بين الفصائل و«حماس» والسلطة.. فلسطين تُنكب مرتين !

محمود هنية
اعلان

منذ نكبة فلسطين، يبدو ان الشعبين اللبناني والفلسطيني يٌمنيان بنكبات متناسلة بحسب “بورصة” ما اصطلح على تسميته القضية الفلسطينية المحقة.. “فقط لا غير”. الشعبان من باب المعاناة الفسطينية والتأثر اللبناني المباشر في واد،  والقيادات القديمة والجديدة والمستجدة في واد آخر، لا يهمها سوى لعبة الصوت والصور والعراضات “الحماسية”وعلى “عينك يا سلطة” من فلسطين الى بيروت.. “تناضل في سبيلها و الباقي تفاصيل.

لم تكن خطب الامناء العامون للفصائل الفلسطينية، الا تعبيرا عن لغة العاجز، لايكفي هذه الفصائل ان تكون مع الحق الفلسطيني لتصبح محقة، هذه الفصائل معنية بتجديد نخبها، وبصوغ لغة جديدة، لغة تفرض حضورها في هذا العالم، تعطي الشعب الفلسطيني الثقة بقدرتها على تلبية طموحاته. 

اقرأ أيضاً: متى يكتشف الفرنسيون ألاعيب السياسيين اللبنانيين؟!

القضية الفلسطينية لن تنتصر بتلك اللغة الخشبية التي لا تنزاح عن السنة قادة الفصائل الفلسطينية منذ نهاية القرن المنصرم، صار مملا بل يثير الشفقة هذا التسوّل للشعبوية التي باتت تخنق القضية وناسها، فمشهد حمل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية على الاكتاف في عين الحلوة، ترميز عميق لما آلت اليه الفصائل الفلسطينية، سياسيا، الظاهرة الصوتية والشعبوية وجهان لعملة واحدة هي هذه المنظومة الفلسطينية المغرقة في التخلف.

لقد أطلق النضال الفلسطيني وشعار الكفاح المسلح في منتصف الستينيات من القرن الماضي، حركة من الوعي واطلق حيويات سياسية وفكرية على امتداد المنطقة العربية، في السياسة وفي الفكر وفي الثقافة والفنون، ورفع من منسوب التضامن مع القضية الفلسطينية عالميا بشكل كبير، ادى الى ان تعترف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني. اما اليوم فتغرف الفصائل من ماء الانقسام والتبعية والاستسلام لنظم الاستبداد، التي صار الاحتلال متقدما عليها، فغزة المحررة باتت تتشوق الى زمن الاحتلال بعدما اذاقتها سلطة الفصائل مرارات الخيبة والاذلال. القضية الفلسطينية تكمن هنا في القدرة على تحويل الاحتلال الى فعل موت، والتحرر الى فعل ارتقاء بالانسان الى مصاف متقدم. المقاومة عندما تختصرها بندقية وصاروخ وسلطة، ستموت وعندما تتفتح في العقول والسلوك وفي تقديم النموذج  الجاذب انسانيا وحضاريا حينها تنتصر، سواء حررت الأرض او لم تحررها. 

لا شك ان مآلات النضال الفلسطيني قبل “اتفاق اوسلو”  لم تصل الى تحقيق كامل اهداف قيام الدولة، ولا ريب في أن اغراء السلطة والنفوذ، استدرج الفلسطينيين الى مهالك الصراع العبثي في لبنان، هذا من جهة، والى نزعة مقابلة تمثلت في تحول معظم الفصائل الى ادوات طيعة بيد انظمة الاستبداد في سوريا من جهة ثانية.

هنية “جايي يحج والناس راجعة”، كما يقال في المثل الشعبي، ما سيبقى من زيارة هنية هو الظاهرة الصوتية والاستعراضية، وهي في جلها مزاودة شعبية تصرف في زواريب “حماس”، وتزيد من نفور بعض اللبنانيين من ابناء المخيمات، الذين يزداد بؤسهم ويترسخ التقييد عليهم، في لعبة الرسائل المتبادلة بين فريق الممانعة اللبناني وخصومه اللبنانيين.

استعراضات هنية لا تزعج اسرائيل، لأنها تصب في ما يشتهيه، من تظهير القضية الفلسطينية كخطر على اللبنانيين، في ظل خطاب فلسطيني لم يستطع بعد او لا يريد الخروج نحو فضاء جديد، في السلوك أواللغة وفي محاولة استنهاض حيوية الشعب الفلسطيني، والارتقاء بها الى مساحات الفعل والتأثير من خارج لعبة الصواريخ التي ترمز للعجز والتداعي وللسلطة المستبدة على الشعب باسم المقاومة التي فقدت معانيها العميقة والمبدعة.

اسماعيل هنية يريد صورته محمولا في عين الحلوة، لكي يرفعها في احد مكاتبه، اما ابناء عين الحلوة الغارقين في وحول البؤس الفلسطيني وفي وحول المخيم، لن تصلهم نسمة باردة في هذا القيض، ولن تتغير قواعد حصارهم، ولا وظيفة استخدام اللاجئين في لعبة الارهاب و”الغريب” وفي استخدامهم كفزاعة بين اللبنانيين، او تجاه دول غربية وعربية.

بؤس الفصائل الفلسطينية، هو في انها باتت تكشف عن وجه الموت الذي يريد ان يحتل القضية الفلسطينية. 
عندما كان ياسر عرفات يستعرض قوته العسكرية وشعبيته قبل اربعة عقود، كان الزمن مختلفاً والرجل كذلك، لكن ما لم يكن مختلفا ولا يزال هو ان الشعب الفلسطيني يعرف معدن الرجال ويعلم ان فلسطين وقضيتها لا تحيا الا بالثورة على الذات وبالتجدد والابداع وبمفاجأة العالم بحيوية القضية واهلها، هذا هو التحدي الحقيقي، لا في الاستسلام للعدو بجعل فلسطين شركة دول واجهزة لا تبتغي الا بيع ما تبقى من القضية ومن فلسطين.
في الختام لا يمكن تغييب السلطة الفلسطينية، فالرئيس محمود عباس اعلن التزام السلطة بموجبات السيادة اللبنانية من قصر بعبدا قبل اكثر من عامين، وعدم استخدام لبنان من قبل الفصائل الفلسطينية امنيا وعسكريا وسياسيا. وبما أن سلوك هنية واستعراضه اثار ردود فعل مؤذية للفلسطينيين من جزء معتبر من اللبنانيين، فان ما يثير الريبة والاستهجان هو صمت السلطة عن عراضة حماس، لا سيما أن السفير الفلسطيني في بيروت وممثل حزب الله كانا في استقبال هنية حين وصوله الى مطار بيروت.

السابق
التيار الوطني يردّ بعنف على جعجع.. ويتهمه «بالميليشياوية والتحريض»!
التالي
عملياب بحث منذ السادسة.. العثور على شابين مفقودين مقابل شاطئ الجية بحالة خطرة