قاسم سليماني «يثأر» من قاسم قصير!

مرة جديدة تفقد بيئة حزب الله صوابها، وهذه المرة في مواجهة أحد أبنائها المخلصين الكاتب والصحافي قاسم قصير ، لا لشيء سوى لأنه نطق كلمة حق وصدق - من وجهة نظره - من منطلق أن صديقك من صَدَقك لا من صدَّقك ، في وقت تشهد المنطقة تغييرات عميقة وجذرية إن كان من ناحية التطبيع العربي مع إسرائيل، أو من ناحية التطبيع الخليجي الداخلي الذي إنطلق من قمة العلا الخليجية في المملكة العربية السعودية.

ويشهد لبنان الدولة إنهيارا لم يسبق له مثيل في تاريخه، إنهيار على كافة المستويات في ظل سلطة حكم وحكومة محسوبة – شئنا أم أبينا – على محور الممانعة بقيادة حزب الله في لبنان الراعي الفعلي لهذا العهد الفاشل، يحدث كل هذا عشية تنصيب رئيس أميركي جديد في ظل تطورات داخلية أميركية لم تشهدها أميركا من قبل قد تترك آثارها عليها وبطبيعة الحال على العالم بصفتها القوة الأولى والمؤثرة فيه . 

في الواقع لم يقل الكاتب والباحث قاسم قصير وهو العارف والخبير بخبايا الأمور  في بيئة حزب الله بحكم تلاحمه بها ، لم يقل علناً سوى ما يقوله الكثيرون من  الناس سراً في مناطق نفوذ الثنائي ، وهو أمر يلمسه كل من يتعامل مع أبناء هذه البيئة العاديين بمعنى الغير حزبيين.

وقد يكون هذا هو سبب الهجمة عليه والحملة التي طالته وهي بالطبع ليست بريئة بمعنى أنها موجهة وليست من بنات أفكار الموالين والأنصار لأن الحملة بدأت بعد أكثر من عشرة أيام على بث المقابلة في تلفزيون ال nbn الناطق بلسان رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري كما هو معروف وهو أحد طرفي الثنائي .

لا أحد يصدق بأن من فرض رئيساً للجمهورية لا يستطيع القيادم بخطوات إصلاحية!

فالناس في مناطق نفوذ الثنائي والحزب بشكل خاص وبإستثناء الحزبيين الملتزمين الذين هم أعلى صوتاً بطبيعة الحال ، لا يكاد البعض منهم يستشف من حديثك بأنك لست من أنصار هذا الثنائي، حتى يبدأ الشكوى وإنتقاد ما يقوم به الحزب بدايةً في الداخل في طريقة تعامله مع الفرقاء السياسيين خاصة دعمه اللامحدود للعهد وطفله المدلل جبران باسيل من جهة ، والإستقواء على الطرف السني وإستضعافه من جهة أخرى ما جعل الشيعة مكروهين – بالحرف – من قبل قسم كبير من المسيحيين والسنة وحتى الدروز ، أو من موقفه وسلبيته في محاربة الفساد دون إتخاذ أي خطوة حقيقية وجادة في سبيل فرض الإصلاح.

إقرأ أيضاً: «الجليد كثيف» على خط بعبدا-بيت الوسط..لا وساطات بين عون والحريري!

فلا أحد يصدق بأن من فرض رئيساً للجمهورية، ليس بمقدوره أن يفرض خطوات إصلاحية ضرورية، تعيد للناس الأمل بإستعادة أموالهم المجمدة في البنوك على أقل تقدير، ونهايةً في طريقة مقاربته للضربات الإسرائيلية في سوريا من حيث رفع سقف التحديات.

بحيث يبدو وكأنه ملكي أكثر من الملك أو كأنه الوحيد في هذا المحور المسؤول عن الرد، بحيث يعيش الناس في رعب دائم بعد كل ضربة إسرائيلية من إمكانية إندلاع حرب جديدة، يعرف الجميع بأنها إن وقعت هذه المرة فإنها سوف لا تبقي ولا تذر في ظل ظروف شديدة الصعوبة يعاني منها الناس كما هو معروف ، مروراً بتهجماته المتكررة على دول الخليج العربية بحجة الدفاع عن شعب اليمن.

ما أخرج لبنان من محيطه العربي، ووضعه في موضع المعادي مع ما يحمله هذا الموضع من أضرار إقتصادية وإجتماعية هائلة على لبنان واللبنانيين سواء المقيمين منهم أو المغتربين في دول الخليج .

 الأمر الآخر والأخطر الذي من المؤكد أنه أثار حفيظة الحزب، هو أن قصير قد تحدث في نقطتين حساستين تمثلان الأساس الذي يقوم عليه فكر الحزب وممارساته، وهما علة وجوده – إذا صح التعبير – الأولى هي العلاقة الإستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر الإيمان الراسخ بفكرة ولاية الفقيه على الأمة والتي تتعدى هنا الولاية الدينية إلى الولاية الشاملة ، حيث دعا قصير إلى لبننة الحزب وفك إرتباطه بهذه الولاية، في وقت كان الحزب لا يزال يحيي الذكرى الأولى لمقتل قاسم سليماني عبر إقامة النصب التذكارية له ونشر صوره في كل مكان.

بحيث بدا وكأن هناك منطقين في الساحة الشيعية اللبنانية منطق قاسم سليماني ومنطق – يا للمفارقة – قاسم قصير، وهو أمر لا يمكن السكوت عليه ، والنقطة الثانية هي حديثه عن المقاومة وضرورة ذوبانها في إستراتيجية دفاعية لبنانية متفق عليها، مع تأكيده على ضرورة عقلنة التعامل الشيعي مع بقية فرقاء الساحة السياسية اللبنانية عبر التواضع وعدم ” تكبير الرأس ” لأن البلد لم يعد يحتمل هذه التصرفات التي لن تؤدي إلى نتيجة إيجابية للبلد والناس.

وعاد إلى طروحات الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين بضرورة إندماج الشيعة في مجتمعاتهم دون تمييز ، وهذا يعتبر في عرف حزب الله مقتلا له ولإيديولوجيته الدينية وبالتالي السياسية المرتبطة إرتباطا عضوياً بإيران وهنا مكمن الخطورة في طرح قصير.

وعلى عادة الأنظمة والمنظمات الشمولية التوتاليتارية لم يكن الرد نقاشاً فكريا أو سياسيا يقارع الحجة بالحجة ، بل كان بالتهجم الشخصي والتخوين والتسفيه والتسخيف وما خفي كان ربما أعظم وهذا تصرف للأسف ليس بجديد على الحزب وأنصاره.

ما اثار حفيظة “حزب الله” حديث قصير عن ضرورة فك ارتباطه بالمنظومة الايرانية!

وهو يشبه ما حصل لطبيب صديق أول أيام الثورة، حينما تجرأ وطرح أسئلة موضوعية غير مستفزة، فكان أن تلقى التهديدات وهو الإنسان المحترم في موقعه وبيئته وله أيادٍ بيضاء على أهالي منطقته خاصة أهالي الشهداء – هذا التصرف دفع الرجل – قاسم قصير –  لإصدار عدة بيانات توضيحية توَّجها بإعتذار مما أسماه جمهور المقاومة وهي بيانات قد ترضي غرور بعض المتحمسين، ولكنها في الواقع تأكل من رصيد الحزب وصورته ، كما أنها لن تمنع الناس من الحديث ولو سراً بهذا المنطق الوطني اللبناني العروبي، بدافع الحرص على مصلحة لبنان الوطن والكيان وكذلك على مصلحة الطائفة الشيعية، التي كانت دائما طائفة متنوعة يحظى الإجتهاد بحيز واسع من فكرها عبر رجالات كبار غيبوا قسراً ، “فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” .

 ونقول هذا بكل محبة وإخلاص ومن دون خلفيات سوى مصلحة الوطن والناس ، ومن منطلق أن صديقك الحقيقي هو من يصدقك القول ويلفت نظرك إلى مكامن الخطأ في سلوكك، وليس البوق الذي يطبل ويزمر لك ويتركك عند أول منعطف كي يطبل لغيرك لأنه لو دامت لغيرك ما إتصلت إليك.

والتاريخ شاهد .عودوا إلى تاريخ لبنان القريب فقط منذ السبعينات حتى اليوم، ستجدون ما نقوله صحيح. كفى مكابرة وإتقوا الله في وطنكم وشعبكم وطائفتكم .     

السابق
بعد اللقاء التضامني في السراي..دياب «يَرد الزيارة» للحريري وتحريك التأليف بينهما!
التالي
«لا حكم عليه» يعاكس اسمه.. سرِقة في عُرف الدراما المشتركة