الخلل القانوني ينخر المحكمة الجعفرية (٨): عندما «يُفتي» القضاة.. بالسياسة!

المحكمة الشرعية الجعفرية

ركز الدستور اللبناني على حيادية القضاء، بحيث ينبغي أن يكون القاضي نزيها عادلا محاديا، لا ينحاز لطرف دون آخر، همه تحقيق العدالة، وإحقاق الحق.. وفي هذا السبيل تشددت الأنظمة في دول العالم أجمع على ضرورة حيادية السلطة القضائية، كما أن الدول المتقدمة حققت استقلالية تامة للقضاء، وما زالت مجتمعاتنا تتحدث عن هذه الإستقلالية، بالرغم من عدم تحققها في ظل هيمنة السلطة السياسية على القضائية.

وفي هذا الإطار فإن من أهم صفات القاضي التي ينبغي أن تتوفر فيه هي عدم تبعيته الحزبية، ناهيك عن كون ذلك هو ديدن أهل العلم والدين الأتقياء، الذين يترفعون عن الدنيا، والسلطة، وأصحاب النفوذ.. 

كذلك فإنّ من واجبات موظفي الدولة عموما التخلي عن الأحزاب، الأمر الذي يخضع له القاضي، كونه من موظفي الدولة، بل يخضع له كافة القضاة، بما فيهم قضاة الشرع، كون القضاة أكثر حاجة لهذا الأمر من سواهم، فالبند الخامس من المادة 14 حيال واجبات الموظفين العامة: [أن يتخلى كلياً، في حال انتمائه إلى الأحزاب أو الهيئات أو المجالس أو الجمعيات السياسية أو الطائفية ذات الطابع السياسي عن أي مهمة أو أي مسؤولية في هذه الأحزاب أو الهيئات  أو المجالس أو الجمعيات].

اقرأ أيضاً: الخلل القانوني ينخر المحكمة الجعفرية(٧): إفتحوا باب الاجتهاد!

وفضلاً عن كون أنظمة الدولة تمنع كل موظفيها من أن يتولوا مسؤوليات ومهام في الأحزاب والقوى السياسية، لكن قوانين مهنة القضاء لا تحظر على القاضي فقط أن يتولى مهاما في أي حزب سياسي، بل تمنعه من الكلام في السياسة، كذلك تحظر عليه حضور اللقاءات السياسية.

وقد كانت المحاكم الشرعية الجعفرية تحافظ على هذه الضوابط في تاريخها، وبقينا على ذلك حتى ظهور الاحزاب السياسية الشيعية مؤخراً، بل حتى مرحلة ضعف الجسم الديني، وطغيان الأحزاب على السلك العلمائي، فأخذت المحاكم تنحرف عن أدبياتها بالابتعاد عن السياسة.

وحينما تعرض العلامة الشيخ محمد جواد مغنية لإشكال وهو في وظيفته القضائية، فقد كان السبب مقالا كتبه (رضوان الله عليه) عن الفكر الإسلامي والرأسمالية والإقطاعية، ومع العلم بأن خلفية المقال دينية وليس سياسية، لكنه كان السبب بوضع المقدس الشيخ مغنية بتصرف رئاسة الوزراء!!

واليوم، ومن شدة وقاحة البعض، نراهم يحضرون اللقاءات السياسية، بل يتدخلون في السياسة، كما أن بعضهم كان يجاهر – أثناء الانتخابات النيابية – بدعم قوى الأمر الواقع، من على المنابر!! كذلك كان أحدهم له ارتباط تنظيمي بجهة سياسية!! 


وهذا أمر غير مقبول إطلاقا، ويفترض بالتفتيش القضائي القيام بواجباته حيال هذا الأمر، وضبط الأمور، ومنع القضاة من الكلام العلني في السياسة، كما حضور المهرجانات السياسية، بل ومن التفاعل مع التنظيمات السياسية، فضلا عن منع الانتساب لهذه الأحزاب، ويجري على قضاة الشرع – كونهم من موظفي الدولة – “نظام موظفي الدولة” الذي تحدث في مادته 15 عن الأمور المحظورة على موظفي الدولة، فورد في البند الأول:[ان يشتغل بالامور السياسية او ينضم الى الاحزاب السياسية او يحمل اشارة حزب ما] وهذا ما نأمل أن نراه مطبقاً في محاكمنا الشرعية، وكل ذلك برسم مفتش المحاكم الجديد.

السابق
بعد اتهامه القضاة بالفساد.. هكذا ردّ «القضاء الأعلى» على وزير الداخلية!
التالي
«حزب الله» على خط الملابس المستوردة.. «بلاك فرايدي»!