الحريري.. آخر ضحايا «السيستم»!

سعد الحريري

فجأة تحول سعد الحريري إلى “بطل” سني، لا لشيء سوى لأنه قصد السراي الحكومي داعما ومتضامنا مع موقع رئاسة الحكومة الذي يتولاه اليوم الرئيس حسان دياب، ” المدعى عليه ” في جريمة إنفجار المرفأ يوم 4 آب الماضي، والذي تحول بدوره إلى “رمز ” للمظلومية السنية والإحباط الذي تعاني منه الطائفة منذ عدة سنوات خاصة مع تولي ميشال عون سدة الرئاسة الأولى.

اقرأ أيضاً: «الحكومة ماتت وشبعت موت»..الحريري وعون اطلقا رصاصة الرحمة!؟

تفسخات في بيئة الحريري

و هذا الأمر ولَّد كما هو معروف معارضة وتفسخات في بيئة الرئيس سعد الحريري الطائفية والوطنية وحتى العائلية تمثلت بمعارضات وكتابات وصلت حد إتهامه بإخراج السنة من المعادلة الوطنية عبر التهاون والضعف والعجز، وحتى التواطؤ في بعض الأحيان في مواجهة “الرجل القوي” للعهد الوزير السابق ورئيس التيار الوطني الحر وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل .

فجأة تحول حسان دياب إلى “خط أحمر”


وفجأة تحول حسان دياب إلى “خط أحمر” بعد أن كان يمثل على مدى شهور ترؤسه الحكومة، تارةً “الخط الأصفر ” وتارة أخرى “الخط البرتقالي” ورمزا من رموز قهر الطائفة السنية، بعد قبوله تكليف الأكثرية النيابية تشكيل الحكومة، خلافا لرأي الغالبية السياسية من طائفته التي يمثلها تيار المستقبل. وكذلك أيضاً مرجعيته الدينية الممثلة بمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي كان قد أعلن من دار الفتوى بأن المرشح الوحيد للطائفة السنية لرئاسة الحكومة هو الرئيس سعد الحريري، وهو ما أدى يومها لإنسحاب آخر المرشحين السُنة المهندس سمير الخطيب، بعد عدة ترشيحات سابقة لم يحالفها الحظ كالنائب والوزير السابق محمد الصفدي وغيره.


فجأة سكتت الأصوات المعارضة والمتنمرة على كل من سعد الحريري وحسان دياب من الطائفة السنية. ترافق ذلك مع تعثر تشكيل الحكومة المكلف بتشكيلها الرئيس سعد الحريري والتي تواجه كالعادة عرقلة من صاحب العهد، الذي أصبح للأسف الشديد واجهة يتلطى وراءها صهره المدلل ومستشاره الأثير، لتخريب كل مسعى لمحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقومات الدولة وهياكلها، بعد أن حولتها السياسات السابقة خاصة منذ دخول التيار الوطني الحر للسلطة بعد إتفاق الدوحة، وبدعة الثلث المعطل والوزير الملك وغيرها من البدع بدعم من حليفه في تفاهم مار مخايل حزب الله، حولتها إلى حطام.


كل ذلك بهدف القضاء على إتفاق الطائف وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبله، عبر العودة إلى النظام الرئاسي بدل النظام البرلماني، الذي توافق عليه اللبنانيون في الطائف عن طريق التجييش الطائفي، بالحديث عن صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي بمواجهة صلاحيات رئيس الحكومة المسلم السني، وهو ما طالب به صراحة بيان الرابطة المارونية مؤخرا التي يترأسها في دورتها الحالية النائب السابق في تكتل الإصلاح والتغيير نعمة الله أبي نصر، الذي دعا صراحة لتغيير هذا الإتفاق بهدف “إستعادة ” حقوق المسيحيين. هذه النكتة السمجة التي ما عادت تنطلي إلا على البسطاء من الناس، أو عبدة الزعيم المشبعين بروح التعصب والجهل ونكران الواقع الأليم، الذي بات يرزح تحته الشعب اللبناني بجميع فئاته وطوائفه ومذاهبه الدينية والسياسية .

حماية المرجعيات الدينية لممثلي طوائفها في الحكم


نقول هذا الكلام لا لنؤيد ولا لنعارض، ما تقوم به الأطراف السياسية والدينية السنية في ” موقعة” الدعوى على رئيس الحكومة السني في جريمة إنفجار المرفأ، وإن كنا بالمطلق والمبدأ ضد أي تحرك أو مقاربة لأي حدث من الأحداث من منطلق طائفي أو مذهبي. لكن الواقع اللبناني والإنصاف في تناول المواقف المختلفة، يدعونا لتفهم موقف الطائفة السنية من الموضوع، خاصة وأنها لم تأتِ بجديد من عندياتها ولم تكن السباقة لرسم الخطوط الحمر لحماية زعمائها، أقله بعد العام 2005 الذي شهد إغتيال “زعيم السنة” بلغة السياسة في لبنان الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عندما وضع البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير الخط الأحمر ضد إسقاط أو حتى التعرض في الشارع لرئيس الجمهورية يومها إميل لحود، وكانت دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم تجف بعد.

وكذلك فعلت المرجعيات الشيعية السياسية والدينية بعد حرب 2006، يوم الإستقالة الشهيرة للوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، حيث صدرت فتاوى يومها تمنع إستبدالهم بشيعة آخرين ، وكررتها يوم منعت التعرض لمدير أمن المطار في العام 2008، الحادثة التي أدت يومها لأحداث 7 أيار الشهيرة. بعدها ومع إستمرار حال الفراغ الرئاسي، تداعت المرجعيات المارونية لتحصر الترشيحات لرئاسة الجمهورية بين ما سمي يومها الأربعة الموارنة الكبار. وفي حادثة فريدة من نوعها في لبنان، لا ننسى حماية حزب الله لوئام وهاب يوم وضع خطاً أحمر أمام مثوله أمام القضاء، في قضية تطاوله على الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي أدت تداعياتها إلى مقتل مرافقه محمد أبو ذياب.


وبعد ثورة 17 تشرين وإستقالة الرئيس سعد الحريري تحت ضغط المطالب المحقة للناس و”شعار كلن يعني كلن”، تداعت كل المرجعيات الدينية لحماية ممثلي طوائفها في الحكم، ومنها البطريرك الراعي واضعا خطا أحمرا أمام التعرض أو المطالبة بإستقالة رئيس الجمهورية، في إستعادة لسيناريو العام 2005 مع البطريرك الراحل صفير ، بل تطور الأمر مؤخراً ليشمل حاكم البنك المركزي رياض سلامة، و في معلومات أخرى كذلك قيادة الجيش بسبب من التحقيقات في ملف الكلية الحربية وغيرها من القضايا. أما الطائفة الشيعية فقد تكفل الذراع الأمني فيها عبر” الأهالي” وفوج الموتوسيكلات وغيره من الأفواج تحت شعار “شيعة شيعة شيعة”، بحماية ” المراقد ” الشيعية في السلطة من أي تهجم حتى ولو بالكلام، الأمر الذي أفرغ إستقالة الرئيس الحريري من مضمونها، وأفقد الثورة ورقة قوية كانت قد كسبتها بالإستقالة وجعلها تبدو – أي الثورة – وكأنها أتت لإستهداف الطائفة السنية فقط.

النظام الطائفي و«السيستم»

نسوق هذه الأمثلة لا تبريراً ولا تأييداً لما تقوم به أي من الطوائف في البلد، بل تفسيراً وتأكيداً بأن العلة هي في هذا النظام الطائفي الذي يُحكم ب “سيستم ” معين يوصل إلى هكذا نتيجة، وأن من يدخل هذا ” السيستم ” لا بد وأن يتعامل بآلياته إن أراد أن يكون ” بطلاً ” في بيئته وإلا سيكون مستضعفاً، إذا ما حاد قيد أنملة عن هذه الآليات، عبر التساهل والتنازل للصالح العام ولو على حساب مصالح شكلية وتكتيكية لطائفته، وهو ما تعرض له للأمانة الرئيس سعد الحريري منذ عودته إلى لبنان أواخر العام 2013، معلنا ربط النزاع مع حزب الله ومساهماً في حلحلة الأمور بعد إستقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتأليف الرئيس تمام سلام للحكومة يومها.

الحريري الحلقة الأضعف

وهي الحكومة التي أمنت إستمرارية الحكم في ظل الفراغ الرئاسي، وبعدها في أعقاب التسوية الرئاسية التي أبرمها مع التيار الوطني الحر، بغض النظر عن نتائجها الكارثية على الوضع العام في البلد ، بحيث أثَّرت هذه الممارسة بشكل حاد على الوضع السياسي الخاص به في بيئته والتي جعلت منه الطرف “الأضعف” سياسياً على المستوى الوطني العام، وعرضته لأبشع الحملات وصلت حد التطاول عليه، و” تحقيره ” سياسياً من خصومه السياسيين ومن بعض ممن كانوا أقرب المقربين إليه، وممن ساهموا معه بإتباع الخيارات التي إتخذها، ومن ثم تركوا السفينة عندما تراءى لهم أنها توشك على الغرق .

وها هو اليوم وفي خضم المعركة القاسية التي يخوضها لتأليف حكومة المَهَمة المنبثقة عن المبادرة الفرنسية، وسط الأنواء والأعاصير السياسية المثارة من قِبَل نفس الأطراف التي إعتادت محاولة تهشيمه لتهميشه، تأتي قضية الإدعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب في جريمة المرفأ – هل هي مصادفة – لتزيد الطين بلة، وكأنها تأتي لمحاولة حشره مجدداً وإظهاره أمام جمهوره وطائفته وبيئته السياسية والدينية، بمظهر العاجز عن الدفاع عن مقام رئاسة الحكومة، وهو ما يكون قد دفعه لزيارة السراي الحكومي متضامناً وهي بهذا المعنى تكون قد أتت ” كضربة معلم ” أعادت تكتل طائفته وراءه، أو على الأقل أخرست الأصوات المعارضة له والمزايدة عليه ضمن طائفته من جهة، وهي رسالة إلى الأطراف السياسية الأخرى في البلد من أنه متى قرر التعامل مثلهم من ضمن آليات ” السيستم ” القائم فإنه بمقدوره أن يكون ” بطلاً ” في طائفته كما هم في طوائفهم من جهة أخرى.

الخلل يكمن في هذا النظام وآلياته للحكم


خلاصة القول بأن الخلل يكمن في هذا النظام وآلياته للحكم، التي تسمح لكل مسؤول متطرف سيء النية، أن يتلاعب بها ويستخدمها أسوأ إستخدام للتجييش والتحريض الطائفي والمذهبي، في وقت تجعل من كل مسؤول معتدل حسن النية ” أمثولة ” في الضعف والعجز والتنمر والتحقير . “سيستم” لا ينتج مسؤولين سياسيين ورجال دولة، بل “يفقس” أبطالاً طائفيين ورجال سلطة يعرفون من أين تؤكل الكتف، في الوقت الذي لم يعد البلد يحتمل ” أبطال و قديسين ” ولا يحتاجهم، بل هو بأمس الحاجة لرجال دولة يتحملون مسؤولياتهم بشجاعة وتفانٍ وإخلاص، وهذا لن يكون سوى بإصلاح النظام كي لا نقول تغييره، وبتعديل آليات الممارسة السياسية كي تعطي لكل ذي حق حقه، وتميز بين النزيه والفاسد كي لا يكونوا في سلة واحدة. بهذا فقط ننقذ وطننا من براثن هذه العصابة، التي تتبارى فيما بينها على مساحة الوطن، الذي جعلوا منه ساحة للصراعات حيناً متى إشتد الصراع الإقليمي نيابة عن أسيادهم ومشغليهم ، وتارة للتمريرات فيما بينهم متى هدأت الأوضاع ودخلت في طور الهدنة، وفي الحالتين الشعب هو من يدفع الثمن وما الوضع الذي وصلنا إليه وما نعانيه اليوم من إهتراء وإنهيار، إلا نتيجة طبيعية لهذه الممارسات، فمن يزرع ريح الطائفية والأنانية والفساد، لن يحصد سوى عاصفة الكراهية والخراب والدمار .

السابق
عدّاد «كورونا» لا يزال مرتفعا… كم بلغ عدد الاصابات والوفيات اليوم؟!
التالي
حسن فحص لـ«جنوبية»: خامنئي واعادة ضبط العقارب