حارث سليمان لـ«جنوبية»: قيم جديدة رسّختها ثورة 17 تشرين.. ماذا عن الأخطاء؟

في ذكرى مرور سنة على الثورة المعيشية التي إندلعت في 17 تشرين أول عام 2019، وما تلاه من تغيرات سياسية وإقتصادية ومالية، يُشرّح الناشط السياسي الدكتور حارث سليمان المحطات السياسية والشعبية التي مرّت بها الثورة على مدى عام، قائلاً لـ “جنوبية” “أن ثورة 17 تشرين أصابت في كثير من الخطوات التي قامت بها وهناك العديد الانجازات التي حققتها وأولها فضح التحالف القائم في السلطة ووضعه في موضع الاتهام وجعله في موقع الادانة داخليا  وخارجيا”.

اضاف: “هذه السلطة التي كانت تتمتع في العام 2018 بولاء شعبي كبير حصده في الانتخابات النيابية الاخيرة، تغير وضعها اليوم بمعنى أن الناس يتهمون السلطة وأهلها عن مسؤوليتهم عن الكارثة المالية والاقتصادية وإستمرار الفساد وتحويله إلى نمط عيش”.

ويشير إلى أن “الناس أصبحوا بشكل عام في المجالات الاعلامية والسياسية والفكرية يتوجهون بالادانة للسلطة، وحتى أطراف السلطة أنفسهم باتوا يتقاذفون التهم في ما بينهم، بمعنى أن السلطة إعترفت بجريمتها وسعى كل طرف منها للتخلص من مسؤوليته في هذه الجريمة وهنا يمكننا القول أن الثورة نجحت نجاحا كبيرا في وضع السلطة في قفص الاتهام والادانة”.

 يضيف:”الانجاز الثاني الذي حققته الثورة هو حملها لقيم جديدة ، ففي العام 2018 كانت القيم التي تسود في لبنان ترتكز على الولاء للزعيم والانتماء الطائفي ومحاولة الاستفادة من الدولة والمشاركة في كعكة الفساد ومقايضة الولاء للزعيم مقابل الخدمات الاساسية للمواطن من وظيفة وتعليم والطبابة والزفت، وكان اللبناني يظهر الولاء للزعيم حتى يحصل حقوقه الطبيعية بالعيش الكريم”، مشيرا إلى أن “الثورة جاءت ووضعت معها قيم جديدة نبذت الطائفية  وشددت على المواطنة بإتجاه بناء دولة مدنية وقانون المؤسسات وأدانت الجريمة وطالبت بإستعادة الاموال المنهوبة وأدانت العنف وإلتزمت بالثورة السلمية وأعلنت الخروج من  ثورة الزعيم، (بالرغم من وجود فئة حافظت على ولائها لزعيمها وأخرى وضعت نفسها بمنزلة بين المنزلتين) لكن الخطاب الاساسي كان هو الخروج من عباءة الزعيم وأحزاب السلطة، وهذه قيم جديدة لا يمكن التراجع عنها وباتت راسخة في وعي الناس”.

يشير سليمان إلى أن “الثورة وجهت من خلال فعالياتها ومبادراتها الضوء على مكامن الفساد في الدولة كالكهرباء والاتصالات والطاقة والضمان الاجتماعي وكانت فعاليات الانتفاضة تنتقل من موقع إلى آخر وتسمي الفاسدين بالأسم وإستطاعت أن تحتل الفضاء الاعلامي”، لافتا إلى أن “السياسيين باتوا إما في موقع الدفاع أو الإدانة و المطاردة ولم يعودوا يتمكنون من التجوال بحرية والمشاركة في الحياة العامة، بعدما كانت الحياة السياسية تدور حولهم  وبات الفضاء العام موجها حول حقوق الناس في التعليم والطبابة والعيش الكريم وتغيرت القضايا، فقبل الثورة كان الاهتمام يصب حقوق المسيحيين التي يحاول جبران باسيل إسترجاعها و حقوق الشيعة التي يحاول نبيه بري حفظها، اليوم الامور تغيرت وصار المواطن هو محور الحياة السياسية و ليس إنجازات الزعيم”.

يضيف:”الثورة إستطاعت أن توجد مكان في صفوفها الامامية للمرأة والشباب وهناك قطاعت واسعة من الناس لم يكونوا يهتمون بالوضع السياسي، إنخرطوا بعد الثورة بالعمل السياسي وباتوا في مقدمة الصفوف في الثورة، كما تحول الفساد إلى إتهام وإدانة بعد أن كان نوعا من الشطارة”.

أخطاء الثورة

في المقابل يتطرق سليمان إلى أخطاء الثورة فيقول:”أولا قسم من هذه الثورة كان يعتقد أن التغيير في لبنان أمر سهل وان أهل السلطة المتواجدون في مواقعهم سيسهل إقتلاعهم, هذا كان وهم وأثبتت الاحداث أن هذه الطبقة ستظل تقاتل حتى آخر رمق في عروقها، هناك قسم آخر كان يعرف أن مشوار الثورة طويل ولا يمكن وضع هذا الامر بخانة الخطأ بل بخانة الاختلاف في تقدير الموقف لبعض الشرائح “.

يضيف:”الخطأ الثاني هو أنها لم تتحول إلى أداة سياسية تبغي التغيير، داخل الثورة حصل تردد بين الطلب من هذه السلطة تحقيق مطالب الشعب اللبناني أو أن ننجز أداة بديلة لها وتسقطها والى الان الثورة لم تحسم أمرها بين هذين الخيارين، وبرأيي علينا أن لا نطلب من هذه السلطة شيء سوى أن ترحل لأنها غير صالحة لإدارة البلد والدليل هو إنفجار مرفأ بيروت الذي أعلن فشلها بشكل قاطع إضافة إلى فشلها في القطاعات الاخرى”، معتبرا أن  “الحل هو تحويل رموز هذه السلطة الى السجن والمحاكمة وعلى الثورة أن تبني الاداة التي تمكّنها من إنجاز هذه المهمة وهذا الامر كان يجب أن ينفذ منذ إنطلاقها ولا يزال الوقت متاحا للقيام به في المرحلة المقبلة، لأن الثورة لا يجب أن تكون فقط لإعلان الغضب من الفساد والمطالبة بسلسلة من المطالب بل أن تكون الثورة تبني سلطة بديلة” .

يعتبر سليمان أن “السلطة البديلة تكون عبر الانتخابات النيابية ولذلك أصر أهل السلطة على رفض هذا المطلب وعلى رأسها حزب الله وحركة أمل في المبادرة الفرنسية كونهم هم من يدير السلطة في لبنان، لأن الانتخابات يمكن أن تنشئ أداة بديلة عنهم”، مشيرا إلى أن “الصراع يتم في هذه النقطة وهو كيف يمكن أن ننتج أداة بديلة نصل فيها للإنتخابات أو أن نهيئها حتى تكون جاهزة مع موعد الانتخابات النيابية القادمة والتحدي الاول للثورة هو تحولها إلى أداة لتغيير السلطة وتكوين سلطة بديلة منذ الان وتكون الانتخابات المقبلة تتويج لعملية التغيير”. 

 يضيف:”النقطة الثانية التي لا تزال ملتبسة وتحتاج إلى حل هي علاقة الثورة بالقضاء والجيش، القضاء حتى الان لم يتحول إلى قضاء يطبق القانون فقط ولا يطبق تعليمات أهل السلطة، ومن المفترض بالقضاء في ظل عملية تغييرية أن ينفذ القانون وليس رغبات السلطة”، لافتا إلى أن “القضاء لم يتصدى لأي حالة فساد بالرغم من الكلام عن حجم الاموال المهدورة والسرقات أو يحاسب أي مرتكب بل على العكس قام إعتقال نحو 600 ناشط سياسي ليحاكمهم على آرائهم وتحركاتهم تجاه السلطة”. 

ويختم:”لم تستطع الثورة حل مشكلة علاقتها مع الجيش، المؤسسة العسكرية هي مؤسسة  وطنية مهمتها الدفاع عن الوطن وحماية النظام الديمقراطي وممتلكات المواطنين وليس الدفاع عن أهل السلطة وعدم الانحيازلأي طرف ولكن حتى الان دور الجيش ملتبس، ومشكلة السلطة انها كانت لديها نوعين من الممارسات العنفية ضد الثوار وكانت تدفع بالجيش لقمع المتظاهرين وكانت أيضا تستعمل الميليشيات لمواجهتهم وهذا ما شاهدناه من خلال الهجوم على خيم المتظاهرين وحرقها” .

السابق
أفضل طريقة للإستيقاظ بسهولة دون منبه!
التالي
مكرم رباح لـ«جنوبية»: المراهنة على قدرة الثورة تدمير النظام لوحدها حلم منقوص!