هل قلتم حقوق المسيحيّين؟

اضطهاد المسيحيين

“إنّ الخير العامّ هو المبدأ الذي يخلق المجتمعَ الإنسانيّ والعاملُ الذي يحفظه”
(البابا لاون الثالث عشر)
لا يسمح لجوءُ القادة السياسيّين اللبنانيّين المألوف إلى الحجّة الميثاقيّة بتثبيت مرجعيّة الدستور لتحديد اختصاصات السلطات بغية تجاوز الخلافات على نحوٍ يعزّز تنظيم الدولة ويحسّن عمل مؤسّساتها، كما هو الحال في البلدان التي تحترم دستورها ومرجعيّته المعياريّة النهائيّة. فالميثاقيّة بحدّ ذاتها ملتبسة، ويؤدّي توظيفها في العمل السياسيّ، وبوجه خاصّ في الخلافات السياسيّة، إلى نقيض وظيفة الدستور؛ فاختصاصات السلطات تتداخل بعضها ببعض، وقد تحوّلت تلك السلطات إلى حقوق طائفيّة. ولا عجب، بالتالي، أن يتراجع تنظيم الدولة ويتهاوى عمل مؤسّساتها. وممّا لا شكّ فيه أنّ الابتعاد عن الخطاب الوسطيّ أو المعتدل الذي يسمح وحده باستمرار قيام مؤسّسات الدولة بوظائفها بحدّها الأدنى، كما يتّضح في تاريخ لبنان المعاصر، لصالح خطاب شعبويّ يرفع شعار الدفاع عن الحقوق الطائفيّة في السلطة – في حين أنّ حقوق الناس الأساسيّة تُنتهك بلا رحمة- سيؤدّي، لا إلى ضياع الحقوق الطائفيّة في السلطة التي يدَّعي الخطاب الشعبويّ الدفاع عنها فحسب، بل إلى انهيار الدولة الميثاقيّة نفسها. وفي ظلّ غياب بديل عن الدولة الميثاقيّة، فإنّ انهيارها يعني الفوضى والجنون.

اقرأ أيضاً: الإرهاب الفكري

إزاء هذا الواقع، يحسن السؤال عن صوابيّة الصراع على الحقوق الطائفيّة في السلطة انطلاقًا ممّا يمثِّل نواة الطائفيّة نفسها، أي الدِّين، وليس من زاوية ميثاقيّة. فما القصد من أن يكون لكلّ طائفة حقوق في السلطة؟ من الناحية الميثاقيّة، ليس ثمّة جواب على هذا السؤال سوى تحقيق المساواة والمشاركة في الحكم. ولكن ما غاية تحقيق المساواة والمشاركة في الحكم؟ لا شكّ في أنّ الجواب المنطقيّ الوحيد هو خدمة خير العامّ، خير جميع اللبنانيّين، وتمتين وحدتهم وإيمانهم بدولتهم. غير أنّ الأداء السياسيّ، وبوجه خاصّ في الوقت الحاضر، يذهب في الاتّجاه المعاكس؛ فإنّه يغلق “الحقوق” في المساواة والمشاركة في الحكم على ما يبدو في نظر السياسيّين “خير الطائفة”، ما دامت غاية الحقوق خدمة الخير. ولكنّ هذا التوجّه إشكاليّ ويخلق حالةً صداميّة خطيرة دائمة،

ويراوح حُكمًا في مأزق يولِّد مظالم متزايدة. فهل يمكن التفكير في خير الطائفة بمعزل عن خير جميع اللبنانيّين؟ عمليًّا، يؤدّي حصر المطالبة بالحقوق في السلطة من أجل خير الطائفة وحدها، إلى انحرافات أدَّت وتؤدّي إلى تفاقم البؤس العامّ. إذ في ظلّ صعوبة تعريف “خير الطائفة” بمعزل عن خير “جميع اللبنانيّين”، تصبح المطالبة بالحقوق في السلطة والتمسّك بها مرتبطة بمصالح شخصيّة صرف، بل يبدو المرجع السياسيّ نفسه وكأنّه يجسّد هذا الحقّ، وكأنّ غيابه أو هزيمته السياسيّة يعني ضياع “خير الطائفة”. فضلاً عن ذلك، تُدخل هذه السياسة الطوائف الأساسيّة في مواجهةٍ بعضها مع بعض على أساس الصراع على الحقوق في الحكم، وتُثير اعتراضات الطوائف الباقية بسبب تهميشها أو ظلمها في ما خصّ تقاسم حصص الحقوق في الحكم.

في ظلّ عُقم هذا النهج السياسيّ الصداميّ السائد، لا بدّ من التذكير برؤية الدِّين للسلطة، في وقت يقترب فيه اقتصاد البلاد من الانهيار الكامل وما سيرافقه من فوضى كارثيّة. ويُحصر الكلام هنا في الرؤية المسيحيّة، وتحديدًا الكنيسة الكاثوليكيّة، نظرًا إلى ضيق المساحة المتاحة للمقالة. وبدايةً نشير إلى الواقع الذي يجب أن يوجّه التفكير في رؤية الدِّين، ألا وهو ما يمثِّل ميزة لبنان وتحدّي الحكم فيه، وخلاصتهما التنوّع الدينيّ والثقافيّ، والعبور من التنوّع إلى التعدديّة.

فإذا كان التنوّع حالةً طبيعيّة فرضتها التطوّرات التاريخيّة، فالتعدديّة فكرة مُصطنعة، الهدف منها عقلنة التنوّع ضمن إطار دولة تخدم خير الجميع. ويُلخّص خيرُ الجميع، كما ينصّ عليه الدستور، بالحفاظ على التعدديّة والحريّات الخاصّة والعامّة والممارسة الديموقراطيّة. أمّا التحدّي فيكمن في أنّ العبور إلى التعدديّة يتمّ من خلال تلازم الديموقراطيّة والطائفيّة، على نحوٍ تصبح الأُولى الإطار القانونيّ والوظيفيّ للثانية. وفي ضوء هذا الواقع، نتوقّف على بعض ما جاء في الإرشاد الرسوليّ “رجاء جديد للبنان” الذي وقّعه البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني العام 1997، ويخاطب فيه اللبنانيّين عمومًا وبوجه خاصّ اللبنانيّين الكاثوليك. تُقدِّم هذه الوثيقة الكنسيّة العملَ من أجل تحقيق الخير العام بصفته أساس كلّ عمل سياسيّ. وفي هذا إطار هذا السعي، لا يُلغى ما هو خاصّ، بل يُعطى وجهة واضحة تذهب باتّجاه “القيام بأعمال ملؤها الصداقة والتفاهم، في احترام لا بديل له لكرامة الأشخاص وحرّيّة الضمير والحرّيّة الدينيّة، وهي عناصر أساسيّة للخير العامّ”. فالخير الخاصّ، بهذا المعنى، لا ينفصل عن الخير العامّ، “لأنّنا جميعًا مسؤولون حقًّا عن الجميع”. لذا، فالكاثوليك اللبنانيّون “مدعوّون بنوع خاصّ، وبالتعاون مع مواطنيهم، إلى أن يخدموا المدينة الأرضيّة في مجال الخير العامّ، مُستقين من إيمانهم الهدايةَ والمبادىء الأساسيّة للحياة في المجتمع”.

وهذه الدعوة، بحسب الإرشاد الرسوليّ، ليست مجرّد واجب نابع من حاجة زمنيّة، بل تجاوب مع دعوة المسيح ليعيش الكاثوليك اللبنانيّون رسالة الإنجيل في مختلف أوجه الحياة الاجتماعيّة. جاء في خاتمة الإرشاد الرسوليّ: “يا أبناء الكنيسة الكاثوليكيّة وبناتها في لبنان، يا أيّها الرعاة والعلمانيّون، أصغوا إلى نداء الربّ ولا تخافوا أن تلبّوه بالتزامٍ ثابتٍ، لأجل خير الجميع”. وخير الجميع هذا يتميّز بكلّ وضوح عن المصالح الفرديّة والجماعيّة التي يجب أن تأتي في المرتبة الثانية. لذا، على المسؤولين عن الشأن العامّ خصوصًا أن يتذكّروا أنّه عليهم “من باب الواجب الآمر، أن يحترموا بعض الموجبات الأخلاقيّة، وأن يُخضعوا مصالحهم الخاصّة أو الفئويّة لخير أمّتهم. ومتى عاشوا على هذا النحو كانوا قدوةً لمواطنيهم، وعملوا بجميع الوسائل، لتأتي أعمالهم لصالح الخير العامّ”.

يبرز هذا الكلام المسؤوليّة الهائلة الملقاة على عاتق السياسيّين وضمائرهم، ولاسيّما منهم مَن يرفعون شعار الدفاع عن حقوق طائفيّة في السلطة والحفاظ عليها. فتلك الحقوق لا تجد شرعيّتها السياسيّة والأخلاقيّة إلاّ في العمل من أجل الخير العامّ. ومن دون هذه القناعة والرؤية، لن يكون التعاطي بالشأن العامّ إلاّ مصيبة بكلّ ما للكلمة من معنى.

السابق
في «الزمان والمكان المناسبين».. أين أجرى نصرالله مقابلته الأخيرة؟!
التالي
بالفيديو: انفجار كبير يستهدف رئيس الحكومة اليمني والوزراء.. قتلى وجرحى في صالة مطار عدن!