كل الطرق تؤدي إلى.. «العجز»!

الثورة اللبنانية

طويلة ٌ على ما يبدو رحلةُ تشكيل الحكومة اللبنانية التي تحكمها عواملُ عدةٍ أهمها المبادرة الفرنسية التي جاءتْ في أعقاب تفجير المرفأ الذي كشف الدولة اللبنانية أمام العالمِ، كدولةٍ مترنحةٍ وعاجزة حتى عن حماية شعبها من اخطائها، فما بالك بالاعداء.إن المبادرة الفرنسية قد اخترقت مسائلَ عدةٍ قبل أن تصلَ لتصبح السقف الناظم لتشكيل الحكومة التي يُراد لها أن تكون مختلفة  شكلاً ومضمونا .

اقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: لبنان ما بعد اتفاق الطائف

فيوماً إثر يوم وخلافاً إثر خلاف، يتبدى لنا أننا كنا ضحايا رؤيةٍ نمطية لمعنى الحكم والسلطة، ليس بما هي وسائل لادارة الشأن العام وإنتاج السياسات العامة التي يحتاجها الشعب البناني، الذي من المفترض أنه يعيش في دولة واحدة ارضاً شعباً ومؤسسات، بل تلك الرؤية اختصرتْ هذا الوطن الصغير وحولته الى مساحةٍ مفتوحةٍ تسودها الفوضى السياسية والإرتهان، فضلا عن شعوذات دستورية تسعى  لتثبيت أعراف المحاصصة التي تجوف المبادرة الفرنسية التي شهد عليها اهل السلطة في لبنان، حاضرهم وغائبهم،  دون أي اعتبار للازمة البنيوية التي يعيشها لبنان على الصعد كافة، حيث دوائر القرار العالمي تحذر جدياً من تداعياتٍ خطيرةٍ لا أحد بمأمنٍ عنها، حتى أولئك الذين اعتادوا أن يرفعوا الشعاراتِ الزائفة كحماة لطوائفهم والمطالبين بحقوقها.

خطاب سياسي جديد قديم

القوالب المقدسة التي يريد البعض أن يفرضها في تشكيل الحكومة، مفتعلا مواجهة سياسية مع الرئيس المكلف ومغلفها ببعد طائفي يسهل اقناع اتباعهم به من باب ما يسمى الاعتداء على الصلاحيات والعداء الببغائي لاتفاق الطائف كخطاب سياسي جديد قديم.

غني عن القول إن الابتزاز السياسي لا يمكن أن يتم في وجه المبادرة الفرنسية مباشرة فتم اللجوء الى أساليبٍ ملتويةٍ  خشية أن يواجهوا راعي المبادرة الفرنسي على نحو مباشر، ولعجزهم عن ذلك تم تحويل الامر صوب الرئيس المكلف، فهذا ليس من قبيل الدفاع عنه، إنما نصف الأمور كما هي. ففي الواقع إن مشكلة  معطلي التشكيل  هي مع المبادرة نفسها كعنوان لحل سياسي يأتي من الخارج لتشكيل حكومة لا تحمل بذور تعطيلها داخليا وتحمي نفسها من خلال برنامجها الاقتصادي الهادف الى التخفيف من حدة الازمة المتفاقمة  وفق أولويات معيشية  تضع الخلافات السياسية والصراعات المعهودة، التي اضرت بمصالح اللبنانيين في الداخل والخارج في المرتبة الثانية.

الابتزاز السياسي لا يمكن أن يتم في وجه المبادرة الفرنسية مباشرة

ما يجب أن لا يغيب عن البال انه لسنوات خلت لم يكن أمر تشكيل الحكومات يتم وفق منطق المصلحة الوطنية العليا بحيث يتقدم ما هو وطني داخلي على ما هو خارجي، فالعكس هو الذي كان يحدث لدرجة اعتبار فوز فريق في الانتخابات النيابية فوزا لطرف خارجي على طرف خارجي آخر. لقد ترهلت السيادة امام اعين هؤلاء دون خجلٍ او وجل ودون ادنى إحساس بالمسؤولية واحترام الذات.

الخلاف السياسي الراهن إنما قائمٌ حول المبادرة الفرنسية وعليها، التي تحولت بفضل سياسيينا انفسهم الى الحل الأوحد او الفرصة الأخيرة، ليكون هذا الواقع دليلاً على عقم السياسية اللبنانية، وعجز القيادات عن خلق البدائل والتسليم لضرورة الاتفاق الامثل بعيدا عن منطق الشطارة والاستحضار المجاني للغرائز الطائفية، كون ما يعيشه الشعب اللبناني من أزمات لا تفرق بين لبناني واخر، فقد جمعتهم المصيبة ووحدتهم الهموم.

ففي ظل هذا الواقع الأليم فقدَ الجميعُ الحجة والقدرة على اسباغ شرعية ميثاقية على تصرفاتهم، فهي بالأساس في محل اخر، ولا يمكن أن تغطي مثل تلك التصرفات التي وصلت بنا الى حدود العهر السياسي لتحقيق مكاسب خاصة على حساب لبنان وشعبه. اللعبة أصبحت مكشوفة  ومسار العلاقات الدولية فيما يتعلق بلبنان أصبح يتجاوز فكرة أن في لبنان دولة قائمة، الامر الذي  اطلق العنان لبعض المراقبين  للحديث عن وصايةٍ دوليةٍ علينا كدولة قاصرة.

لقد تم تقرير مصيرنا البائس من قبل أن تتدخل الدول فيه، فقد تم ذلك بفعل الرعونة في الأداء، وربط لبنان وشعبه  بمشاريع النفوذ والتوسع، وباتت الممارسات السياسية في لبنان تُقرأ على أنغام الخارج الذي يعكس توتره خلافات واستعصاء،  ويعكس انفراجه حلولا وتسويات بمعزل عن إرادة اللبنانيين جميعا.

فهل اصبح  لبنان فعليا عنوانا للدولة العاجزة عن إدارة شؤونها؟.

السابق
الشيعية السياسية نحو الانكفاء(5): «الهلال» يتصدع.. والإنسحاب الايراني يسابق الأميركي!
التالي
بالفيديو: إشكال كبير في ملهى شهير في البترون.. هذا ما جرى!