الجنوبيون يُواجهون الأزمة باللّحم الحيّ..تقشف و«تدوير» ومهن جديدة!

المونة باتت مهنة في المنزل
الازمة الخانقة معيشياً واقتصادياً حوّلها الجنوبيون غير "المدعومين" من "الثنائي الشيعي" الى فرصة للنهوض من قعرها بجهد ذاتي وبالتدوير واستحداث فرص عمل جديدة من اعداد المونةوانواعها المتعددة منزلياً وعرضها للبيع الكترونياً، الى الحشائش اليابسة والحبوب كما طال التقشف نمط الحياة ونوعية الاكل.

لا يذكر الحاج سعيد الجنوبي والثمانيني، انه عاش اياماً مماثلة في لبنان، سوى ما مر عليه ايام “سفر برلك” وعندما قام “العثملي” بتجويع اللبنانيين. ومن كان وقتها يملك “كمشة” شعير او قمح لصنع خبز عائلته كان يُعتبر “زنكيلاً”.

ويقول الحاج سعيد: ان الامور وقتها لم تكن ميسرة او مسهلة، ولم يكن هناك وسائل نقل او تواصل اجتماعي، ولا هواتف ولا سيارات كما هي اليوم، ولكن كان هناك خيرات وطِيبة عند الناس ولم يكن الجشع سِمة فيما بينها.

ويتذكران بعد نهاية الاحتلال العثماني ومجيء الفرنسيين صارت الامور “مرحرحة” أكثر، وصرنا نسافر على الدواب الى فلسطين للعمل والتجارة، قبل ان نهاجر الى افريقيا في الستينات.

ولكن القدر لم يسمح للحاج سعيد ان يتقاعد مبكراً، فما جمعه من افريقيا طيلة 40 عاماً عاد به الى لبنان ووضعه في احد البنوك بالليرة اللبنانية. فانهارت العملة الوطنية فجأة بين عامي 1985 و1987 فأصبحت قيمة بضعة الوف من الليرات والتي كانت كبيرة وتشتري ارضاً ومنزلاً ومحطة بنزين، لا تساوي ثمن بقرة!

فبعد 8 عقود من “سفر برلك” وسبعة وعقود ونيف من الاستقلال يقبع اللبنانيون اليوم تحت سلطة أمر واقع ادهى وامّر من سلطات الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي

ما يسرده الحاج سعيد عن اوضاع الجنوبيين واللبنانيين في تلك السنين الغابرة، يتوافق تماماً مع ما يجري اليوم.

فبعد 8 عقود من “سفر برلك” وستة وعقود ونصف من استقلال لبنان والذي لم يجعل من هذا البلد آمناً اوحراً وسيداً ومستقلاً، يقبع اللبنانيون اليوم تحت سلطة أمر واقع، وادهى من سلطات الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي. فالباقي في لبنان إما جائع او ميت، والخارج منه كأنه مولود لتوه.

جنوباً، يؤكد احد وجهاء القرى المعروفين بمواجهته لـ”سلطبة” “الثنائي”، ان الاقطاع الذي كانوا يخوفون الشيعة به قبل الحرب الاهلية، يمارسه اليوم كل من “حزب الله” و”حركة امل”. ولكن الاقطاع السابق المزعوم لم يكن لديه سلاح او بطش ولم يكن يَفرز الشيعة بين “وطني” و”غير وطني” او “مقاوم” او “عميل”.

إقرأ أيضاً: «حزب الله» يَرشي الجنوبيين ببطاقة «ساجد» التموينية..والسوق السوداء «تبتلع» مازوت البقاعيين!

منذ عام وحتى اليوم بدأت تتضح الصورة جنوباً، وفُرز الشيعة بشكل واضح بين جائع وعاطل عن العمل، ومتروك لقدره خارج “الثنائي” و”بركاته” من وظائف وتنفيعات وحصص غذائية واعانات مالية لكونه من غير مناصريه او محازبيه.

رغبة العيش طاغية جنوباً

ولأن قطار الحياة لا ينتظر أحداً، تبدو رغبة العيش الواقعية طاغية جنوباً، وصحيح ان بعض موظفي “الثنائي” ولا سيما “حزب الله”، من يقبضون رواتبهم او جزءاً منها بالدولار، لم يشعروا بوطأة الجوع الحقيقي، بدأت تظهر منذ بضعة اشهر عادات غذائية ومعيشية جديدة.

قطع غيار السيارات وزيوتها

الهم المعيشي والدوائي وسعر صرف الدولار ينعكس على مكملات الحياة الضرورية كالسيارات وتصليحها وتبديل القطع التي باتت اسعارها في “المريخ”، كونها تشترى وتباع وتستورد بالدولار الاميركي او بسعر صرف الدولار اليومي وفق السوق السوداء.

ويقول احمد وهو ميكانيكي مخضرم، انه لم يرفع من “اجرة يده”، وانه يقوم بتصليح القطعة المعطلة ومحاولة ترميمها قدر المستطاع. ويؤكد ان انين الناس كبير وكل زواره يشكون من الوضع وصعوبته وان حالة من الغضب والاحباط تسيطر على المزاج الشيعي الغارق في ازماته.

وما ينسحب على قطع الغيار يتوافق مع تغيير الدواليب، والتي نشط فيها سوق الدواليب المحلية المستعملة والتي تعرف بـ”بنص عمرها” وربما اقل والمهم ان يوفر الزبون على جيبه.

وبعد ان كان الدولاب “الالماني”، وهو مصطلح للدلالة على ان الدولاب مستعمل فترة بسيطة، وانه يأتي من اوروبا والمانيا بـ”كونتيرات” تضم العديد من الحاجيات للسيارات ومنها قطع الغيار واكسسوارتها.

قطع غيار السيارات ودواليبها وزيوتها باتت في غير متناول اللبنانيين والجنوبيين اذ نشط سوق “المستعمل” فيها وبسبب اسعارها على الدولار لكونها مستوردة

اما زيت السيارات فتلك قصة كبيرة مع ارتفاع اسعارها 10 اضعاف بالليرة اللبنانية. وبات مبيع الزيت اليوم على على سعر صرف السوق او بالدولار الاميركي لذلك “يهرب” الجنوبيون من جحيم الزيوت المستوردة الى “جحيم الزيوت” المكررة، وهي كناية عن الزيت المحروق والذي يجمعه التجار من محال غيار الزيت ويُكرر ويضاف اليه زيوتاً رديئة ورخيصة، كما اكد احد كبار التجار لـ”جنوبية”.   

اللحوم سنوية!

اما ملف الغذاء والتقشف فبات شغل الجنوبيين الشاغل، وتحولت اللحوم والدواجن والاسماك الى أكلات موسمية وفصلية وشهرية وصارت حفلاء الشواء العائلية من الذاكرة، لكون 3 كيلو في اقل تقدير تساوي ما يقارب المئة الف ليرة بينما الطبخة باللحم او الدجاج تصل الى 75 الف ليرة مع احتساب اللحوم او الدجاج “المسحب” بلا عظم وكذلك الارز والزيت والبصل والخضراوات والثوم وكلها باتت اسعار “مريخية” وتضاعفت بين 5 و10 اضعاف.

ولان الجنوبي يحول مآسيه الى فرصة ومهنة جديدة على غرار كل سكان القرى في المناطق اللبنانية الاخرى، نشطت مهنة اعداد المونة وبيعها “اونلاين” او وضعها بالامانة في المحلات التجارية من المكدوس الى اللبنة المكبوسة والكبيس والكشك الى البرغل بانواعه والزعتر البري المطحون والحشائش اليابسة والتي تخزن سنوياً كالملوخية والفاصوليا العريضة وغيرها من الحبوب. وكلها صارت اصنافاً للطبقة الميسورة ولم تعد في متناول الفقراء او عامة الناس.

وبالاضافة الى العمل المنزلي والعائلي في المونة واصنافها، نشطت جنوباً وفي الاشهر الماضية بسطات الخضار او المحلات الصغيرة وكذلك محال السمانة وعلى تواضعها وقلة مدخولها، الا ان رب العائلة العاطل من العمل يشعر بالاطمئنان ان قوت اولاده اليومي والخبز موفر بالحد الادنى وان رأسماله الصغير يعود اليه عند كل مساء.

بعد عام على الازمة الاقتصادية والمالية وفي ظل انسداد الافق السياسي وهيمنة الاحزاب على طوائفها، يبدو الابتكار حصيلة الحرمان والعوز والجوع . ويصبح المواطن اكان جنوبياً او شمالياً او بقاعياً اسير رغيف الخبز اليومي وبالتالي ليس امامه الا العيش وإكمال الحياة بأي ثمن. لأن الهجرة فرصة وحلم لم يعد متوفراً للبنانيين، ولان الانتحار يجر مزيداً من الوبال والمصائب على عائلة المنتحر واولاده وزوجته واهله.   

ازدهر سوق زيت السيارات المستعمل!
ازدهر سوق زيت السيارات المستعمل!
السابق
هذا ما جاء في مقدمات نشرات الاخبار لليوم الاثنين 30/11/2020
التالي
«مفاجأة» مخطط استهداف نصرالله.. تسليمه حياً الى «الموساد»!