغ للتفتيش، ولا بمحاولة استثمار العمل..!!!

خامساً: إن فلسفة وجود “تفتيش قضائي” هي على خلفية أن يكون هناك قضاة خارج الاحتكاك المباشر مع الناس، وخارج أي مصلحة، ينحصر مهامهم في المراقبة والتفتيش والسهر على حسن سير العمل.. ولذلك لا يحبذ أن يكون للمفتش عمل غير التفتيش، وهذا ما يؤكد الدعوة للعودة لما كان عليه السلف الصالح في هذا المضمار.

هي ملاحظات سريعة، نتمنى تداركها؛ سعياً لترتيب عمل المفتش، بل وعمل المحاكم الشرعية عموماً.

السابق
نائب عوني يسأل: وينن أولاد «الهيلا هو»؟
التالي
بالأسماء: اليكم اسماء المستشفيات في لبنان المعتمدة للتلقيح ضد فيروس كورونا!