مقومات المشروع السياسي لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» لإدارة الأزمة اللبنانية الإجتماعية الإقتصادية الراهنة

اقتصاد لبنان

كتاب: ” إقتصاد ودولة للبنان”، هو كتاب صادر حديثا في طبعة أولى 2020 للوزير اللبناني السابق والكاتب شربل نحاس . وهذا الكتاب الذي ترجمته إلى العربية (وراجعت وناقشت مضمونه) حركة “مواطنون ومواطنات في دولة”، (والذي يضم نصه بالعربية ونصه الأصلي باللغة الانكليزية ، (على مدى 383 صفحة من القطع الكبير)، هو من منشورات “شركة رياض الريس” في بيروت، ومنشورات “حركة مواطنون ومواطنات في دولة” في بيروت.

وثيقة سياسية موسعة

يحمل هذا الكتاب – الذي هو عبارة عن وثيقة سياسية موسعة – مقومات المشروع السياسي لحركة “مواطنون ومواطنات في دولة” لإدارة الأزمة اللبنانية الإجتماعية الإقتصادية الراهنة.

وهو كتاب مستهَلّ بتمهيد هذا نصه: بينما كانت الأزمة المالية تقرع الأبواب ، لم يغِب الهراء لحظة عن الساحة، في انفصام كامل عن الوقائع الإقتصادية والإجتماعية: الإنتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، التخصص في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، الإعتماد على المستوى التعليمي الرفيع للبنانيين، انتظار مداخيل النفط الذي سيكتشف في البحر، الخ… 

اقرأ أيضاً: مارديني لـ«جنوبية»: «الاعجوبة» الفرنسية انتهت.. وجهنم الدولار والإقتصاد فُتحت امام اللبنانيين!

ازاء هذا المزيج من الجمل الرنانة والأوهام التي طالما ساورتنا، بعيدا عن أي فكر نقدي، لا بد من السؤال: أي اقتصاد نريد للبنان وأية دولة تقود إليه؟ هذا السؤال ليس تقنيا، بل هو سياسي في الأساس، وكما يحبذ بعضهم تسميته، إنه مشروع مجتمع.

نماذج الإقتصاد اللبناني

وعلى سبيل التوضيح ، يمكننا التعرف الى أربعة نماذج للإقتصاد شهدها لبنان في تاريخه الحديث، وارتبط كل منها بتشكيلات سياسية متباينة:

  1. اقتصاد زراعة الكفاف على هامش طرق التجارة المتغيرة (حتى بدايات القرن التاسع عشر).
  2. التصنيع الأولي الريفي ، لا سيما تربية دودة القز لإنتاج الحرير (1820 – 1880).
  3. إقتصاد “كومبرادور” حول بيروت كقطب تجاري يمارس هيمنة إقليمية (1890 – 1975).
  4. إقتصاد قائم على النهب وإعادة التوزيع المقوْنَنَين (1985 حتى الأمس).

وهذا هو النموذج الذي نشهد انهيارَه أمامنا اليوم .

مرحلة إنتقالية بموجباتها الحتمية

وإن ارتبط الإنتقال من حلقة إلى أخرى ضمن هذه السلسلة بأزمات مختلفة، إلا أن أياً من هذه النماذج لم يحدده النموذج الذي سبقه.

لأن الأزمة ليست سوى مرحلة إنتقالية مفروضة، يمكن أن تؤدي إلى مآلات مختلفة، يتوجب بالتالي أن يكون توزيع الخسائر التي تكشفها، ليس عادلا فقط ، بل بالأخص هادفاً، أي أن تحكمه إرادة سياسية توجهه صوب أهداف إجتماعية إقتصادية متبلورة.

فحوى الكتاب

تهدف هذه الوثيقة (أي هذا الكتاب) إلى تحديد الخطوط العريضة “للمشروع السياسي” لـ”مواطنون ومواطنات في دولة” عبر تظهير خياراتها في إدارة الأزمة الإجتماعية الإقتصادية الراهنة. وهي (أي هذه الوثيقة – الكتاب) تتكون من سبعة فصول:

الفصل الأول: هو “مقدمة منهجية”؛ والفصل الثاني: يؤطّر: “جردة الواقع والإرث”؛ والفصل الثالث: يتوقف عند: المحدات والخيارات الاستراتيجية”؛ والفصل الرابع يضيئ: “استكشاف البدائل، وسائل العمل وسبله”؛ والفصل الخامس يستعرض: “الإجراءات المؤسسية العابرة للقطاعات”؛ والفصل السادس يعطي: “أمثلة عن الخيارات القطاعية”؛ والفصل السابع والأخير (وهو فصل مضاف إلى فصول الكتاب): يتضمن نصَّيْ وثيقتين سياسيتين نشرتهما حركة “مواطنون ومواطنات في دولة”: الأولى بتاريخ 11 تشرين الأول 2018، تحت عنوان “التحديات المالية والإقتصادية والسياسية ومسؤولية مواجهتها”، والثانية بتاريخ 17 تشرين الثاني 2019، تحت عنوان “المأساة ليست قدرا، بل قد توفر فرصة إستثنائية”.

إن المشروع السياسي البديل الوحيد هو مشروعنا هذا وقد يبدو هذا الجزم صادما لكنه صحيح بالكامل

مشهد مقلق جدا

يتسم مضمون ” إقتصاد ودولة للبنان ” بتحليل موضوعي (واقعي ، لا تنظيري ) مكثف ، تخلّل سياقَه كشف واضح لـ”الديناميات السياسية المرتبكة والمتداخلة التي تتحكم بالساحة اللبنانية”.

لذا فكان لا بد للكاتب من أن يرى “أن مشهدا مقلقا جدا يترسم في حصيلة هذا الكشف”، يصوره على النحو الآتي:

من جهة أولى، حكومة تسعى إلى الخلاص في أحضان صندوق النقد ، مستغلة هلع الناس وغضبهم ضد المصارف، ومكررة هجوماتها على الفساد وعلى عجرفة المصرفيين، ولكن من دون معرفة الآليات السياسية الفعلية وراء ما يجري، ومن دون الجرأة على صياغة مشروع سياسي بديل، ومن دون استقلالية القرار والفعل اللتين تستوجبهما إدارة انقطاع في سيرورة النظام الاقتصادي السياسي.

ومن جهة ثانية، مصرف مركزي يؤكد قدرته ، مع المصارف، على استعادة اللحن نفسه الذي تعود عليه النظام الإقتصادي السياسي ونام مطمئنا إليه طوال ثلاثين سنة، وإن على مقام أقل بهجة. تستفيد هذه “الجبهة” من دعم الطاقم السياسي (والديني) بغالبيته العظمى، إنما عليها مواجهة تمرد الناس، فتضطر للركون إلى حجج تستعيرها من المعجم الطائفي ومن معجم صراع المحاور الإقليمي والعالمي ورمزه ثنائية إيران والولايات المتحدة الأميركية.

يتشارك التوجهان، في سعيهما للتطبيق على الوقائع، ولو اختلفا على المسرح السياسي، بأن كليهما يراهن على تسليم طرف ثالث تسليما كاملا بقدره، وهذا الطرف ليس سوى المجتمع، فهما يطالبانه بالتكيف مع إفقار شديد ومديد، مع البقاء تحت سطوة النظام السياسي نفسه. المرجح أن ذلك لن يحصل من دون ضبط أمني مقتدر. وإلا يرجح أن تسير الأمور إلى تفتت البلاد وتقاسمها بين التنظيمات الطائفية، على تفاوت درجات تنظيمها وتسلحها.

يحتاج أصحاب هذين التوجهين أيضا، لتطبيق أي منهما على الوقائع، لقرارات ليست بيدَي أي منهما. قرار داخلي أولا، يفترض اتفاقا بين حزب الله وسائر الزعماء الطائفيين للسماح بإقامة آليات الضبط الأمني، وقرار خارجي ثانيا، يفترض اتفاقا بالحد الأدنى بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران للسماح بورود بعض التمويل الخارجي ولرعاية الترتيب الأمني.

المؤشرات ليست مشجعة. فموقف حزب الله المهادن وتنازلاته لم تخفف من عدوانية فريق دونالد ترامب. المراهنة على عدم نجاحه في الإنتخابات الرئاسية في الخريف جزء من الحسابات. الأشهر القادمة سوف تشهد مفاوضات مالية وسياسية وأمنية في الكواليس. ولكن ما سيبقى من البلد؟

يتمحور هذا الكتاب حول: أي اقتصاد نريد للبنان وأية دولة (تكون للبنان) تقود إليه

حكومة هي واجهة لمفاوضات ملتبسة

في هذا الوقت، جلي أن حكومة حسان دياب ليست إلا واجهة لهذه المفاوضات الملتبسة وأن فعلها، فيما عدا إدارة جائحة الكورونا، يقتصر على إفساح المجال أمام الفاعلين الحقيقيين لإنضاج أفعالهم، وهي أفعال سوف يكون اللبنانيون ضحاياها.

هل يمكن التعرف ، في أي من التوجهين، على برنامج اقتصادي سياسي متمايز وعلى فعل مخطط؟

جوابنا لا.

اقرأ أيضاً: المجذوب يكشف الوجه الآخر لـ«بو صعب» ويفضح فساد وزارة التربية

ما يحتل الساحة هو، من جهة الكتل السياسية التي تحرك الحكومة، سلسلة من التصرفات المتقطعة من دون سياق، يدفع إليها إيحاءات أو رهانات خارجية. ومن جهة مصرف لبنان المدعوم من القوى المعارضة للحكومة (حتى لو تمثل بعضها فيها)، معرفة ومقدرة إجرائية تنوب عن غياب المشروع وتترافق مع مخاطرات سياسية متصاعدة.

نقول إن المشروع السياسي البديل الوحيد هو مشروعنا.

قد يبدو هذا الجزم صادما لكنه صحيح بالكامل لأنه يعبر عن عجز النظام السياسي الفعلي عن تحمّل فكرة ممارسة المسؤولية العامة، عن النظر إلى المجتمع بوصفه واقعا متغيرا يفرض نفسه، وعن التعامل مع الخارج بوصفه خارجا. ومن هنا كانت فكرة الكتاب وعنوانه.

السابق
«من بشار الى نصرالله الى بري».. ديما صادق: هذا هو نهج مقاومة الاستبداد والارتهان!
التالي
جديد تحقيقات المرفأ.. مذكرتا توقيف غيابيتان وطلب من الإنتربول!