لبنان وإيران: قناعات ومحطات على طريق الحوار

هاني فحص
اعلان

لدواع إيرانية، هناك حرص إيراني عام على التدقيق في الشأن اللبناني، انطلاقاً من عناية إيران المميزة بلبنان، والتي لا تنحصر أسبابها بالوجود الشيعي فيه، وإن كانت لا تقلل من شأنه، بل توليه مزيداً من العناية، لأنه يدخل الشيعة عموماً ي تجربة متعددة المستويات والأبعاد، من حيث اتصاله بالشأن العربي والإسلامي العام، وتماسه مع الشأن المسيحي، المطروح دائماً، والذي ترسخت ضرورة العناية به لغاية إيرانية تمر بحزب الله طبعاً، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وتداعياتها المفتوحة على المزيد.

اقرأ أيضاً: فك الجمهورية عن ولاية الفقيه

اتفاق الطائف في اختبار السلم

ما يعني أن لبنان بالتعدد الذي يشكل قوامه وخصوصيته، يمكن أن يكون موضع اختبار حقيقي لمستقبل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين أو بين الشيعة والمسيحيين واقعاً أو بين إيران ممثلة في حزب الله وبين طرف مسيحي معين من دون أن نتجاهل ضرورة إيرانية أو شيعية لبنانية للتعاطي أو التحالف الجدي مع طرف سني أو درزي.. أو الدروز عموماً وبصرف النظر عن الطرق المتبعة لتحقيق هذا التحالف أو تلك التحالفات، ومن الضروري هذه المرة وبعد استشعار إيران لقوتها واستشعار حزب الله أو الشيعة لقوتها أن تتم الاختبارات على أسس واضحة، يأتي وضوحها فيما يأتي من اختبار الحرب في لبنان، والدخول بعد اتفاق الطائف في اختبار السلم، مترافقاً مع تجربة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني والتحرير، والاحتضان الوطني لهذه التجربة من دون أن تصل الأمور إلى حد الحسم الكامل لبعض الإشكالات الكبرى أو الإجابة النهائية والمتفق عليها على بعض الأسئلة. ومنها السؤال المطروح بإلحاح حول مستقبل العمل المقاوم في لبنان، خصوصاً بعدما وصلت الانتفاضة في فلسطين إلى عنق الزجاجة، وبقيت مزارع شبعا والجولان تحت الاحتلال والعقدة السورية التي تضعف حجة حزب الله في ربط استمرار المقاومة (بشروطه) حتى تحريرها . وهذا السؤال يتصل بسؤال لبناني ملح عن مستقبل لبنان التنموي وإمكانية تحقيق النهوض والإنماء المتوازن على فرضية استمرار المقاومة أو من دونها.

إذن فهناك وعي إيراني بأن للبنان ضرورات داخلية تحكمه، في الوقت نفسه يشكل لبنان منطقة تماس مع أوضاع إقليمية ودولية متداخلة أو منصة إيرانية لخطاب المصالح مع العالم تكون مقبولة (المنصة) بمقدار ما يكون مستخدموها حريصين على سيادة لبنان واستقلاله وإعادة بناء دولته .

وقد سبق لإيران من خلال دعمها للمقاومة، أن أدركت أهمية هذا الموقع المميز، الذي مكنها من مخاطبة العالم، في وقت كانت تتعرض فيه للحصار والمضايقة ومشاريع الاحتواء الأميركية. وكان خطابها من خلال المقاومة خطاباً تعددت مفاعيله، على مستوى علاقة إيران بالخارج وعلى مستوى الداخل الإيراني الذي استقوت عليه بالمقاومة .

إن وعي الإصلاحيين الإيرانيين للدور اللبناني هو في اتساع وتصاعد مستمرين

وبعد تجربة في التواصل دامت أكثر من عقدين من الزمان، مع الساحة اللبنانية، تخللتها انقطاعات وتوترات وأزمات وإشكالات مختلفة، استقر التوجه الإيراني الإصلاحي على ضرورة الإسهام الجاد في حفظ التجربة اللبنانية والاستفادة من دروسها في الحرب والسلم، وتجديدها من خلال ترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك وتنشيط الحوار والمشاركة فيه، وصولاً بلبنان إلى المرتجى الذي قاربه الإرشاد الرسولي عندما وصف لبنان بأنه أكثر من وطن، وأنه رسالة.

وهنا تركز انتباه الإصلاحيين الإيرانيين على الدور الحواري الذي اشتغل عليه فكرياً وميدانياً الحواريون الشيعة مدنيين ومفكرين دينيين ، وعلى الحركة الحوارية اللبنانية عموماً ما جعلهم يعيدون تقييم علاقاتهم بالأطراف اللبنانية الناشطة، وبالفريق الشيعي منها خصوصاً، على الطريق إلى تخطي سابقة حصر العلاقة الإيرانية اللبنانية بطرف واحد، كان فاعلاً ، ولكنه لم يكن كافياً.

بالإضافة إلى أن هذا الطرف (حزب الله) كان قد تنبه إلى ضرورة فتح خطابه على الآخرين، مسهماً في تجديد التوجه الإيراني، فعاد هذا التوجه ليسهم بدوره في انخراط حزب الله في الحراك الحواري المتعدد المستويات.

في أواسط التسعينات، كان الإيرانيون المتواصلون مع الشأن اللبناني عن كثب، قد أوضحوا بأساليب مختلفة، بان لا مصلحة لهم ولا للبنان، في أن يتعاملوا مع قسم من الشيعة أو مع الشيعة أو قسم من أهل السنة أو مع أهل السنة أو الدروز وحدهم من دون الآخرين، وخصوصاً المسيحيين، بل لا بد من التعامل المتكافئ مع جميع المجموعات والحساسيات، بصرف النظر عن سعة أو ضيق مساحة الاشتراك أو الاختلاف.

وهنا قد يحسن التذكير بأن هذا التوجه قد كان أيضاً، من ثمرات الحوار المعمق داخل المقاومة ومعها في المساحة الشيعية اللبنانية، وقد استفاد من إعادة القراءة التي قامت بها المقاومة لحال لبنان، والانعطافة التي أحدثتها في نمط علائقها السياسية وفي خطابها اللبناني الذي مال إلى الجمع، ما استدعى أن يلتف اللبنانيون جميعاً حولها في مفاصل معينة وحساسية مثل عدوان 1993 و1996.

محطات بارزة

في محاولة للتأريخ الإجمالي للمحطات البارزة على طريق بلورة العلاقة الحوارية المتبادلة بين إيران ولبنان على المستويين المدني والرسمي، تجدر الإشارة إلى الدور التأسيسي الذي لعبه السيد محمد علي أبطحي نائب الرئيس السيد محمد خاتمي للشؤون البرلمانية ، عندما كان مديراً لمكتب التلفزيون الإيراني في لبنان لعدة سنوات قبيل انتخاب السيد خاتمي رئيساً للجمهورية في ولايته الأولى. فقد تعدى السيد أبطحي موقعه الإداري الحصري، إلى بناء علاقات حوارية صريحة ومفتوحة وتكاملية مع أطراف سياسية وثقافية لبنانية خصوصاً، مختلفة، وأكثريتها تحمل أسئلة حول التوجه الإيراني ودور إيران في لبنان. وقد كان عنايته بالطرف المسيحي، وبمختلف حساسياته ومواقعه، من المدني إلى الكنسي، على قدر من الشجاعة والانفتاح والواقعية. هذا مكنه من أن يفتح أبواب الأمكنة الثقافية اللبنانية، لزيارة السيد خاتمي، قبيل إعلان ترشيحه للرئاسة، وقيامه بعقد ندوات ومحاضرات حوارية وفكرية معمقة ومفتوحة على الجميع، ما أسهم في حل كثير من العقد وإزالة التباسات متراكمة بفعل القطيعة، حتى وصل الأمر لدى المسيحي إلى المجاهرة بالموافقة والحماس للتوجه الإيراني الحواري والثقافي والسياسي واعتباره رافعة لمستقبل لبنان والمنطقة عامة.

وقد أسهم هذا المناخ في فتح الطريق أمام المستشارية الثقافية الإيرانية في لبنان لتقوم بحراك متنوع في الوسط الشيعي والوسط السني والدرزي والمسيحي، وفي مختلف المناطق .

وفي الأثناء تحركت الرابطة الثقافية الدولية في إيران بتوجيه من رئيسها الشيخ محمد علي التسخيري فحضر نائبه الشيخ محمد سعيد النعماني مع وفد إيراني مؤتمر الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي في قبرص، والذي انعقد تحت عنوان التوترات الدينية في أندونيسيا وكوسوفو والسودان والناصرة والبوسنة ونيجيريا وغيرها، وناقش مسودة مستقبل العيش المشترك في هذه الأقطار إضافة إلى لبنان ومصر والأردن وسوريا وغيرها، ليعود في العشرين من كانون الأول من عام 2001 ليصدر هذه الوثيقة من القاهرة. حيث أعلن التأسيس الرسمي للفريق بحضور وفود من عدة دول إسلامية وعربية وحضور وفد إيراني برئاسة الشيخ محمود محمدي عراقي، الرئيس الجديد للرابطة الثقافية الدولية في طهران، ومشاركته في ندوات اللقاء بمحاضرة قدمت وصفاً منهجياً لتوجهات إيران الحوارية. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الفريق العربي قد بدأ نشاطه في أوائل التسعينات برعاية مميزة من قبل مجلس كنائس الشرق الأوسط وأمينه العام القس الدكتور رياض جرجور، فإن معنى المشاركة الإيرانية يصبح ذا دلالة إضافية، لا بد معها من التذكير بأن وفداً من مجلس كنائس الشرق الأوسط، برئاسة القس رياض جرجور، قد سبق له أن لبّى دعوة إيرانية لزيارة طهران، وتعميق النقاش حول الحوار والعيش المشترك. وكان لبنان من حيث عضوية الوفد والمسائل التي طرحت، هو الحاضر الأكبر في التصور المشترك لمستقبل الحوار وضروراته وأمثولاته. وقد جاءت هذه الزيارة بعد أن لبّى وفد من الرابطة الإيرانية برئاسة الشيخ النعماني دعوة الفريق العربي ومجلس كنائس الشرق الأوسط إلى لبنان، وقد شمل برنامج الزيارة لقاءات حوارية إسلامية مسيحية امتدت من جامعة القديس يوسف إلى المراكز الثقافية الإسلامية في بيروت، فضلاً عن الزيارات التي قام بها الوفد إلى القيادات الروحية المسيحية بدءاً من بكركي، وسادتها روح المكاشفة والرغبة في التعاون والتواصل والتأكيد على أن لبنان يشكل شرطاً موضوعياً وذاتياً لاختبار جدوى الحوار والمشاركة طموحاً إلى أطروحة ثقافية مشرقية تسهم في تصحيح الكثير من الأخطاء المنهجية التي خالطت فترات الانقطاع والتوتر بين أهل التوحيد والإيمان الإبراهيمي الكبير.

اقرأ أيضاً: إيران والشيعة في لبنان

إن وعي الإصلاحيين الإيرانيين للدور اللبناني هو في اتساع وتصاعد مستمرين، ويبقى أن يحافظ اللبنانيين على وعيهم بما هو مطلوب منهم وبإمكانهم أن ينجزوه من مثال وطني تعددي متكامل على هذا المفصل الصعب، الذي تحاول فيه قوى معينة في إيران ولبنان أن تضخّم الاختلاف تبريراً للعودة إلى أسلوب الإلغاء والنفي للآخر بالعنف المباشر وغير المباشر.

(11 شباط 2002)

السابق
«سوليدير» تكشف عن سبب الحريق في مشروع «زهى حديد».. اليكم التفاصيل
التالي
ميسي اللاعب الأعلى أجراً في العالم.. ومحمد صلاح يقترب من الصدارة!