وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية».. العقوبات على باسيل: موته السياسي

وجيه قانصو
يخص المفكر والباحث والأكاديمي  الدكتور وجيه قانصو "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

أخيراً صدر قرار العقوبات على جبران باسيل من وزارة الخزانة الأمريكية. لم تكن التهمة سياسية،  أو لها صلة بالعلاقة مع الإرهاب أو التعامل مع حزب الله.   فهكذا تهم تحمل قابلية تحويلها في لبنان إلى ظلامة، وإظهارها بمثابة عقاب على مواقف مبدئية ووطنية، بالتالي يمكن توظيفها شعبوياً في السياسة بادعاء صلابة مواقف وثبات إيمان وإقدام مقتحم، بل كانت التهمة بالفساد وهدر المال العام واستغلال المنصب العمومي لمصالح شخصية.  هي تهم ليست تخمينات أو رجماً بالغيب، بل أساسها معطيات وملف كامل لسجل القرارات والمسلكيات التي اعتمدها باسيل طوال فترات إدارته لأكثر من وزارة في لبنان، بخاصة وزارة الطاقة.

أضعف الإيمان في بلد القانون، أن يسارع الادعاء العام إلى التحقيق في المسألة، ويكشف للبنانيين الحقائق، وأن يسارع مجلس النواب إلى التدقيق في أهلية عضو فيه بسبب شبهة الفساد واستغلال الموقع العام لمصالح شخصية. لكن شيئاً من هذا لن يحصل، بعد أن اخترقت الانتقائية والمحسوبيات السلطة الثالثة وارتهنت أكثر مواقعها لقوى الأمر الواقع، وبعد أن تحولت العلاقة بين السلطة والمجتمع من علاقة تمثيل قوامها الشفافية والحق بالمحاسبة إلى علاقة زبائنية قوامها الولاء للسلطة مقابل منافع شخصية، أي التنازل عن الحقوق السياسية التي تمنح كل فرد الحق في تقرير مصيره، أي التنازل عن الحرية.

لست هنا لأطالب بالمحاسبة فهذا لن يحصل في بلد باتت فيه شبكة الفساد هي الدولة، كما أن من الظلم أتهام باسيل لوحده، وتُمنح الفرصة لخصومه السياسيين بالتشفي منه، رغم أنهم لا يقلون عنه فساداً وسوءً، إنما لقراءة الدلالة السياسية لهكذا عقوبات.

باتت العقوبات بمثابة خلخلة في موازين القوى القائمة، وتعديل جذري في قواعد اللعبة السياسية القائمة!

من المؤكد أن قرار العقوبات ليس حكما قضائياً أو إدارياً فحسب، بل ورائه رسالة سياسية، سواء أكان في التوقيت، أو في المضمون.  هو تصعيد نقلَ العقوبات من مستوى طال شركات وشخصيات سياسية ثانوية إلى مستوى الصف السياسي الأول في لبنان، أي رؤساء الكتل وصانعي الحكومات وراسمي السياسات العامة. ما يدل على مستوى تصعيد غير مسبوق، ينقل الوجود الأمريكي من مراقب يرصد الحدث اللبناني ويتدخل به بطريقة خفية حينا وبالواسطة حيناً آخر، إلى لاعب مباشر، يضع فيتوات على أشخاص ويستثني أشخاص، من لاعب يحدد الموقف بعد تشكل الحدث إلى صانع للحدث وموجه لمساره قبل تشكله وحصوله.  باتت العقوبات بمثابة خلخلة في موازين القوى القائمة، وتعديل جذري في قواعد اللعبة السياسية القائمة.

العقوبات أصابت باسيل في المقتل، لا على مواقفه السياسية وحلفه مع حزب الله، بل طالت نزاهته واستقامته

أبسط دلالة للعقوبات هي أن العقوبات بمثابة موت سياسي لباسيل، بكل ما تعني الكلمة من معنى. العقوبات أصابته في المقتل، لا على مواقفه السياسية وحلفه مع حزب الله، بل طالت نزاهته واستقامته، أي طعنت في أخلاقه بناء على معطيات يصعب التنكر لها. هي تهمة لا يستطيع باسيل استعمالها لخلق بطولة شعبوية، بقدر ما هو مضطر إلى تفنيدها ودفعها عن نفسه، أي تضعه في وضعية المدافع والمبرر، أي وضعية الضعيف.  هي صورة يصعب هضمها شعبياً أو تسويغها أمام بيئة مسيحية تقوم معظم مصالحها الاقتصادية وامتداها الاغترابي مع الدول الغربية، وبالأخص الولايات المتحدة.

قرار العقوبات إعلان مسبق بأن مجيء باسيل إلى رئاسة الجمهورية بات خطاً أحمر ومن الممنوعات الدولية. وهي رسالة أعتقد أن حزب الله سيتلقاها ويتمعن بها جيداً، ولن يخاطر بالمغامرة في مواجهتها بالإصرار على باسيل رئيساً مقبلاً للبنان.  إذ إن الرئاسة بالنسبة لحزب الله ليس الغرض منها تحويلها إلى قلعة ممانعة أو مقاومة، بقدر ما هي مدخل لتأمين غطاء مسيحي يؤمن للحزب تشكيل حلف نيابي ذي نصاب نيابي وازن، ووسيلة لتأمين خطوط تواصل دولية، بإرسال واستلام رسائل دولية، بخاصة الدول الغربية التي اكتملت فيها سلسلة تصنيف حزب الله حزباً إرهابياً.

هما معطيان، الغطاء المسيحي وواسطة التواصل الدولي، لم يعد بإمكان باسيل تأمينهما. فالتآكل المروع في شعبية عمه، والاستياء المسيحي العارم من سلوك باسيل، يفقده أهلية تصدر التمثيل المسيحي القادم، بل لعل قدرته على تأمين صفته النيابية في الانتخابات القادمة باتت محل شكٍ كبير.  إضافة إلى أن الإتيان بباسل رئيساً يخلق مشكلة قانونية واقتصادية في تعامل أكثر المجتمع الدولي معه، ما يعرض لبنان لانتكاسات اقتصادية وتداعيات قانونية، لا يتحملها لبنان بوضعيته المتهاوية.

قرار العقوبات إعلان مسبق بأن مجيء باسيل إلى رئاسة الجمهورية بات خطاً أحمر ومن الممنوعات الدولية

حزب الله الذي يجيد التصرف في لبنان وفق حسابات الربح والخسارة، لن يجازف اللعب بورقة محترقة وتحمل التبعات الاقتصادية والسياسية والدولية التي سترتد عليه فيما لو ذهب بتعويم باسيل حتى النهاية. خصوصاً وأن الحلف بين الطرفين: حزب الله والتيار الوطني، لم يكن يوماً على قاعدة مبدئية، بقدر ما هو أشبه بعقد تجاري لتبادل المنافع، ومع إفلاس أحد طرفي العقد وعجزه عن استيفاء التزاماته، فإن باسيل سيكون عبئاً ثقيلا على الحزب لن يعود عليه بأي نفع. ما يشي بأن حلف مار مخايل المقدس أصبح غير ذي جدوى، وبات بحكم الملغي.

ولعل العامل غير المشجع لحزب الله في تبني خيار باسيل رئيساً قادما للجمهورية، هو الآثار الكارثية للعهد العوني الحالي الذي كان حزب الله مهندسه الأول وقوة دفعه الأساسية. هي تبعات لا يتحمل حزب الله تكرارها، لا لجهة خوفه على الدولة أو الكيان، بل لجهة العزلة والتآكل في قاعدته الشعبية وبيئته الحاضنة، والتململ الشعبي شبه العارم من هيمنة الحزب التي لا تناسب مع حجمه السياسي ونسبة قاعدته الشعبية.

السابق
تقرير أميركي: هذه هي أسرار فوز بايدن بالرئاسة!
التالي
التلحيم يضرب مُجدداً.. إنفجار جنوباً يُسقط جريحين! (صورة)