فيروز.. حلم وطن آت في زمن مستحيل

يصادف اليوم عيد ميلاد الـ85 لجارة القمر الفنانة فيروز، المرأة القوية التي استطاعت أن تترك بصمة حتى بعد اعتزالها الفن، واستطاعت ن تكون ايقونة الغناء في العالم العربي التي أفاضت الدفء على صباحات الفيروزيين، وكانت، ومازالت شريكة ذكرياتهم، بحلوها، ومرّها .وفي هذه المناسبة كتب النحات والكاتب، شربل فارس التالي:

خمسةُ أشهرٍ، وانا أُلاحق صوتك في ثنايا وجهِكِ، أمضي هنا وأتعثر هناك ولا أصل اليكِ…

اقرأ أيضاً: جارة القمر حديث الشارع.. أيقونات صالون فيروز تشغل مواقع التواصل الاجتماعي!

أكثر من خمس محطات من العمل وفي فسحات الراحة أتوقف أتأمل وجهك وأقول :” إنتهى العمل إكتمل وجهُ فيروز…”
أستريح بضعة إيام أقضيها في حضن أغانيكِ،أعودُ الى محترفي، أكشف عن وجهكِ الطيني، أتراجع بخيبة أمل لأقول:” لا… هذه ليست فيروز التي أحسها وأشعر بها…؟!
هكذا كان يدور الصراع الطيني بين حلمي وعيناي وأُذناي واناملي. لا بل بيني وبينك سيدتي…بين الأنا والأنا، بين الحلم والواقع، بين لبنان ولبنان…بين صوتك الأزلي ووجهك المتقلِّب…كيف لي ان أُزاوج بين صوتكِ ووجهكِ في كتلة الطين؟ كيف لي ان أُجسِّد الطبقات الصوتية والتقاسيم الموسيقية في قسمات وجهكِ؟ بين وجهكِ المتحوِّل المتبدَّل مع العمر والزمن وصوتكِ الأبدي السرمدي؟ كيف لي ان أتحوّل الى إلهٍّ ينفخ الطين الرطب ويعيد تشكيل حواء بين يديه أيقونة قديسة ترشح طرباً؟
كان من السهل عليّ نحت وجهكِ كما هو بكل واقعية بيومين أو ثلاثة وباستخدام صورتين لكِ أو ثلاثة. قمتُ بذلك عدة مرات، ونال وجهُك استحسان وإعجاب الكثير من الأصدقاء الذين زاروا محترفي ولكن..انا لم اكن راضياً ، ولا انتِ…كنت اقول في سري:”هذه ليست فيروزتي…”وأُعيد عجن وجهكِ امام جوقةٍ من ملائكة النغم والتراتيل وقوافل من المسرح الغنائي…

سيدتي فيروز

في ورشات الطين المتعاقبة تبدّلت الأدوار كأنكِ تحولتِ الى نحات وانا الى طينة بين يديكِ، الى أوتار بين طبقات صوتكِ، أن اختصر جيلا أحبك فتمرد عليكِ ليحبكِ أكثر…جيلٌ كان قد بدَّد مراهقته وشبابه وراء متاريس الحرب اللبنانية…هذا الجيل يطل برأسه اليوم من وراء تلك الأكياس التي تحولت الى اكياس نفايات تتكدس بين تلافيف ادمغتنا، في زواريبنا بل أصبحت ” خطوط تماس” جديدة تفصل بيننا من دون أسلحة…
كيف نستعيد فيروز؟ ليبقى لنا وطنا نعيد ترميمه بما تبقى لنا من أمل وحلم وحب؟…نعم ،تفرقنا في طوائفنا وأحزابنا، في ضحكاتنا وأحزاننا… وكان صوتك الوحيد الذي يجمعنا. وفي حين كان” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” كان صوتك يعلو فوق الجميع كفراشات ملوَّنة ناعمة تخترق حرائق ودخان خطوط التماس، وكغمامة بنفسجية تحجب عنا رماد ضحايانا…

سيدتي فيروز


بهذه الهواجس كنت اعيش مع وجهكِ الطيني وكنت اسمع أغنياتك الوطنية،لكن بعد ” جولات وجولات”، كما كانوا يقولون في حربنا الأهلية، وبعد صراع طويل بين الصور والطين، وبين الصوت والصدى والحنين والواقع الأليم…أطلَّ وجهكِ كمعاهدة سلام ووئام بين الحلم والواقع، مع حرية التصرف للمضمون احيانا على حساب الشكل… وبعد مرحلة التماهي والذوبان بين الذات والموضوع وجدتني بين أعمدة بعلبك ووجدت وجهك منصةً للاَلهة… تتراقص كتلة الطين بين يديَّ و على ايقاع الخلود، وبلمسة نورانية مسحت كل التجاعيد عن وجهك وكذلك السنين الناحبة…أتراجع ثم أقترب من كل التفاصيل أحزف هنا وأزيد هناك وأختصر هنالك و” بمسحة رسولية” وضعت في الوجه كل الخلاصات الشفافةمستنفراً الوعي واللاوعي كطفل يتأمل وجه امه…تتراقص كتلة الطين بين يديّ ثم تتمدد على راحتي نوتات موسيقية تنساب على شفتيكِ لتتحول الى أجنحة من المواويل والشروقيات والأندلسيات و…و… وتمسِّد الأجنحة عينيكِ الحالمتين وتبسط جفنيكِ عليهما….عينان تتبادلان اليقظة والحلم،الواقع والخيال…يحاورهما فمّ يطلّ منه اول حرف لاول كلمة في اَ خر اغنية، وبينهما موشح يحبو خجولا على “كراسي” الخدَّين فينزلق على وجنتين تختزنان النشوة والألم…
وجدت في وجهكِ، سيدتي الجميلة فيروز،ثورات مكتومة وترانيم مجنونة وصلوات متمردة…كلما اقتربت وابتعدت عن وجهك تتجلى ملامح قديسة…عذراء…تشّرع قسما من شعرها للعاصفة والقسم الَاخر للهدؤ ما قبل العاصفة… منديلك يحتضن بتلات وردة..يلف بخطوطه الدائرية الانسيابية وجه البتول…منديل السيدة العذراء التي تركت أعمدة بعلبك وراحت ترتاح في المغارة وسط تصفيق الجمهور


فيروز شكراً

السابق
عقيص يعلق على المقطع الأجمل من خطاب عون.. ماذا قال؟