«مؤتمر الإنقاذ» يفشل في استتباع الثورة

المؤتمر الوطني للإنقاذ

عود على بدء يفجع القدرُ اللبنانيين وأهالي ديما عبد الصمد برحيلها بعد تصبُّرهم المرير الذي دام 83 يومًا انتظارًا لقيامتها من صراع قاس كانت الغلبةُ فيه مع الأسف – لإصابة لحقتها في انفجار 4 آب الآثم، فيما المنظومة المجرمة تتابع بدم بارد حبك مؤامراتها.

ديما عبد الصمد

إنهم هناك يمكرون في الوقت الضائع، وبدل أن يكونوا وراء القضبان ها هم يخططون كالعادة بخبث لإبقاء هيمنتهم على شعب أوقعوه بين سندان الجوع والحاجة ومطرقة اليأس والاستسلام، ليُقحموا في الصورة على حين غرّة حبلَ إنقاذهم الحريري، محاولين استبداله بطوق حصارهم الحديدي، وسط ألغاز محوطة بالكتمان، جعلت مواقف فرقاء السلطة تتقلّب في الكذب والنفاق، في وقت يبدو لبنان وحيدًا ومن دون أي مظلة.

يحاولون استبدال حبل إنقاذهم الحريري بطوق حصارهم الحديدي

في هذا الجو الضبابي الضاغط، عُقد الأحد 25 ت1 2020 “مؤتمر الإنقاذ الوطني” الضخم، الذي نظمته فاعليات القوى المجتمعية المختلفة الاتجاهات وشاركت فيه قوى انتفاضة 17 تشرين حضورًا ضمن حشد جاوز الـ550 شخصًا في فندق لو رويال-ضبيه، تحت عنوان: “لنكن شركاء… لنتفاعل ونوحد الجهد… معًا قادرون… معًا نسترجع وطننا”، وتميّز بحسن التنظيم إلى أن عكّر صفوه خلال إصداره بيانَه الختامي نفر من الغوغاء الذين حضر بعضهم من خارج القاعة، اعتراضًا على مناقشة بعض النقاط، فافتعلوا عراكًا وشجارًا وأحدثوا جلبة وضوضاء ووجهوا شتاتم وإهانات لحاضري الحفل، ما دفعهم إلى مغادرة القاعة على عجل.

اقرا ايضا: بالفيديو: «سلاح حزب الله» يُشعل خلافاً بين الثوّار و«ثوار السلطة».. اليكم ما حصل في الضبية!

البداية كانت بهذا الحضور الكثيف..
وهكذا كانت النهاية

وعلى الرغم من “بريق” ما سمّيت بـ”كلمة الثورة”، فإن تنظيم المؤتمر وحجم الإنفاق عليه وشخصياته المنظِّمة وتبعيّتها السياسية، السابقة واللاحقة… كلها أمور لا بد من التوقف عندها، إذ شكَّلت ظاهرة جديدة فتحت بابًا واسعًا للريب في محاولة الأحزاب، مع ما بينها وبين السلطة من علاقة لا تنفصم عُراها ولا تَخفى على أحد، قيادةّ الركب وجعل ثورة 17 تشرين تابعةً، لكنْ هيهات هيهات، فأين الثرى من الثريا؟ إن الحقُّ أبلج، ولن يصح إلا الصحيح، وعمّا قريب سيُكتب المؤتمر في وريقات التاريخ بصفته محاولةً لم يُكتب لها النجاح في سياق محاولات أخرى كثيرة سبقتها وتلتها لعرقلة الثورة في دربها الطويل، الذي لن تكون نهايته سوى النصر وتحقيق الأهداف، وإن غدًا وإن يكُ بعيدًا، لناظره قريب.

هيهات للأحزاب أن تستتبع الثورة

هيئة حماية الثورة

وعلى أثر المؤتمر، أصدرت ما تسمى “هيئة حماية الثورة” مساء الإثنين بيانًا جاء فيه أنها “لا تقف عائقاً أمام تواصل مكونات الثورة لمواجهة السلطة التي تكابر رغم موتها السريري (…) لكن ما سمعناه وشاهدناه في المؤتمر لم يكن لتوحيد جهود المجتمع المدني، بل موجهاً للتشبيك مع السلطة، فمعظم من تكلموا تربطهم علاقات بأحزاب السلطة ولا يعرف الثوار الحقيقيون وجوههم في الساحات”.

معظم من تصدروا الكلام حزبيون لا يعرف الثوار وجوههم في الساحات

وأعلنت الهيئة في بيانها أن “السلطة تحاول جاهدة ترميم هيكلها وتجميل قبحها تجاه شعبها والعالمين الغربي والعربي، فجاء المؤتمر محاولة لمساعدتها وشق صفوف الثورة”.

فمن هم المنظِّمون والداعون لهذا المؤتمر، أو على الأقل الذين اعتلوا المنصة: زياد بيطار، مخايل عوض، سامر بستاني، شريف سليمان ونعمت بدر الدين؟ ومن هما الشخصيتان اللتان استطعنا معرفتهما في هيئة حماية الثورة: ليندا بولس مكاري وجوزيت غفري؟

  • زياد البيطار: رئيس “جمعية التعاون الدولي لحقوق الإنسان”، محام وكيل عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في معركة عبرا. يدعو إلى تطبيق القرارات الدولية 425، 426، 1559، 1680، 1701. يرفض بقوة نقل أحمد الأسير الى سجن آخر.
  • مخايل عوض: رابطة الشغيلة، عمل مع ناصر قنديل ومقرب من النظام السوري، منافح متطرف عما يسمى محور “الممانعة” وله صولات وجولات في هذا مع الإعلامي فيصل القاسم في برنامجه “الاتجاه المعاكس”.
  • سامر البستاني: من الثوار المستقلين، مدير مؤهل في منظمة “مدراء مؤهلون لمكافحة الفساد” فرع لبنان.
  • شريف سليمان: محام وناشط حقوقي، منافح عن المتظاهرين المعتقلين لدى السلطة.
  • نعمت بدر الدين: مقربة من نجاح واكيم وحزب الله.
  • ليندا بولس مكاري: استدعيت للتحقيق بتهمة التواصل مع أفراد أو جهات محلية واغترابية لإطعام المتظاهرين وتوفير وسائل نقل لهم. داعية إلى ترحيل اللاجئين السوريين “إلى المناطق الآمنة في سوريا”. تعمل ضمن مجموعة “اللبناني أحق من السوري بالعمل”. ترفض وتدين أي محاولة لعسكرة الثورة.
  • جوزيت غفري: أحد موقِّعي نداء الـ566 ناشطًا للإطاحة بالطبقة الحاكمة في 3 حزيران 2020، أحد مؤسسي “تجمع استعادة الدولة” في 7 تشرين الأول 2019، عضو في “حركة 6 حزيران”.

نقطة البداية

البداية كانت في 8 من تشرين الأول الجاري، عندما وصلت ناشطي الحراك دعوة إلى حضور “المؤتمر الوطني للانقاذ” تحت عنوان: “لنكن شركاء… لنتفاعل ونوحد الجهد… معًا قادرون… معًا نسترجع وطننا”، وفيها تعريف للمؤتمر بأنه ينتزع دولة مدنية لمواطنين متساوين وأحرار بالضغط، ويجدد ثورة أقوى وأفعل وأكثر وعياً وتنظيماً وحكمة.

بعد الافتتاح بالنشيد الوطني، ألقت الإعلامية كارين البستاني كلمة باسم الثوار (رغم إعلان بعضهم تفاجؤه بالأمر وحتى عدم معرفته بمضمون الكلمة)، اعتبرت فيها أن “الانهيار الهائل يحتم علينا العمل معًا بهدف تعرية من تجرأ على طعن الثورة ممن يمتطون صهوتها والقول لهم ها نحن نطلق الشعلة من جديد، فالنار في داخلنا لا تنطفئ إلا بوحدتنا، والمتربصون ينتظرون تفرّقنا للانقضاض علينا”. وتابعت: “لسنا 8 آذار ولا 14 آذار، نحن لبنان الواحد العابر للإيديولوجيات والطوائف، الشعب الواحد مصدر السلطات، لمحاربتكم وتطبيق الدستور المنتهك منذ 30 عامًا… فارحلوا أيها السياسيون إلى غير رجعة”.

لسنا 8 ولا 14 آذار … نحن لبنان الواحد العابر للإيديولوجيات والطوائف … نحن الشعب مصدر السلطات فارحلوا أيها السياسيون

بنود اشعلت الاشكال

وتلت كلمةَ البستاني كلماتٌ لرؤساء النقابات والتربويين، وباسم متضرري انفجار المرفأ، والمصروفين من الخدمة، والمودعين، ومتطوعي الدفاع المدني، والأساتذة المتقاعدين والمطالبين بالطعن بقانون الايجارات وتعديله.

وتوزع المشاركون الـ550 بعدها على خمسة محاور: السياسي، القانوني – التشريعي، الاقتصادي – الاجتماعي – الإداري، المالي، ومحور تنظيم التحركات.

وبعد انتهاء جلسات المحاور، اختُتم المؤتمر بإصدار بيان ختامي تضمن 26 بندًا تمحور أكثرها حول المطالبة بعموميات تنادي بها جميع مكونات الثورة والمجتمع المدني، أما البنود التي تطرقت إلى مسائل ساخنة هي محل خلاف بين اللبنانيين فبعضها لم يناقش كفايةً لضيق الوقت، وأثار الإشكال السالف الذكر، مثل البنود 4 و5 و6، التي تنص على “تحرير القرار السياسي من التبعية للخارج وإقرار سياسة دفاعية توفر القوة للجيش اللبناني” (البند 4)، و”ضرورة احترام المجتمع الدولي جميع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان بما يؤمن مصالح لبنان الوطنية العليا” (البند 5)، و”إدانة السلطة التي تسمح بانتشار السلاح المتفلت والإرهابي والعشائري والفئوي” (البند 7)، وبعضها الآخر لم يناقش أبدًا، مثل موضوعَي اللامركزية الإدارية الموسعة وقانون الانتخاب (البند 17)، وبعضها رُحِّل إلى اللجان لاستمرار الحوار حولها، كمسائل الحياد والسلاح والقرارات الدولية وقانون الانتخاب واللامركزية الإدارية والزواج المدني (البند 17).

والتقت “جنوبية” مع سامر البستاني وهو أحد منظمي المؤتمر وأحد حاضريه، الذي تحدث عن تمويل نشاط المؤتمر، والإشكالية التي حدثت في ختام المؤتمر، مشيرا انه “نحن كمجموعة من المستقلين نحاول جمع المؤمنين بالثورة ومناقشة الأمور التي لا نتفق عليها ثم وضعها للحل لاحقًا بين أيدي لجان المتابعة. أما ما أُثير عن موضوع التمويل، وأن المؤتمرات لا تكون في الأوتيلات وما أشبه هذا الكلام، فأؤكد أن التمويل كان من جيوبنا الشخصية، ونحن كنا مرغمين على استئجار قاعات كبيرة لكثرة الحضور وتقسيمهم على محاور في عدة قاعات وجو هادئ للمناقشات، ولأجل الصوتيات والتلفزيونات أيضًا”.

ولفت البستاني الى ايجابيات المؤتمر، قائلا ” لقد جمعنا أكبر عدد من فئات الشعب، “مصدر السلطات وصاحب السيادة” وفق الفقرة “د” من الدستور، اليمين واليسار، من يتماشى مع فكر الثورة ومن لا يتماشى، وقعدنا وتحاورنا بعمق حول الأمور الخلافية، وهذا من الإيجابيات.”

وفيما قال الأستاذ شريف سليمان خلال محاولته تهدئة المتخاصمين إن البنود الخلافية لن يتم إدراجها في البيان الختامي، تساءلت “جنوبية” هل كان في هذا البيان بنود غير الـ26 التي طالعَنا بها الإعلام اليوم وحُذفت قبل إرساله إلى الإعلام؟

وقد أجاب البستاني انه “في الحقيقة الاشكال الذي وقع لم يكن بسبب السلاح لكنه بدأ بسبب المايكروفونات واعتراض البعض على أنه لم يتكلم كفاية ومن هناك انطلقت الشرارة. أما في موضوع السلاح، فقد كان توجُّه المؤتمر والتمنّي العام هو أن تناقَش بعمق النقاط الخلافية كافةً، وخصوصًا موضوع السلاح، ونحن مؤتمَنون على توصيات المؤتمِرين، ولكن في حال لم يتم التوصل إلى نتيجة إيجابية ترضي الجميع فإن التوجه كان ترحيل النقاط الخلافية إلى لجان المتابعة”

واشار ان “موضوع السلاح من أكبر المواضيع الخلافية، وهو برأيي وتحليلي الشخصيين إقليمي ودولي بامتياز وليس داخليًّا، ولن نستطيع التقدم أو تقرير شيء في شأنه، بل هو يُفرض علينا”. مضيفا “أما السؤال عن البيان فإنه فعلًا صدر، ثم أُتْبِع بملحق تصحيحي اليوم (الثلثاء) للبنود 1 و4 و5 و17، حيث ذُكر ترحيل المواضيع الخلافية بما فيها السلاح في البند 17، وكانت القرارات الدولية مذكورة بالاسم في البنود الأولى، ليس ما يخص لبنان منها فقط، بل ما يخص فلسطين أيضًا ويتأثر به لبنان، كالقرارين 181 الذي قسم فلسطين دولتين عربية ويهودية، و194 الذي ينص على حق الفلسطينيين بالعودة والتعويض، ثم ذُكرت بصفتها (قرارات دولية) نزولًا عند رغبة المؤتمرين”.

واستبعد البستاني ان يكون هناك يدًا للسلطة في ما حدث في ختام المؤتمر، قائلا “لا أعتقد وإلا لضغطت على الفندق كي لا يستقبلنا، وبالأخص لأننا صرحنا بأننا نريد إقامة مؤتمر وطني ثوري للإنقاذ”، مضيفا” تحليلي الشخصي أن ما حدث ناتج عن شخص تحدّث وأراد الكلام أكثر وأعطى رأيه في موضوع السلاح فأثار مشكلة ثم انتهت المسألة هنا”. وتابع “أما عمل اللجان، فأؤكد لك تأكيدًا مطلقًا النيةَ في تشكيل لجان للمتابعة، فالمؤتمر اكتسب شرعيته الثورية من الشخصيات والنقابات التي شاركت ومنطوق كلماتها بعض النظر عن انتماءاتهم السابقة أو الحالية”.

خضر الأحمد

ما قال البستاني لـ”جنوبية” لا يوافق على بعض نقاطه الناشط في حزب “سبعة” خضر الأحمد، الذي كان حاضًرا في المؤتمر من بدايته وأبدى لموقع “جنوبية” العديد من الملاحظات.

وقد اشار الأحمد ان المؤتمر كان محاولة جيدة مبدئيًّا، أما الأخطاء فهي برأيي تمثيل النقابات بأشخاص معروفين حزبيًّا، والسماح لأيٍّ كان بالمناقشة، فالإشكال الذي حدث كان بسبب جمعهم عددًا كبيرًا معًا، الدكتور والبروفيسور المثقف الذي يعلم تمامًا ما يقول في الحرب والعامي “الهمشري” الذي لا يمتلك أي أبعاد استراتيجية ويتكلم في السياسة، فخطأٌ عدم إجراء “فلترة” لتصنيف الناس مجموعات برأيي”.

واضاف الاحمد انه “من الأخطاء أيضا أن البيان الختامي كان محضَّرًا مسبقًا ولم يصدر عن النقاشات، كما أن الشخص الذي قرأ البيان كان متلعثمًا جدًّا. وكذلك ثارت انتقادات كثيرة للانطباع الخاطئ الذي أعطاه إعلان أن كلمة الإعلامية التي بدأت اللقاء هي باسم “الثوار” على رغم أنهم لم يُعْلِمونا بها. كان يجب أن يرسلوها إلينا وإبلاغنا بأنها ستكون باسم الثوار ولكن بإلقاء كارين البستاني وليست هي من كتبها، وفسح المجال لمن يريد الاعتراض أو التعديل”.

وقد نفى الأحمد ان يكون قد اطلع هو وحزب “سبعة” وغيره من الثوار على افتتاحية المؤتمر، قائلا ” لو لم يقولوا إن كارين ستلقي كلمة “الثوار” لم يكن ليعلِّق أحد على الموضوع. في الحقيقة هناك من اعترض من الثوار صباحًا على أنه يحق لهم كما الأحزاب بكلمة، فقالوا لهم إن كارين ستلقي الكلمة باسمهم، ولكن نحن لم يكن لدينا علم بالموضوع”.

وحول بتوزيع الكلمات حصرًا على شخصيات لديها انتماء حزبي سابق أو حتى حالي، قال الأحمدانه “ممكن أن هذا حدث، لكن مهمتنا كانت الحضور وليس الاعتراض كي لا نسمَّى من المعرقلين. نحن حضرنا وسنرفع انطباعنا إلى الهيئة التنفيذية في “سبعة” وهي تقرِّر مجتمعةً إن كانت ستسير مع هذا اللقاء أو لا”.

وعما اذا كان ما حدث بالصدفة أم أنه كان محضَّرًا، اشار الأحمد انه “سمع أشخاصًا في الصالة يتحدثون أن الذي جاء من الخارج وافتعل المشكل أنزل على صفحته على “فايسبوك” بعد أن أرسلوا إليه صورة بأن المؤتمر ينوي مناقشة القرار 1559، أنه “نازل لفرجيهن” (قادم لأُريَهم)”.

الى ذلك لفت الأحمد انه “وصلتنا أسماء كثيرة عليها علامات استفهام، لكننا قررنا الحضور لبناء رأي وكي لا نكون معرقلين، وكنت مستمعًا فقط، وقد قدمت انطباعي وخلاصاتي وتصوري عن المؤتمر من “أ” إلى “ي” إلى الهيئة التنفيذية.”

السابق
بيان مشترك للحكومة الأميركية و«الأمم المتحدة» حول مفاوضات الترسيم.. اليكم التفاصيل!
التالي
نصرالله يطلّ غداً.. هل يتطرّق الى المستجدات السياسية؟