هرميّة العقوبات الأميركية.. بين الخطير والأخطر

اعلان

تؤكد المصادر في واشنطن أنّ لبنان ليس في دائرة اهتمام الإدارة إلا من باب المواجهة مع طهران، في الوقت الراهن أقلّه. عشرات الأسماء والشركات والكيانات في دائرة العقوبات الأميركية لكنّ توقيت إدراجها مطّاط. أي شخصية حقيقية أو معنوية تقدّم الدعم لحزب الله بالإثباتات ستُدرجُ لا محالة على اللائحة وكان آخرها الوزيران اللبنانيان السابقان يوسف فنيانوس، وزير الأشغال العامة والنقل بين 2016 و2020، وعلي حسن خليل، وزير المال منذ 2014. تضيف المصادر أنّ إدراج الوزيرين السابقين على لائحة العقوبات أتى بالدليل الملموس ـ أو الدليل المادي ـ الذي يؤكد استخدام أموال الشعب اللبناني وخزينة الدولة لدعم حزب الله. بموجب هذه العقوبات سيتم تجميد أي أصول لهذين السياسيين في الولايات المتحدة كما سيُمنعان من التعامل مع النظام المالي الأميركي. بحسب وزير الخارجية الأميركي، حذر مايك بومبيو بقوله إن “أي شخص يساعد في خدمة مصالح حزب الله السياسية أو الاقتصادية، يزيد من تآكل ما تبقى من حكم فعال ويسهل تمويل الإرهاب”. وأكد بومبيو أنّ بلاده “تدعم مطالبة الشعب اللبناني بالإصلاح”، وستستخدم “كل السلطات المتاحة لتعزيز مساءلة القادة اللبنانيين الذين خذلوا شعبهم”.

اقرأ أيضاً: ماكرون يمارس «ركوب الأمواج» اللبنانية فهل «تغرق» مبادرته؟

وعند سؤال المصدر المطلّع على الأجواء الأميركية حول استبعاد حلفاء سياسيين لحزب الله من العقوبات الحالية يجيب باقتضاب “ألا استبعاد لأحد وإنما تأجيل وقد لا يطول. حتى العقوبات تحترم هرميّة الخطير والأخطر ويُكشف عنها في وقتها. منها الأخطر التي لا تحتمل التأجيل عندما تترافق مع دليل مادي”، ليبدو وكأنّ التركيز على الحلفاء السياسيين ورغم دورهم الأساسي في تعويم حزب الله يحتمل انتظار نتيجة الانتخابات الأميركية المقبلة.

هذه الهرمية بين الخطير والأخطر تحتكم لـ3 قوانين في الولايات المتحدة: قانون مكافحة الإرهاب وقانون ماغنيتسكي وقانون قيصر (الذي يبقى محصورا بدعم النظام السوري).

كانت الرسالة واضحة عبر الوزيرين السابقين إلا أنّ ما لا يتعدّى الترفيه السياسي كان قراءة الأوساط اللبنانية الداعمة لحزب الله والمتحالفة معه لهذه العقوبات. يعتبر جبران باسيل مثلاً أن العقوبات أتت لصالحه لأنها تؤكد ما كان قد ذهب إليه حول وزراء تيار المردة وحركة أمل “طلعوا فاسدين متل ما قلنا” (فاسدون كما قلنا). أو أنه يعتقد أنه بعيد عن الفساد بُعد الثريا عن الثرى، ليلتقي بذلك مع ما كان رئيس الجمهورية قد صرح به لصحيفة فرنسية من أن “عائلته بعيدة عن الفساد، وإذا يوما تبين أن أحدا من عائلتي متورط بالفساد سأستقيل من رئاسة الجمهورية “. بذلك يحاول الرئيس وصهره توظيف العقوبات لصالحهما لتصفية حساباتهما مع قوى أخرى تشاركهما السلطة كحركة أمل وتيار المردة، واستعادة ملف ترسيم الحدود البحرية من نبيه بري والحصول على حقيبة وزارة المال منه، والتوسع بالتفسير الذاتي لمدى العقوبات لدرجة الزعم بأن الولايات المتحدة ” تخدم جبران باسيل بإزاحة منافس قوي له من سباق رئاسة الجمهورية عندما فرضت عقوباتها على الوزير المحسوب على المرشح الدائم للرئاسة سليمان فرنجية “.

هنا تطرح أوساط لبنانية أخرى تساؤلات مشروعة مفادها: هل نجا جبران باسيل من العقوبات الأميركية، ولاحقا العقوبات الأوروبية التي هدد الرئيس ماكرون باسم فرنسا ونيابة عن الوحدة الاوروبية (27 دولة) بفرضها؟ أما سوء التقدير الأوضح فهو اعتقاد جبران باسيل بأنه استثني من العقوبات لتسديده أثمان الاستثناء ذاك. فما الذي قد يجعل وزير الخارجية الأسبق “يقتنع” بما نفته نفيا قاطعا المصادر في واشنطن حول استثنائه من المعاقبة وركّزت على “التأجيل” لا الاستثناء؟

هنا نعود إلى عام مضى. كان للأميركيين محاولات حثيثة لشق الارتباط بين رئاسة الجمهورية وتيارها السياسي من جهة وحزب الله من جهة أخرى. سعت السفيرة الأميركية الجديدة بإيعاز من الإدارة لمحاولة جعل التيار “حراً” و”وطنيا” بعيدا عن كنف حزب الله الإيراني. يبدو أنّ المحاولة “باءت بالفشل”. في تلك المرحلة، اختارت السفيرة الأميركية الجديدة لدى لبنان أول إطلالة تلفزيونية لها عبر إعلام التيار العوني، كما استقبل باسيل كلاً من دايفيد هيل ودايفيد شينكر في الرابية وفي قصره بمنطقة اللقلوق متودداً للإدارة الأميركية. لكنّ التودّد لم يكفِ. كان على باسيل أن يكون واضحاً بخياراته ويبدو أنه لم يكن! فسياسة الأميركيين مفعمة بالبراغماتيكية والواقعية للحفاظ على مصالحهم ومصالح حلفائهم في لبنان ومحيطه والشرق الأوسط.

حاول باسيل اللعب على التناقضات واعتماد العاطفية والغزل حيناً ودفع أثماناً بخسة أحياناً عبر خطابات غير مُترجمة على أرض الواقع. فصرح لإحدى محطات التلفزة الأميركية “ليس بيننا وبين إسرائيل عداء إيديولوجي”، ومن رسائله أيضا الموجهة إلى الولايات المتحدة قوله بأنه “لإسرائيل الحق في الوجود الآمن والسلام” ملتقيا مع تصريح لرئيس الجمهورية لمجلة فرنسية بأنه “يمكن السلام مع إسرائيل إنما يوجد أمور يجب حلها”. ترافق كل ذلك مع تأمين الغطاء للإفراج عن العميل عامر فاخوري من السجن والسماح بإجلائه بطائرة خاصة هبطت وأقلعت من باحة السفارة الأميركية في عوكر. كما لم ينفك جبران باسيل بناء على الطلب الأميركي عن المطالبة باسترداد ملف التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية من يد رئيس مجلس النواب نبيه بري، ليجاريه في طلبه هذا كل من ميشال عون وسعد الحريري تلبية للرغبات الأميركية.

قدّم باسيل أقل ما يمكن تقديمه. يعتقد أنه يحاول اللعب على التناقضات ليمسك العصا من الوسط. يظن باسيل أنّ بعض الأثمان والتنازلات كافية (خصوصا أنه يتخذها بتنسيق مع حزب الله ورضا منه) لكن فاته أنّ المطلوب واحد: فك الارتباط مع الحزب الله! هنا لا بد من العودة للحديث عن هرمية العقوبات ذات المفعول الأوحد مع اختلاف توصيفاتها. فحلفاء حزب الله وبينهم باسيل يطالهما أقله قانون ماغنيتسكي وقد يمتد إلى قانون مكافحة الإرهاب لدعمهم حزب الله. الحل الوحيد أمام باسيل للهروب من قانون ماغنتسكي هو بقطع العلاقة ونزع الغطاء السياسي عن الحزب، وإلا فإنّ العقوبات المتعلقة بدعم الإرهاب كما تلك المتعلقة بمحاربة الفساد في انتظاره لا محالة.

فإنّ ما اتهم به كل من يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل متوفر بكامله بشخص جبران باسيل، فهو حليف داعم لحزب الله يؤمن له التغطية الداخلية والخارجية حتى في حروب الحزب الإيدولوجية العبثية، وهو أكثر منفعة للحزب كحليف من غيره من الحلفاء. أما سجله في الفساد وفي مشاريع الطاقة ومعامل الكهرباء وصفقات الفيول وإنشاء السدود المائية مكشوف للعيان ويعرفه القاصي والداني وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.

مما يعني أن العقوبات ضد باسيل قائمة وإن تم إرجاء توقيتها.

السابق
بري «يتحصن» بفرنسا لا بالميثاقية أو «المالية» لتجنب العقوبات الاميركية
التالي
شرط استعادة لبنان تطبيق دستور الطائف