هذا ما جنته شيعة أميركا من الانتخابات الرئاسية!

ترامب بايدن
لقد كانت العملية الانتخابية الرئاسية فريدة من نوعها هذه السنة في الولايات المتحدة الأمريكية، ففضلاً عن كونها أوصلت إلى البيت الأبيض الرئيس الأكبر سِنَّاً من بين جميع رؤوساء أمريكا الستة والأربعين من حين قامت الدولة منذ قرنين ونصف، وفضلاً عن كونها أتت بإمرأة لمنصب نائب الرئيس وهو ما يحصل لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرى البعض أن أمريكا بهذا الانتخاب استعادت شيئاً من هويتها الديموغرافية التاريخية ، كما استعادت جزءاً آخر من هذه الهوية يوم انتخب الرئيس الأسبق باراك حسين أوباما صاحب البشرة السمراء رئيساً للبلاد.

 الانتخابات الاميركية الرئاسية التي جرت الاسبوع الماضي، كانت الأكثر كلفة في التاريخ الأمريكي حيث بلغ إجمالي تكلفتها أكثر من ملياري دولار، ففضلاً عن كل ذلك فقد كشفت هذه الانتخابات عن حقيقة التركيبة الدينية الأمريكية وتوجهاتها السياسية الوطنية، ففي أمريكا ما يقرب من خمسة ملايين يهودي أمريكي وثلاثة ملايين مسلم أمريكي إلى جانب الأكثرية المسيحية وأقليات أخرى من ديانات ومعتقدات مختلفة متنوعة المشارب والمذاهب، ومن بين الثلاثة ملايين مسلم أمريكي هناك ما يقرب من مليون شيعي أمريكي يقيمون في مختلف الولايات الخمسين، وبعضهم من أصول عربية وبعضهم من أصول فارسية ..  

وجود تاريخي لشيعة لبنان 

ولشيعة أمريكا مرجعياتهم الدينية المحلية، ومن باب المثال منذ أن هاجر من جنوب لبنان إلى مدينة ديترويت بولاية متشيغن الراحل الشيخ محمد جواد شِرِّي وحصل على الجنسية الأمريكية فمنذ ذلك الحين مثَّل الشيخ شِرِّي – ومن باب المثال – لشيعة أمريكا مرجعية مستقلة، وإن كان ارتباطه الفقهي الديني كان بمرجعيات الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ولكنه كان يمثل مرجعية مستقلة لشيعة أمريكا، فقام بتعليمهم عقائد الشيعة وأحكام الشريعة بحسب فهم المسلمين الشيعة الإمامية الإثني عشرية،  فصَنَّف وألَّف ستة كتب باللغة الإنجليزية لهذا الغرض، وأسس لشيعة أمريكا أقدم مراكزهم الدينية الثقافية المسمى بالمركز الإسلامي، كما تمكن الشيخ شِرِّي من إيجاد مدفن لشيعة أمريكا اعتبر أقدم مدافن الشيعة الأمريكيين في الولايات. 

اقرأ أيضاً: تقرير أميركي: هذه هي أسرار فوز بايدن بالرئاسة!

 وتوفي الشيخ شِرِّي ليدفن ويخلفه في إدارة شؤون المركز الإسلامي مجموعة من علماء الشيعة الأمريكيين من توجهات مختلفة، فالبعض منهم يرى تقليد مرجعية النجف الأشرف والبعض يرى تقليد مرجعية قم المشرفة ، والبعض الثالث طرح نفسه مرجعاً لشيعة أمريكا وكندا ودول أخرى حيث قام الشيخ عبد اللطيف بِرِّي بطباعة رسالة عملية فقهية سمَّاها : ” مسائل الفقه العملي ” لتكون مرجعيته بديلاً عن المرجعيات الأخرى الخارجية بحسب نظره، ولتبقى لشيعة أمريكا مرجعيتهم المستقلة بحسب تصوره .  

وهناك مراكز دينية شيدها شيعة أمريكيون من أصول إيرانية وهندية وپاكستانية وعراقية ولبنانية وغيرها وفي مختلف الولايات المتحدة الأمريكية ، كالمركز الذي كان يُشرف عليه الراحل الشيخ صايل الأتات ، والمركز الذي يشرف عليه الشيخ محمد علي برو ، والمركز الذي يشرف عليه الشيخ جعفر الحائري، والمركز الذي يشرف عليه السيد حسن القزويني ، والأخيران هما من مقلدي المرجعية الشيرازية المختلفة سياسياً مع النظام الإيراني ..  

وطنية الشيعة الاميركيين 

    فشيعة أمريكا لهم كيانهم المستقل، كما لهم توجهاتهم الوطنية بمعزل عما يجري في العالم الشيعي من أحداث، ويرون وجوب الدفاع عن بلدهم ووطنهم أمريكا، وقد انضم أبناؤهم إلى الخدمة العسكرية وشاركوا في حروب أمريكا المختلفة، وعمل بعض أبنائهم في تشكيلات قوات المارينز العسكرية الأمريكية، وانتظم بعض أبنائهم في مختلف أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية وفي وظائف الدولة الحكومية وغير الحكومية  وإخلاصهم وولاؤهم لبلدهم أمريكا يأتي على قاعدة حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله حين يقول : ” حب الوطن من الإيمان ” وحين يقول : ” من لا وطن له لا دين له “. 

 ولا يُخفي هؤلاء الشيعة الأمريكيون غضبهم واعتراضهم على شعارات بعض الجهات الشيعية خارج أمريكا التي تنعت وطنهم أمريكا بالشيطان الأكبر، كما لا يرضى هؤلاء الشيعة الأمريكيون بالهجمات الإعلامية التي لا تتوقف لبعض وسائل إعلامية شيعية في العالم لا تتوقف يومياً عن مهاجمة بلدهم ورموزه ووطنهم وقياداته، فبعض الإعلام الشيعي في العالم لا يحترم مشاعر شيعة أمريكا، كما أن الذين يسعون لضرب مصالح أمريكية في العالم لا يفكرون بمستقبل الشيعة الأمريكيين. 

 فهناك منطق أعمى وازدواجية في معايير الكثيرين ممن يحاربون أمريكا بشكل مطلق دون تحديد المسؤوليات بدقة عن بعض سياساتها الخارجية، خصوصاً من بعض القوى الشيعية التي لا تراعي مصالح شيعة أمريكا في خطابها السياسي، وهذه مشكلة أيديولوجية وفقهية في منطق بعض مهاجمي أمريكا ومصالحها من بعض الشيعة في العالم ..  

رأي المراجع الشيعية 

   وفي هذا السياق عندما يقول المرجع الأعلى للشيعة السيد علي السيستاني ومن قبله المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي ومن قبله المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم عندما يقولون : ” بوجوب حفظ النظام العام وعدم جواز ارتكاب ما يؤدي إلى خلل النظام العام وعدم جواز مخالفة قوانين النظام العام ” ، فإن هذا يُلزم الشيعة الأمريكيين بوجوب حفظ النظام العام في أمريكا وعدم إجازة ما يخالف هذا النظام وما يؤدي إلى الخلل فيه ، وعلى هذا الأساس يحرم على شيعة أمريكا ممارسة شتى أنواع الجرائم في المجتمع الأمريكي من القتل والاغتيالات وتبييض الأموال والتجارة بالممنوعات والاعتداء على ملكيات الدولة العامة وملكيات الأمريكيين الخاصة وما شاكل من ممارسات تضر بالنظام العام وهذا هو فقه الشيعة الذي يلتزم به الشيعة الأمريكيون عموماً ..  

   ومن جملة الممارسات المرتبطة بحفظ النظام العام المشاركة في الانتخابات المختلفة ، ومنها الانتخابات الرئاسية ، ومن بين ما يقرب من مليون شيعي أمريكي هناك ما يقرب من نصف مليون ناخب لهم الحق في التصويت ، وهذا يشكل قوة تأثير لا يستهان بها في ميزان الربح والخسارة ، حيث يمكن لهذه الأصوات حسم معارك السباق الانتخابي في كل جولة .. وتعتبر مشاركة الأصوات الشيعية الأمريكية في الانتخابات الرئاسية مظهراً من مظاهر الديمقراطية والاندماج في النظام العام من قبل الشيعة الأمريكيين عملاً منهم بفتاوى مرجعياتهم العليا ، فلا يوجد لدى أحد من شيعة خارج أمريكا لا يوجد لديه مستند فقهي يمنع شيعة أمريكا من ممارسة الشيعة الأمريكيين حق الانتخاب والتصويب بحسب ما تقتضية مصلحة الشيعة الأمريكيين بالدرجة الأولى، كما لا يوجد للشيعة الأمريكيين مشروعهم السياسي الخاص في كيان الدولة ، وهذا هو حال الشيعة الأوروپيين والخليجيين وشيعة أكثر بلدان العالم الذين لا يملكون مشاريع سياسية خاصة بمعزل عن أنظمة الدول التي يقيمون فيها ، باستثناء الدول التي دخلها الفكر والفقه السياسي الاجتماعي الإيراني في العقود الأربعة الأخيرة والقائم على مبدأ الدعوة إلى حكومة ولاية الفقيه المطلقة …  

   ومن هذا المنطلق وبعد الوعود التي سبقت الانتخابات من الرئيس جو بايدن والتي وعد فيها ومنذ اليوم الأول لتقلده السلطة في البيت الأبيض وعد بتخفيف القيود عن مسلمي أمريكا والمهاجرين المسلمين، فمن هذا المنطلق ذكرت مصادر متابعة أن معظم الشيعة الأمريكيين منحوا أصواتهم في الانتخابات للمرشح الديمقراطي جو بايدن، وبهذا يكون للصوت الشيعي الأمريكي حضوره بقوة هذه المرة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ولعلها المرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأمريكية التي يكون فيها للشيعة الأمريكيين هذا الحجم من المشاركة في التصويت بحسب مصادر مطلعة، وفي هذا ردّ على منطق إيران وقادتها وحلفائها المصرين على إطلاق شعارات الكراهية ضد أمريكا دون مراعاة لمشاعر ومستقبل ومصالح الشيعة الأمريكيين! 

السابق
في النبطية.. توقيف شرطي بلدي بسبب تحريره ضبطا بحق احد النافذين العراقيين!
التالي
بعد الجدل.. هذه مهمّة الطائرة الأميركية في مطار رياق!