العراق بين حشدين

حيدر العبادي
البلاد لا تحتاج إلى قوة جديدة أمام الأزمات المتعددة والمتشعبة والمركبة التي تواجهها سياسياً واقتصادياً وإدارياً ومالياً.

بعد تاريخ العاشر من يوليو (تموز) 2017، وبعد إعلان رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي النصر التام على تنظيم “داعش” وتحرير مدينة الموصل، تحدث بعض الشخصيات المقربة من مواقع القرار في العراق حينها، أن تبدأ الآليات العملية لإنهاء مفاعيل “فتوى الجهاد الكفائي” التي سبق أن أعلنها المرجع الأعلى في النجف السيد علي السيستاني وشكلت بداية انطلاق ما بات يعرف بانطلاقة الحشد في 13 مارس (آذار) 2014.

إهداء النصر

 كان من المفترض بعد الزيارة الميدانية التي قام بها العبادي إلى القوات المقاتلة في الموصل، وإعلان النصر بمشاركتها، أن ينتقل إلى مدينة النجف للقاء السيد السيستاني، وأن يهديه النصر الذي تحقق عربون تقدير وعرفان للدور الذي أدته فتوى الجهاد في عملية التحشيد الشعبي لرفد القوات المسلحة، التي كانت تعاني من حالة انهيار جراء النكسة التي لحقت بها نتيجة الفساد والإدارة والقيادة الفاشلة، وأنتجت ما بات يعرف بـ”هيئة الحشد الشعبي”، وأن يتم الإعلان عن انتهاء الحاجة لهذه الفتوى لانتفاء الحاجة، خصوصاً وأن الجهود التي بذلها القائد العام للقوات المسلحة في إعادة بناء المؤسسة العسكرية قد أثمرت في تعزيز ثقة هذه القوات بنفسها واستطاعت ترميم الثقة الشعبية بها وقدرتها الذاتية على التصدي لمصادر التهديد لفلول الجماعات الإرهابية.

هذا اللقاء لم يحصل، ولم ير هذا التوجه النور، لجهة أن المرجعية الدينية في النجف نأت بنفسها عن عقد أي لقاء مع أي من المسؤولين السياسيين في السلطة، لا سيما مع رؤساء الحكومات، وفضلت البقاء على مسافة من الدخول في لعبة التوظيف التي قد يتم استغلالها من قبل الجهات السياسية في تعزيز مواقعها الشعبية باستخدام رصيد المرجعية والنجف معها، وأيضاً استخدام أي لقاء أو اتفاق في وجهات النظر في الصراعات السياسية ضد الأطراف الأخرى.

اقرأ أيضاً: العراق: هل من تاريخ صلاحية لفتوى السيستاني؟

الدور الرعائي

قد يكون موقف المرجعية مسوغاً بما يحفظ لها الدور الرعائي والموجه والمرشد والرشيد، ويمنحها القدرة المعنوية لتصويب المسارات في المفاصل المصيرية التي يمكن أن تهدد استقرار العراق ووحدته. إلا أن هذا الموقف فتح الطريق واسعاً أمام الفصائل التي شكلت هيئة الحشد الشعبي لتعزيز مواقعها داخل آليات السلطة والحكومة والدولة ومؤسساتها، وأن تدفع بالضغوط على البرلمان في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 لإقرار قانون الحشد بغالبية نحو 165 صوتاً في ظل غياب نواب المكونين الكردي والسني، الأمر الذي وضع رئيس الوزراء العبادي أمام واحد من خيارين، إما أن يدخل في مواجهة مع هذه الفصائل وتناسي دورها في عملية التحرير والتضحيات التي قدمتها بما يحوله إلى “خائن” ، وإما أن يذهب إلى إصدار الأمر الديواني رقم  (91) في 24 فبراير (شباط) 2016 الذي يجعل من هيئة الحشد واحدة من صنوف القوات المسلحة بانتظار إصدار القوانين التي تنظم هيكليتها وآليات عملها وعلاقتها مع المؤسسة العسكرية والصنوف الأخرى من القوات المسلحة.

نظرة إيجابية

وبعيداً عن المواقف المؤيدة لتحويل هذه الهيئة إلى تشكيل رسمي في إطار المؤسسة العسكرية خاضع لإمرة القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء، ولم تكن واشنطن والإدارة الأميركية حينها، خصوصاً عام 2016 أواخر عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما بعيدة عن النظرة الإيجابية تجاه الحشد، وكذلك الأمم المتحدة وممثلها في العراق يان كوبيتش.

والمواقف المعارضة لهذا التشكيل والدور السلبي الذي يقوم به وإمكانية أن يكون أداة بيد النظام الإيراني وخاضعاً لإدارة وإرادة قائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني (قبل اغتياله بداية 2020 في بغداد). بعيداً عن هذه المواقف، فإن الخطوة الأخيرة التي قامت بها بعض الفصائل والألوية التابعة للمرجعية الدينية، التي تعرف بـ”حشد المرجعية”، وهي (فرقة العباس القتالية، ولواء علي الأكبر، وفرقة الإمام علي، ولواء أنصار المرجعية) بإعلان انفصالها عن هيئة الحشد الشعبي والخضوع مباشرة لإمرة القائد العام، هي من ناحية لا تعد خطوة جديدة في زمن رئاسة مصطفى الكاظمي للحكومة، فهذه الفصائل والألوية سبق أن أعلنت هذا الموقف في زمن رئاسة عادل عبد المهدي، وكانت الخلفية لهذا القرار الاعتراض على التعيينات التي جرت داخل هيئة الحشد بعد اغتيال أبو مهدي المهندس (جمال جعفر)، وجاءت بالقيادي الخال أبو فدك (عبد العزيز المحمداوي) قائداً لأركان هذه القوات في وقت كانت ترغب هذه الفصائل أن يكون الموقع من نصيبها (ميثم الزيدي المسؤول عن فرقة العباس القتالية)، خصوصاً بعد استبعادها من الاجتماع الذي اتخذ القرار فيه بتكليف (الخال) هذه المهمة، وهو الاجتماع الذي ضم كلاً من ست شخصيات من الحشد هم إلى جانب أبو فدك، وأبو علي البصري، وأبو منتظر الحسيني، وأبو إيمان الباهلي، وأبو آلاء الولائي، وليث الخزعلي، وأحمد الأسدي.

عملية معقدة وخطيرة

وعلى الرغم من الكلام الكثير الذي يدور حول هذه الخطوة للفصائل القريبة من المرجعية، التي ترى أنها بداية لعملية معقدة وخطيرة هدفها تفكيك هيئة الحشد الشعبي وإعادة دمج عناصرها ومقاتليها في إطار صنوف القوات المسلحة، وتلك التي ترى أنها عملية فصل بين حشد المرجعية والحشد الموالي لإيران “الولائي”، أي تظهير الصراع الخفي وغير المعلن بين مرجعية النجف ومرجعية قم والنفوذ الإيراني في العراق، إلا أن الحقيقة الواضحة التي يمكن أن تنتهي له هذه الخطوة تكريس حصول انشقاق داخل قوات عسكرية تحت إمرة القائد العام وأحد صنوف القوات المسلحة، ما عقّد وأعاق عملية هيكلة هذه القوات وأخرجها من التبعية لولاءات متعددة وحصرها تحت إمرة القائد العام بعيداً عن أي استقطاب سياسي أو إقليمي. وهذا الأمر يعقد المشهد العراقي ويكشف إدارة رئيس الوزراء التي سارعت إلى احتضان المنشقين على حساب كل الآليات القانونية والإدارية التي لا تحتاج سوى قرار حازم من الحكومة لتفعيلها وتحويلها إلى وقائع وحقائق على الأرض تجعل من هذه الهيئة خاضعة للسيطرة، وتكون عاملاً مساعداً على تنفيذ خطة التصدي للسلاح المتفلت والجماعات المسلحة التي تستغل عنوان الحشد لتأمين مصالحها الخاصة.

فالعراق أمام الأزمات المتعددة والمتشعبة والمركبة التي يواجهها سياسياً واقتصادياً وإدارياً ومالياً، وحتى في الحفاظ على وحدته وسيادته، لا يحتاج إلى قوة جديدة وأن يتحول الحشد إلى حشدين، وأن تضاف إلى المشهد جهة عسكرية جديدة تزيده إرباكاً، في وقت كانت من المتوقع إما أن تبقى هذه الفصائل تعمل داخل آليات الهيئة أو تعمد إلى حل نفسها لانتفاء الحاجة، وعليها الإجابة عن سؤال أساس وجوهري، في حال كان هدفها تعزيز سلطة الدولة لماذا لم تقدم سلاحها إلى الحكومة والقائد العام؟ أم أنها تطمح لتكون الممثل الحصري لهذه القوات مستغلة عنوان المرجعية الذي ترفعه، مع ما في ذلك من مخاطر قد تصل إلى صراعات مسلحة؟

السابق
مبادرات فارس سعيد التي تخيف حزب الله
التالي
نحو «الجمهورية الثالثة»: حزب الله يستبق انقلاب بيئته وهذه تحضيراته لمرحلة الانهيار!