الذكرى المئوية لولادة «لبنان الكبير»(5): «جدلية» التهميش الشيعي من الميثاق الوطني الى «الطائف»

اتفاق الطائف
وفي 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943 حصل لبنان على استقلاله من فرنسا، كما اعلن عن "الميثاق الوطني" اللبناني، وهو اتفاق غير مكتوب وافق فيه المسيحيون على التخلي عن حماية الغرب لهم مقابل تخلي المسلمين عن المطالبة بالوحدة مع سوريا.

تمّ الاتفاق بموجب هذا الميثاق الشفوي بين أوّلُ رئيس جمهورية ورئيس حكومة بعد الاستقلال، على التوالي بشارة الخوري ورياض الصلح، على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً ورئيسُ الحكومة مسلماً سنياً ورئيسُ مجلس النواب مسلماً شيعياً، وذلك بغياب ممثل أو زعيم عن الطائفة الشيعية، ومع ذلك فلم تثر المسألة حينها اعتراضا لديهم، خصوصا بعد اعتراف دولة الانتداب بمذهبهم وتأسيس المحكمة الشرعية الجعفرية، وكذلك تمثيلهم بالوزارات التي تشكّلت في عهد الانتداب، وغني عن القول ان الشيعة كانوا منتصف القرن الماضي وكونهم سكان قرى نائية في الجنوب والبقاع أقل حظا بالتعليم والمدنية، فلم يكن فيهم عدد وافر من المتعلمين واصحاب الشهادات ليملأوا الشواغر في وظائف الدولة حين تأسيسها وبعد الاستقلال. 

اقرأ أيضاً: الذكرى المئوية لولادة «لبنان الكبير»(1): المارونية السياسية والحرمان الشيعي

النظام الدستوري العجيب! 

الفقيه الدستوري الراحل الدكتور أدمون رباط كان يردد دائما امام طلابه في كلية الحقوق الجامعة اللبناية، ان ما حدث بالنسبة للدستور اللبناني أمر لا يتكرر في اي من دساتير العالم، فقد كُتب دستور 1926 على اساس انه نظام برلماني على نسق دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، غير ان المفوّض السامي الفرنسي قبل ان يغادر عام 1943، فوّض صلاحياته التي هي أشبه بصلاحيات “ملك” الى رئيس الجمهورية، ومنها: تشكيل الحكومة وتسمية رئيسها، إقالة الحكومة، حلّ المجلس النيابي، التوقيع على مراسيم توظيف موظفي الفئة الأولى، اعلان الحرب، وكذلك فان رئيس الجمهورية هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، ويمثل بلاده في الخارج.  

هذه الصلاحيات حوّلت النظام السياسي اللبناني من برلماني الى رئاسي بصلاحيات شبه مطلقة، بل حوّلته الى نظام سياسي هجين ليس له مثيل في العالم، لذلك كان يضيف الدكتور رباط “أرادوا من لبنان أن يكون أعجوبة في الشرق فتحوّل بفضل هذا الدستور الهجين الى عجيبة!”. 

وللدكتور رباط رأي خطير بالنسبة لصيغة 1943 فيقول  “هو عبارة عن ميثاق معقود بين الطوائف جرياً على السنّة التسووية التي طبعت في الماضي تاريخ جبل لبنان، بل إنه على نحو أدق، ميثاق بين الطائفتين المارونية «بشارة الخوري» والسنية «رياض الصلح»، اللتين تتصدران مواقع التوتر الإسلامي ـ المسيحي…، وبناء على ذلك يصعب إقامة البرهان على أن الطوائف الأخرى، أو الجموع المارونة والسنية قد استشيرت بصدده، أو دعيت لإبداء رأيها فيه. بناء على ذلك لا يصح وصفه بالوطني إلاّ على سبيل المجاز!”. 

لذلك يبدو واضحا أن الصيغة التي تمت على أساسها إعادة بناء لبنان الحديث، لم تُمكّن اللبنانيين من الاندماج الكامل والعميق في إرساء وترسيخ دعائم مجتمعهم ما بعد الاستقلال واسترداد السيادة الوطنية. فقد ظل لبنان فسيفسائيا على مستوى تكوينه الاجتماعي متعدد الولاءات، غير قادر على توحيد انتسابه السياسي لدولة موحّدة. 

وبذلك تعزز دور الطائفية بدلاً من إلغائها كما تمنى الرئيس رياض الصلح، وتبنى زعماء الطوائف ديموقراطية توافقية وصفها مهندس الصيغة اللبنانية، ميشال شيحا، بأنها “ديكتاتورية مقنعة”. 

الشيعة وجدل صيغة 1943 والطائف 

لقد أنهى اتفاق الطائف الذي وقع من قبل الأطراف اللبنانية المتخاصمة في نهاية أيلول عام 1989 الحرب الأهلية اللبنانية بعد حوالي خمسة عشرة عاماً من نشوبها ولقد ساهم في رعاية هذا الاتفاق الدول الكبرى وسوريا والمملكة العربية السعودية، غير ان الطائفة الشيعية شعرت بأنها تلقت ضربة قوية لا تستحقها، عندما نصت التعديلات الدستورية للاتفاق على تجريد رئيس الجمهورية من صلاحياته الممتازة وتجييرها الى مجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، وذلك دون اي مكسب للشيعة يجعلهم شركاء في الفيتو والاعتراض على قرارات السلطة التنفيذية، كما هو حال ما تبقى من صلاحيات لرئاسة الجمهورية المسيحية. 

ولأن رئيس حركة أمل نبيه بري آثر الصمت حينها انصياعا واحتراما لتحالفه مع سوريا الأسد، واكتفى رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الراحل الشيخ شمس الدين بتسمية الطائف انه “اتفاق الضرورة” لانه ينهي الحرب الاهلية دون مدح هذا الاتفاق او ذمه ومركزا على المسارعة لتشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية كما ينص عليها الاتفاق، وذلك لمحاولة التقليل من خسائره قدر الامكان ، فان المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان حينها المعروف بصراحته وجرأته، لم يحتمل ان تبقى الامور على هذا الشكل من الغموض والتعمية فأعلن صراحة بأكثر من مناسبة ابتداء من اليوم التالي لتوقيع الاتفاق ان اتفاق الطائف لم ينصف الطائفة الشيعية التي ضحت وتضحي بخيرة شبابها لتحرير لبنان من العدو الاسرائيلي.

يعلو اليوم صوت المفتي الإبن الشيخ احمد قبلان ليذكر بصوت والده الرافض لاتفاق الطائف قبل 31 عاما، داعيا الى دفن صيغة 1943 التي لم تدخل الطائفة الشيعية الا شكلا بها في الدولة

وتنقل النهار 6 تشرين الثاني 1989 تصريح للمفتي قبلان حينها ينعي فيه بند “الغاء الطائفية السياسية” الذي ينص عليه الطائف ويتنبأ بعدم تطبيقه، فقال ” ان الطائف لا يُلبي طموحاتنا، وعندما أُعلن اتفاق الطائف قمنا بتهدئة خواطر الكثير من أهالينا الذين شعروا بأن طموحاتهم في بناء دولة القانون أجهضت وذلك لأن بند إلغاء الطائفية السياسية أُحيل إلى لجان وهذا في العرف اللبناني مدعاة للتأجيل”! وهو مع الأسف ما حصل لاحقاً إذ وبعد أكثر من ثمانية عشرة عاماً من توقيع اتفاق الطائف لم تشكل لجنة لإلغاء الطائفية السياسية بعد وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على رغبة دفينة لدى الطبقة الحاكمة بتجديد نفسها والبقاء مطبقة على مقاليد الحكم في البلاد. 

وفي مقابلة صحافية بعد ايام من توقيع اتفاق الطائف جدد قبلان طرح الهواجس الشيعية رافضا العودة لصيغة الميثاق الوطني عام 1943 وقال: ” لقد صارحنا أهلنا  وهو أن لا مكتسبات جديدة لطائفتنا في ظل نظام الجمهورية الثانية العتيد وأنه لا خوف من عودة ميثاق 1943 الذي أنجز بين الطائفتين الكريمتين المسيحية المارونية والإسلامية السنية، فهو أصبح من الماضي، وذلك على الرغم من مصارحتنا من قبل شرائح كثيرة من شعبنا نُخباً كانت أم عامة أن اتفاق الطائف لا يمحو مخاوف هاجس العودة إلى هذا الميثاق الثنائي الذي تم على حسابهم، والذي أوجد داخل المجتمع اللبناني طبقية طائفية وضعت الطائفة الشيعية في موضع الطائفة الدنيا لفترة طويلة من الزمن”. 

المفتي الإبن يجدد الحملة على الطائف 

واليوم ومع اقتراب الذكرى 31 لتوقيع اتفاق الطائف نهاية شهر أيلول الحالي، لا يمكن ان نفصل هجوم المفتي الشيعي الممتاز الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان عن كلام أبيه وهواجسه وهواجس الشيعة قبل ثلاثة عقود،  فقد قال في شهر ايار من العام الحالي «صيغة إنشاء لبنان انتهت». وأضاف: «لن نقبل بظلم، أو فساد أو اضطهاد، أو استئثار، ونرفض رفضاً قاطعاً القبول بصيغة حكم فاسدة، أو تسويات ظالمة، أو مشاريع حكم تصرّ على الطائفية والانتهازية السياسية وأشباهها». وعدّ أن «أصل نشأة لبنان تمّ على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري، وهذه الصيغة قد انتهت». 

وبذلك يعلو اليوم صوت المفتي الإبن الشيخ احمد قبلان ليذكر بصوت والده الرافض لاتفاق الطائف قبل 31 عاما، داعيا الى دفن صيغة 1943 التي لم تدخل الطائفة الشيعية الا شكلا بها في الدولة، والتي جعلت من الطائفة الشيعية طبقة دنيا على حدّ تعبير والده، مؤصلا بذلك للمظلومية الشيعية، ولكنه يفتح ايضا نافذة باتجاه ما كان اعلنه زعيم الجبل وليد جنبلاط صراحة في احدى المقبلات التلفزيونية قبل اعوام، فقال ” كان لدينا حلم بأن نصل إلى استراتيجية دفاعية موحدة، ولكن أي حل لمشكلة سلاح حزب الله سيكون مقابلها أقلّه تعديل الدستور”. 

اقرأ أيضاً: الذكرى المئوية لولادة «لبنان الكبير»(4): الشيعة..من معركة التهميش إلى نضال الإنتماء

ولئن حاول اتفاق الطائف (1989) إيقاف الحرب الأهلية التي دامت قرابة خمسة عشرة سنة؛ حصدت خلالها ما قُدر بـ120 ألف قتيل و76000 من المشردين ومليون نازح، وإعادة بناء السلطة وتوزيعها بين المكونات اللبنانية، فإن الدولة لم تستقر بما يكفي، وسرعان ما عادت دورة الأزمات إلى لبنان من جديد. 

هذا ودونت العديد من أحكام الميثاق الوطني في اتفاق الطائف عام 1989، تكريس الطائفية باعتبارها عنصرا رئيسيا في الحياة السياسية اللبنانية، فيما بقيت بنود الاتفاق المفيدة دون تطبيق، مثل بندَي انشاء مجلس الشيوخ وإلغاء الطائفية السياسية. 

السابق
هكذا استفاد «حزب الله» من «المالية» و«الأشغال».. وأوقع وزيريها في شر العقوبات!
التالي
«غزو كوروني» يُخلّف 90 إصابة شمالاً..و5 إصابات في إدارات صيدا!