الحريري «يهب» لإنقاذ الحكومة.. ماذا عن أديب؟

سعد الحريري ومصطفى اديب

بعد رفض الثنائي الشيعي تسمية رئيس تكنوقراط على رأس حكومة من الاختصاصيين المستقلين سياسيًّا، وإصراره على التمثُّل ضمن حكومة تكنوسياسية وتسمية وزرائه بنفسه، وهو موقف تعمّد “الثنائي” إعادة التذكير به بعد طرح اسم الرئيس الحريري مجدَّدًا للإتيان –كما يروَّج- بحكومة تكنوقراط محايدين تلتزم شروط المبادرة الفرنسية مع خرق وحيد ذكره الحريري في شكل واضح في مقابلته مع برنامج “صار الوقت” وهو أن المبادرة ستطبَّق من دون بند الانتخابات النيابية المبكرة، وبموافقة الرئيس ماكرون نفسه، تثار تساؤلات ملحّة عن إمكان نجاح الحريري هذه المرة في ما فشل في تحقيقه مصطفى أديب مع تشابُه مشهدَي التشكيل لدى الرجلين من حيث الظاهر، وبخاصة مع الوضوح الشديد للجو الذي تتم فيه تحركات الحريري، وهو مشهد الابتعاد بمسافة ملحوظة عن حليفيه السياسيين “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وتقرُّبه، أو بتعبير أصح تقرُّب الثنائي الشيعي منه، الذي يرسل إشارات واضحة بدعم ترشيحه (كانت إحداها عبر نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي الذي توقع تكليف الحريري الخميس المقبل) ربما لاستدراجه نحو فخ التكليف ثم المراوحة القاتلة للوقت في التأليف انتظارًا لنتائج الانتخابات الأميركية، التي لا تزال يفصلنا عنها ثلاثة أسابيع (تجرى في 3 تشرين الثاني المقبل)، مع الأخذ في الاعتبار ما أشارت إليه صحيفة “واشنطن بوست” من أن إعلان اسم الرئيس الفائز قد يتأخر أيامًا، وربما أسابيع، بسبب انتشار مرض كورونا فى أميركا، وكذلك تقرُّبه (الحريري) من رئيس الجمهورية وحزبه التيار الوطني الحر، ومحاولته ترميم العلاقة معهما بهدف الوصول إلى أكثرية داعمة في الاستشارات.

تساؤلات عن إمكان نجاح الحريري في ما فشل في تحقيقه أديب

قفزة في المجهول أم نتيجة للترسيم؟

فهل طرح الحريري نفسه بهذه الطريقة قفزة غير مدروسة في المجهول ومحاولة أخيرة لإثبات الوجود بعد أن أحرقته أو تكاد الرياح الخماسينية السياسية الحارة  لسياسته السابقة أولًا ثم للصراع الأميركي الإيراني، أم أنه نتيجة ضوء أخضر إقليمي- دولي، وتحديدًا سعودي- أميركي- فرنسي بعد ترسيم الحدود مع إسرائيل وإكرامًا لـ”المحور” الذي أنجز هذا الترسيم؟

اقرأ أيضاً: الحريري يُطلق مشاوراته الحكومية..لقاءان بعون وبري غداً


تأجيل الاستشارات حتمي

وهناك قول وجيه متداول في بعض الأوساط السياسية يذهب إلى أن مصير الاستشارات صباح الخميس المقبل سيكون التأجيل الحتمي، نظرًا إلى عوامل عدة تواجه الحريري في حال قبِلَ التكليف، وهي: هل سيرضى عون مع تسمية الثنائي وزراءه بألّا يسمّي بالمثل؟ أو على الأقل العودة إلى مقولة “إما جبران وسعد جوّا أو جبران وسعد برّا”؟ وهل سيقبل عون بتسلم الحريري الرئاسة من دون وعود واضحة منه بمحاسبة حاكم البنك المركزي رياض سلامة تمهيدًا لإزاحته؟ وهل سيرضي “حزب الله” بعد التنازلات المسبقة التي فرضها في وجه كل متقدّم إلى رئاسة الحكومة العتيدة حتى باتت في حكم المسلَّم وتحصيل الحاصل، برئيسٍ يسير وفق مقتضيات خطة ماكرون التي طالبت بالموافقة السريعة على مطالب صندوق النقد الدولي بـ”الكابيتال كونترول” بعد موقف أمينه العام برفض شروط صندوق النقد، ورفض مسألة تحرير سعر صرف الليرة، ورفض أي ضرائب جديدة وكل النقاط التي يريد صندوق النقد فرضها؟وهنا لا بد من طرح سؤال حقيقي: ألا تمثل موافقة الحريري على هذه الشروط تنازلًا جديدًا وإسقاطًا لكل مواقفه السابقة، وبالتالي انتحارًا سياسيًّا؟

عوامل عدة تواجه الحريري في تحمل بذور فشل الاستشارات

الوضوح مقابل الغموض

كان الوضوح التام لتحركات الرئيس المكلف السابق مصطفى أديب هو منبع الارتياح الشعبي الذي ساد الأيام الـ27 للتكليف ثم المشاورات، وأخيرًا الاعتذار، فيما يشوب  الغموض اليوم  تحركات الرئيس الحريري ، فإضافة إلى التكتم والعمل بصمت اللذين وسما عمل أديب، إلى درجة عدم تقديمه إلى رئيس الجمهورية في زياراته الست إلى قصر بعبدا أي أسماء لوزراء مقترحين، وحتى بيان الاعتذار كان شديد الوضوح في تبيان السبب، وهو أن قبوله “تشكيل حكومة إنقاذ ذات مهمَّة إصلاحية مُحددة ومفصلة” كان على أساس عدم تخطيه “مهلة الأسبوعين”، وعلى أن تكون “حكومة اختصاصيين ليس من بينهم ذوو انتماءات حزبية أو مَن تسميهم الأحزاب”، وهي مواصفات “وافقَت عليها الكتل الرئيسية في المجلس النيابي والتزمت بها في اجتماع قصر الصنوبر مطلع الشهر الجاري أمام الرئيس فرانسوا ماكرون”، كما وافقت على “الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية اللازمة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمر الحكومة” والتزمت “بدعمها في المجلس النيابي”.وكذلك يتابع أديب في بيان الاعتذار أنه فور شروعه باستشارات التشكيل وتفاؤله بإعلان عدد من الكتل أن لا شروطَ لها سوى التزام برنامج الإصلاحاتِ الذي “شكَّلَ مسودة أولى شِبهَ جاهزة” للبيانِ الوزاري لحكومته، التي طلب من جميع الأسماءِ فيها “تعهدًا قاطعًا” بعدم ولوج أيِ شأن سياسي، بمعنى التفرغ في شكل كامل للإصلاحات، وفقط الإصلاحات، وأبلغ جميع الكتل النيابية بذلك، وبأنه ليس “في صددِ إيثار فريق على آخَرَ أو اقتراح أي أسماءَ مستفزّة مهما بلَغَت كفاءاتها، ما قوبل بارتياح الجميع”… “تبيّن لي مع وصولِ التشكيل إلى مراحله الأخيرة أنَّ التوافقَ الذي على أساسه قَبِلت المهمة لم يعد قائماً، وأنَّ تشكيلةً بالمواصفاتِ التي وَضَعتُها باتَت محكومةً سلفاً بالفشل”.


 وضوح تحركات أديب منبع ارتياح شعبي خلال التكليف


ونفى أديب في حديث متلفز لاحقًا “ما نُقل [في موقع إلكتروني مقرّب من العهد] عن محضر لقاءٍ معي [قَصَدَ لقاءه والخليلين] بأنه غير دقيق عل الإطلاق”، وكان هذا الموقع نقل أن لقاء “أديب – الخليلين” لم يكن ناجحًاً، وأن الرجلين لمسا تصلباً غير عادي من أديب، الذي بقي متمسكاً بتسمية الوزير الشيعي لحقيبة المالية وحده، رافضًا فكرة الـ10 أسماء من “الثنائي” للاختيار منها، ما تسبب في توقف الجهود ثم اعتذار اديب. ويجدر بالذكر في هذا المقام أيضًا ما نقله موقع إلكتروني آخر عن مقربين من أديب، أنه سمع ملاحظة من الرئيس عون في لقائهما الأخير ربما كانت السبب الرئيسي في حسمه قرار الاعتذار، ومفادها أنّه في حال سَمَحَ لـ”الثنائي الشيعي” بتسمية وزرائه، فإن هذا سيفتح “شهيّة” بقيّة الأطراف لتسمية وزرائها أيضًا.


منبع عُقَد التعطيل

أما واضع عقدة “وزارة المال للشيعة” في منشار أديب، وخارق “التوافق” الذي تم التعهد به له ولماكرون في قصر الصنوبر، وصاحب أطول مدة في حكم برلمانات لبنان منذ إنشائه قبل مئة عام، بل العرب قاطبة، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتنطّح اليوم بتأييد الحريري، والذي أصدر مكتبه الإعلامي وقتها بيانًا مقتضبًا جاء فيه أن “لا أحد متمسك بالمبادرة الفرنسية بقدر تمسكنا، لكنهم أغرقوها في ما يخالف الأصول المتبعة، فروح المبادرة وجوهرها هي الإصلاحات، والمجلس النيابي أكثر المتحفزين لإقرارها”، فقد أوكل أحد صغاره، “مفتيه” الأرعن، ليقول ما لا يستطيع بري قوله، فحمّل مسؤولية “تفجير المبادرة الفرنسية” إلى اعتذار أديب، معتبرًا أن “الضربة القاضية” لها كانت بسبب “الإصرار على استبعاد الثقل السياسي عن عملية التأليف”، وداعيًا “كل القوى للمبادرة إلى قطع الطريق أمام أي استثمار دولي… والبعد عن لعبة الأمم ومؤامراتها على لبنان”، وأعلن “التمسك بالمبادرة الفرنسية ولكن من خلال حكومة تتمثل فيها كل القوى”.وبعد إفشال المبادرة الفرنسية، أكّد مصدر مقرب ممن ملأ دنيا اللبنانيين وشغل ناسهم ردحًا من الزمن ولا يزال، الرئيس ماكرون، كما ذكرت قناة تلفزيونية شهيرة نقلًا عن “رويترز”، أن الرئيس الفرنسي رأى في اعتذار أديب “خيانة جماعية من الأحزاب السياسية في لبنان”، كما انتقد المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش في تغريدةٍ عالية النبرة “هذه الدرجةَ من قلة المسؤولية حين يكون مصير لبنان وشعبه على المحك”، وتوجّه إلى المسؤولين اللبنانيين بالقول: “هل فوّتم فعلًا الفرصة الأخيرة التي أوجدتها فرنسا؟ متى ستوقفون هذه اللعبة المعتادة؟”…وحتى الرئيس الحريري قال في بيان وقتها لـ”المصفقين اليوم لسقوط مبادرة ماكرون إنكم ستعضون أصابعكم ندماً”، معترفًا بأن “الإصرار على ابقاء لبنان رهينة اجندات خارجية بات امراً يفوق طاقتنا على تدوير الزوايا”… فكيف يضع يده اليوم في أيدي هؤلاء؟ وعلى أي أساس؟

كيف يضع الحريري يده يده بيد  و”أصحاب الأجندات الخارجية” ؟!


وإلى أين يتجه لبنان الأيام المقبلة، وخصوصًا مع إعلان نتائج الانتخابات الأميركية؟ هل ستصدر عن الإدارة الجديدة، أيًّا كان رئيسها، لائحة العقوبات التي لطالما راج الحديث عن أنها ستطاول شخصيات ذات مستوى رفيع من حلفاء “حزب الله” وربما تطاول إلى جبران باسيل وسليم جريصاتي أولاد نبيه بري وبنات ميشال عون، أم أن حبر الترسيم تحول ممحاةً لحبر اللائحة الموعودة؟ أسئلة سوف تتكشف أجوبتها مع الأيام، فلنترقبْها.

السابق
«قادمون على أسبوعين كارثيين».. هذا ما حذر منه نقيب المستشفيات!
التالي
خلية لمتابعة مفاوضات الأربعاء.. وشنكر اول الحاضرين