حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: العراق بين «الجموح» الإيراني و«الطموح» الإسرائيلي!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

مع اقتراب الذكرى السنوية الاولى لاغتيال قائد قوة القدس في حرس الثورة و رأس المشروع الاقليمي للنظام الايراني الجنرال قاسم سليماني، بالقرب من مطار بغداد الدولي (فجر الثالث من يناير/ كانون ثاني 2020)، تبدو الساحة العراقية الاكثر تعقيدا من بين الساحات الاقليمية المرتبطة بالنفوذ الايراني في المنطقة.

ويبدو ان حجم الارباك الايراني في التعامل مع هذه الساحة من اكثر الملفات تعقيدا. فالتسوية التي لجأت اليها طهران بعد عملية الاغتيال والتي افضت باختيار رئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي لتولي رئاسة الوزراء كمرحلة انتقالية بمهامات محددة لم تكن على قدر الطموحات التي راهنت عليها للخروج من حالة عدم التوازن، التي تعرضت لها مخططاتها واستراتيجيتها الاقليمية وعملية توظيفها في صراع الاحجام الجيوسياسية والجيواستراتيجية والجيواقتصادية مع اللاعبين الاقليميين الذين يتمتعون وبنسب متفاوتة بدعم الادارة الامريكية.

غياب سليماني الذي حاول تكريس المفهوم الثوري التأسيسي الذي قامت عليه الثورة الاسلامية عام 1979 في تعريفها لسياساتها الامنية ذات بعد ثوري، ومرتكزة على ابعاد متعددة كمصادر القوة والتركيبة السلطة والموقع الجغرافي والخصائص الجيوسياسية والمسألة العقائدية بما ينسجم مع الفكر السياسي الاسلامي ومبدأ الدستور الذي اعتمتده وما فيه من دائرة التزامات تشمل امن العالم الاسلامي والدفاع عن مستضعفي العالم.

فراغ في ادوات ايران

هذا الغياب احدث فراغا في ادوات النظام القادرة على لعب هذا الدور في التعامل مع امتدادات النظام الاقليمية. الامر الذي وضع النظام امام حقيقة اعادة تعريف دوره واستراتيجياته بكثير من البراغماتية والاعتراف بالتأثيرات الناتجة عن الحروب والتحولات السياسية والامنية في الشرق الاوسط ودورها في رسم علاقات ايران مع جيرانها في منطقة غرب آسيا عموما والشرق الاوسط خصوصا، بالاضافة لما تركته من تغييرات في المسائل الداخلية بمختلف مستوياتها. وجعلها جزءأ من الموقف الوطني والقومي.

إقرأ ايضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: ايران.. المصالح قبل المواقف

هذه التحولات، فرضت على النظام الايراني اعادة ترتيب اولوياته في التعامل مع الملفات الاقليمية التي يمسك بها وتقع ضمن رؤيته الجيواستراتيجية، وباستثناء العراق، يبدو ان التطورات المتعلقة بملفات سوريا ولبنان واليمن اكثر وضوحا واقل تعقيدا، وفقا لما تراهن عليه من آلية امريكية مختلفة في التعامل مع هذه الملفات.

فالوجود الايراني على الساحة السورية بات شبه مسلم به مع اختلاف نسبة وحجم مشاركته في مستقبل هذا البلد، ان كان في ظل تفويض دولي للدور الروسي او مباشرة مع الولايات المتحدة بغض النظر عما يمكن ان يحمله الحل السياسي من مراعاة للمصالح الاسرائيلية والتركية على هذه الساحة.

من المفترض ان تشكل الازمة اليمنية احد اهم ملفات التفاهم مع الادارة الامريكية الجديدة

اما في لبنان فان الدور الذي يقوم به حزب الله في ضبط المشهد على ايقاع الرؤية الاقليمية للمحور الذي تقوده ايران يخفف الاعباء عن طهران ولا يضطرها للتعامل مباشرة مع اي تطور قد يحدث على هذه الساحة.

في حين ان طهران استطاعت ان تتمسك برؤيته للحل في الازمة اليمنية ومن المفترض ان تشكل احد اهم ملفات التفاهم مع الادارة الامريكية الجديدة التي رسم المعالم الاولوية لمستقبل هذه الازمة.

في هذا السياق يبرز الاستثناء العراق، كونه تحول و منذ سنة الى ساحة واضحة ومعقدة ومتشابكة لازمات المنطقة، وخلاصة لصراعات نفوذ لكل القوى الطامحة للعب دور اقليمي مقرر في الشرق الاوسط وان كان بنسب مختلفة.

ما جعل العراق مسرحا للمواجهة بين طموحات كل من اسرائيل وتركيا، تحت سقف المصالح الامريكية من جهة، وما يعتبره النظام الايراني حديقة الخلفية على جميع المستويات الجيو ( استراتيجية واقتصادية وسياسية) وحتى جيو عقائدية.

واذا ما كان صراع النفوذ بين طهران وتل ابيب يدخل ومازال، في اطار الرؤية الاولى لتعريف الهوية السياسية والامنية والدستورية للنظام الايراني، فان التحدي التركي والطموحات الصاعدة للعودة الى لعب دور اقليمي يشكل بعدا مهما بالنسبة لامن ايران الاستراتيجي وعلاقاتها الامنية والسياسية في منطقة الشرق الاوسط وغرب آسيا، خصوصا بعد التطور الحاصل على دور انقره في منطقة شمال القوقاز واسيا الوسطى كأحد نتائج الحرب الارمينية والاذربايجانية في اقليم ناغورني قره باغ، وما انتهى اليه من تغييرات جيوسياسية في هذه المنطقة على حساب الدور الايراني ومصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

فالتشابه بين طهران وانقره من حيث الموقع الجيو سياسي والجيو استراتيجي في المنطقة وامتلاكهما محفزات اقتصادية وعملية وعسكرية وثقافية وتاريخية وحضارية يؤهلهما لتكونا قوتين اقليميتين، فضلا عن كونهما يشتركان في تعريف دورهما الامني بناء على الخصائص الايديولوجية الذي تبلور في تعاملهما مع ازمات كالارهاب والجماعات الاسلامية في سوريا، والازمة العراقية وحرب قره باغ.

النظرة الايرانية لتركيا لا تخرج عن كونها حليفا للغرب وعضوا في حلف الناتو

وعلى الرغم من الحرص الايراني للحفاظ على العلاقة مع تركيا، يمكن القول ان النظرة الايرانية لتركيا لا تخرج عن كونها حليفا للغرب وعضوا في حلف الناتو، وان ما تقوم به القيادة التركية لاعادة تعريف دور تركيا في الاقليم يأتي نتيجة التحول الحاصل في السياسة الخارجية لايران القائمة على التوازن الايجابي في التعامل مع المجتمع الدولي، ما رفع من مخاوف انقره التي ترى – حسب الرؤية الايرانية- ان الحضور الايراني الاقليمي والدولي وفصلا عن الموقع الجيوسياسي والجيو اقتصادي سيكون على حساب موقع ودور انقره، الامر الذي قد يتحول الى صراع استراتيجي ويرفع مستوى التوتر والاضطرابات في المنطقة.

بالعودة الى العراق، فان استراتيجية النظام الايراني تقوم على عرقلة او منع الولايات المتحدة للوصول الى اهدافها، خصوصا وانه يدرك ان واشنطن لن تترك او تغادر العراق، خاصة وان هذا البلد يحتل موقعا مركزيا مهما في منطقة غرب آسيا بالنسبة للادارة الامريكية ويمنحها القدرة الاشراف على دول المنطقة الاساسية، اي ايران والسعودية وتركيا، فضلا عما يمثله من عمق دفاعي وامني ونفسي لاسرائيل.

ايران تتصدى على الساحة العراقية للطموحات التركية وتعرقل الجهود السعودية لاحداث تغيير في بنية النظام ما بعد 2003

من هنا فان التحديات الايرانية على الساحة العراقية متشعبة، فمن ناحية عليها التصدي للطموحات التركية، وايضا الجهود السعودية لاحداث تغيير في بنية النظام ما بعد 2003.

ومن ناحية اخرى ما تشكله سياسات حكومة الكاظمي من استنزاف لاستثماراتها لصالح المحور الاخر، وبالتالي فانها تراهن على “تقطيع” ما تبقى من ايام في رئاسة دونالد ترمب للبيت الابيض للانتقال الى مرحلة التعامل المختلف والاكثر جدية مع الساحة العراقية بما فيها السياسيات الحكومية، فضلا عن تغيير نهج تعاملها مع القوى المحسوبة عليها. 

السابق
حداد جماعي في حمص.. 37 قتيل من قوات النظام خلال كمين مجهول التفاصيل
التالي
مأساة عكارية..تسرب غاز يقتل مراهقاً ويهدد حياة عائلته بأكملها!