«الممانعة» تُفاوض.. «الأمر لي»!

علي الأمين
في زمن تساقط أوراق "التابوهات" اللبنانية و الاقليمية، التي لطالما كانت شعارات جوفاء رنانة يتلطى خلفها الزعماء بإنتظار اللحظة المناسبة لمحاولة النجاة بأنفسهم، فعلها فريق الممانعة وفي مقدمه "الثنائي الشيعي"، وبدا كمن يقول بصراحة وحماسة شديدتين.." الأمر لنا بموضوع إسرائيل في الحرب كما في التفاوض وما هو ممنوع على الدولة لا ينسحب علينا"!

توقيت الرئيس نبيه بري الاعلان عن الاتفاق على اطار التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان واسرائيل، لم يكن عفويا ولا نتاج تفاوض على هذا الاطار مع الراعي الاميركي، واي متابع لهذا الملف، على رغم الجهود التفاوضية التي بذلت من العام ٢٠١١ وحتى قبلها، كان يدرك ان قرار الترسيم هو قرار سياسي، لا يرتبط بحجم الخلافات الحدودية بين الطرفين، اي ان ترسيم الحدود هو خطوة سياسية تفترض الاقرار والاعتراف بحقوق كل دولة تحت شروط القانون الدولي والعلاقات بين الدول سواء كان هناك علاقات دبلوماسية بينهما او لا.

مقتضى الاقرار بمبدأ الترسيم والانخراط في المفاوضات، يعني ان الطرفين يلتزمان باحترام ما يتوصلان اليه من خريطة الترسيم، وعدم القيام باي اجراءات او خطوات يدرجها القانون الدولي كفعل عدوان على الطرف الآخر.

لبنان ذهب متحمسا الى هذه الخطوة، ومن بوابة الرئيس نبيه بري، وليس اي طرف آخر، كالحكومة اللبنانية باعتبارها السلطة التنفيذية، ولا رئيس الجمهورية الذي يوكل اليه الدستور واجب الاشراف والتوقيع على المعاهدات الخارجية.

الرئيس بري الذي تولى ادارة هذا الملف بالتنسيق العضوي مع “حزب الله”، يدرك ان هذا المسار المتصل بالعلاقة مع اسرائيل، انتقل من الادارة السورية التي تحكمت بهذا الملف في زمن مقولة وحدة المسارين اللبناني والسوري، بعد انطلاق مفاوضات مدريد في العام ١٩٩٢ بين دول عربية واسرائيل برعاية واشنطن، الى مرحلة ادارة طهران لهذا الملف منذ ما بعد العام ٢٠٠٥. من هنا لا يمكن فصل موقف الرئيس بري عن موقف السيد حسن نصرالله، ولا يمكن عزله عن الرعاية الايرانية لهذا الاتفاق.

ولعل من ابرز المخاطر التي يتخللها الذهاب في هذا المسار لبنانيا اليوم، يكمن في فهم اسباب الاندفاعة لدى “الثنائي الشيعي” الى توقيت هذا الاعلان اليوم، وليس قبل سنوات، وفي ظروف افضل للبنان مما هو فيه اليوم؟ 

ليس مقنعاً ان يقال ان لبنان في ظل الانهيار الذي يعانيه على كل المستويات حقق في شروط التفاوض ما لم يستطع تحقيقه قبل خمس سنوات، منطق موازين القوى والسياسة لا يقبل ذلك، وبالتالي فان الأقرب الى المنطق العقلي هو قبول لبنان ما هو معروض عليه من واشنطن وربما اسرائيل. المخاطر تكمن هنا في المفاوض اللبناني الذي يذهب نحو التفاوض مع اسرائيل، فيما سيف العقوبات لا يزال مسلطا، و لامس الرئيس بري وحلفاء الحزب الممسكين بهذا الملف ومن خلفهم ايران، قد رضخوا او قايضوا عملية التفاوض بحسابات ضيقة ولأولويات غير لبنانية. 

ما يعزز من هذه الفرضية، هو ما نقله مساعد وزير الخارجية ديفيد شنكر عن تقييمه للاتصالات التي يجريها على هذا الصعيد، وقبل اكثر من عام، اذ قال في لقاءات متعددة، ان قرار المباشرة بالتفاوض حول الترسيم منجز، وان لبنان هو من يتمنع عن المباشرة بالتفاوض لانجاز الترسيم البحري، وهو لم يخف استياءه من “اضاعة الوقت التي لن تكون لصالح لبنان”.

وفي زيارته الأخيرة قبل اسابيع الى لبنان، رفض شنكر لقاء المسؤولين اللبنانيين ومن بينهم الرئيس بري، واستجاب اخيرا لطلب لقاء من مستشار الرئيس بري علي حمدان، وكان لقاء بحسب المعلومات، طمأنة واشنطن الى ان لبنان على وشك الاعلان عن موافقته على اتفاق الاطار، ورفض شنكر خلال اللقاء اي محاولة لما سماه “تضييع الوقت” بعدما رفض نقل اي شروط او ملاحظات كان حملها حمدان اليه، واضعا شنكر اياها في اطار المماطلة، معتبرا ان ما انجز هو المعروض فاما يوافق لبنان او يرفض.

ليس خافيا ان الرئيس بري كان اعلن غداة انفجار ٤ آب عن انجاز اتفاق الاطار، ولا يمكن فصل هذا الاعلان في توقيته عن تداعيات الانفجار نفسه، كما كان الاعلان عن الاتفاق في توقيته الاحتفالي وقبل مجيء شنكر الى بيروت غير مفصول عن الرسائل التي اطلقها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو من على منبر الامم المتحدة ضد لبنان ولا سيما في ملف مخازن الاسلحة بين المدنيين، والمسبوق بالتفجير الغامض في بلدة عين قانا في اقليم التفاح، هي حلقات متصلة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، لكنها مهما كانت فان الخلاصة ان لبنان يذهب نحو الترسيم في ظرف عام لا يحسد عليه، بعدما كان قادرا ان ينجز هذه المهمة في ظرف سياسي ووطني واقتصادي افضل.

في المقابل فان ما يغري اسرائيل وربما واشنطن، ان الثنائية الشيعية هي من يفاوض وهي من سيوقع، ايّا كانت الشخصيات التي تجلس على الطاولة، وهذا بالنسبة للاسرائيليين يوفر ضمانة لأي اتفاق على هذا الصعيد في حال تم انجازه. لكنه في المقابل هو رسالة غير مرضية نحو الداخل اللبناني، انطلاقا من ان الاطراف الاساسية الممسكة بزمام السلطة والتي تتحمل المسؤولية الكبرى تجاه الأزمة المالية والسياسية، هي من تسابقت من اجل انجاز اتفاق الترسيم، وهي في ذلك تؤكد مجددا المزيد من الليونة والاستجابة لمطالب الخارج، فيما لاتزال مصرة على التشدد تجاه مطلب الاصلاح وحلّ الأزمات الداخلية، كما فعلت مع المبادرة الفرنسية، هكذا سلطة لن تطمئن اللبنانيين، طالما ان ما يحركها ليست مصالح الدولة، بل حسابات حزبية ضيقة وشخصية انانية هي من يقرر مصير لبنان ولا تزال..

السابق
هذا ما جاء في مقدمات نشرات الأخبار المسائية لليوم4/10/2020
التالي
الإستهتار يفاقم الهجمة «الكورونية» الشرسة..وتساؤلات عن حصار وتجويع الجنوبيين!