المزارات العاملية ومدلولاتها الحضارية والدينية

مقام شمعون
اعلان

حظيت المشاهد والمزارات في جبل عامل باهتمام المعنيين بالدراسات التاريخية والإسلامية، ولا سيما ما يتصل من هذه الدراسات بالمؤسسات الدينية من المساجد، وما في حكمها من المعابد الأخرى.

وتستعرض “شؤون جنوبية” في هذا العدد، نشأة هذه المزارات ومدلولاتها الحضارية والدينية تكون مقدمة إلى علاقة المزارات وبعض المقامات العاملية بآلهة الصفويين قبل الإسلام تنشر في حلقة مقبلة، لفوزي بعلبكي، مشاهد وأضرحة مقدسة لغازي خلف، القديسة تريزيا نبدذة من حياتها ومقام شمعون الصفا في بلدة شمع لـ علي داود جابر.

اقرأ أيضاً: نظرة على المرجعية الدينية عند الشيعة الإمامية في جبل عامل

هذه المقدمة تهدف إلى إعداد المسرح التاريخي الذي تقوم عليه سينوغرافيا موضوعنا الأساسي، “علاقة المزارات وبعض المقامات العاملية بآلهة الصفويين قبل الإسلام”، على الرغم من جهلنا بالمثلين وتاريخ عروضهم الدينية، وأشكال هذه العروض بصورة رئيسية.

والأمر المشكل، موضوعياً يعود إلى أسباب نوجزها، قلة الاهتمام الرسمي والشعبي بمناطقنا الأثرية، وانعدام البيانات والمسوحات الأركولوجية، وكان من أثر التسويف الرسمي والجهل الشعبي فقدان معالم أثرية مهمة تشكل معلماً حقيقياً لتاريخنا الحضاري.

ولم يبق لنا من سينوغرافيا المسرح سوى أطلال، منها ما هو دارس ومنها لا يزال قائماً، البعض حافظ على تسميته، والبعض الآخر استبدل به أسماء أخرى، الأمر الذي كان سبباً في فقدان ذاكرته وتاريخه الشخصي. وقد تسنى لنا مقاربة الموضوع بصورة نكوصية، أي من طريق المشابهة اللفظية، بدلاً في ترابط بعض الكشوفات والحفريات ببعضها الآخر، وإجراء المقارنات بين المعطيات الأثرية والمرويات التاريخية. وهذا البحث لا يطمح إلى أن يكون أكثر من استطلاع، يرمي إلى طرح الأسئلة عن علاقة أسماء بعض المقامات والقرى العاملية بآلهة الصفويين وقبائلهم، وهل ثمة روابط تاريخية بينها، أم أنها مجرد توافق إسمي لا غير. وعلى افتراض أننا ارتضينا بالشق السلبي من السؤال، تبقى المصاقبة اللفظية بين هذه المقامات وبعض القرى من جهة، والقبائل العربية، الصفوية والثمودية، وآلهتها من جهة أخرى، جديرة بالمتابعة والبحث والتنقيب.

في الاستهلال التمهيدي لفصل “الأعراف السورية والفن العربي قبل الإسلام”، قدّم المستشرق “رينه ديسو” وصفاً جيولوجياً موجزاً لحقول تنقبياته الفذة، نقتضب منه الكلام الآتي: “سطح الأرض الحالي، الذي يوجد في سوريا، هو نتيجة لسلسلة من هبوط الأرض بفعل الزلازل… وفي نهاية الفترة البليوسية أو في ابتداء فترة الطوفان، اعترى البفعة الجبرية الكبرى المشرفة على شرقي البحر المتوسط تفكك كبير جداً، ناتج عن التغيير الدائم للقشرة الأرضية. أما البقعة التي توجد غرب الانخفاض، الذي يمده وادي عربة، البحر الميت ونهر الأردن، فقد هبطت، وفي جانبي هذه الفرجة، تظهر نفس المداميك ولكنها في مستوى قليل الارتفاع في الإقليم الغربي”. (ديسو: العرب في سوريا قبل الإسلام).

هذا المرتقى الغربي المواجه لهضاب الجولان البركانية الهادمة ينحدر نحو الشرق انحداراً سريعاً، ليطل من على سهل الحولة الغريني الخصب، مكوّناً بانحداره جداراً صعب الارتقاء. وكأن الطبيعة حضرت لأن يكون هذا الجدار حداً فاصلاً، ليس بين إقليمين فحسب، وإنما بين نمطين للحياة المعيشة ومفاهيمها أيضاً. ومن النقطة ذاتها ينفتح المشهد على الغرب، حيث تتهادى الهضاب العاملية باطمئنان وإجلال نحو البحر، مودعة خلفها جبل الشيخ المهيب.

والرائي لهذه السلسلة المذكورة من مرتفعات الجولان يحسبها عقد سنام لقافلة تيمم وجهها شطر شمال فلسطين الغربي، لتؤلفا معاً ما اصطلح على تسميته تاريخياً بـ”الجليل الأعلى”. وعلى شفا هذه السنام ترتفع مزارات دينية عدة بتسلسل لافت للنظر، لتعطي هذه المزارات – بدورها – معالم ترسيم لهذه الحدود، ولعلنا لا نجانب الحقيقة لو قلنا إن المقامات المذكورة ربما تكون قد أعطت المنطقة تسميتها التاريخية: الجليل.

وليس أصدق شهادة على هذه التسمية من وصف الهضاب العاملية بصخورها المستأنسة إلى كبرها المطمئن في حمى تلك المزارات وحرمتها، وقد وقعت الشمس على ظهورها شهادة ميلادها القديم، كما تبدو للرائي – من بعد – وكأنها تنصت بإجلال لتلك المقامات، بمظهرها وكأنها تؤم بصمت مأبد جموعها إلى يوم الدين، ولئن بدت الطبيعة منصاعة لصروف الدهر، إلا أنها – في المقابل – تسمّر الزمن في تعاقبه، فتغدو شواهد على هذا المزج الجمعي بين صنع الطبيعة من جهة نظيره الذي هو من صنع التاريخ.

نرى أن نشأة المزار هي ثمرة التجمع البشري المتحضر، والمؤشر إلى تكوين “الجماعات الدينية”، وأن هذه الجماعات كوّنت فيما بينها تصوراً ثقافياً وفولكلورياً من شأنه تعميق الترابط الاجتماعي

ولا يكسر من رتابة هذا المشهد المتهادي نحو البحر سوى نثرات القرى التي منيعة. وينغلق المشهد، شرقاً، على هذه الصروح فوق القمم، وكأنها تنفرد بعلاقة صوفية مع المكان، فهي – هنا – ليست حداً بقدر ما هي صلة، تفرغ الزمن الغض من نبضه الآني، لنضفي على المكان بسمة الخلود الوقور. وقد تنبّه الأجداد إلى هذه العلاقة بين المبحثين المذكورين، فأطلقوا عليها بذكاء فطري خارق تسمية الجليل!

رموز للحضور الإنساني

والاستعانة بالمنهج الدلالي تظهر هذه المزارات – على الصعيدين الثقافي والديموغرافي – علامات ذات دلالة مزدوجة: فهي ليست معلماً دينياً فحسب، بل إنها رموز للحضور الإنساني أيضاً، ويكفي استحضار مقام ما منها حتى تنشأ في الذهن – مباشرة – علاقة المكان بنوع معين من الوجود البشري، له مكوناته الروحية الخاصة به، ولا تقتصر وظائف العلامات على هذين الأمرين فقط، ولكنها تشير – أيضاً – إلى رقي الجماعة ومدى تطور ذهنيتها الحضارية: فاستحضار الوثن أو الصنم لا يتساوق والآلهة المجردة، وليس من قبيل النزوة أو الترف الربط بينهما، فالتلازم بين التجريد وتقدم الذهن أجلّ من أن يدلّ، وهما في علاقة تبادلية طرداً وعكساً، وكلما ارتقت مستويات هذا المدرج الثقافي تدنّت، لدى الإنسان، نسبة الرهبة أو الخوف من المظاهر الطبيعية، وبطلت العملية الإحيائية، وانفحت للعقل أسرار الكون ووعيه لذاته، هاتان الحالتان: الخوف من الظواهر الطبيعة والعملية الإحيائية، هما نطفة التدين الفطري.

واستدراكاً لما سبق نرى أن نشأة المزار هي ثمرة التجمع البشري المتحضر، والمؤشر إلى تكوين “الجماعات الدينية”، وأن هذه الجماعات كوّنت فيما بينها تصوراً ثقافياً وفولكلورياً من شأنه تعميق الترابط الاجتماعي، وخلق الوجدان الجمعي المحكوم بتصورات ورؤى خاصة عن الحياة والكون، وقيام المزار أو المقام هو استقرار وترسيخ لهذه المفاهيم كراموز لهذه الحياة العامة. وفي مجال المقاربة يمكن مقارنة الدور الذي تلعبه المزارات (على المستوى الديني) بالدور الذي تلعبه حالياً النصب التذكارية في القيم الجمهورية للدول المتقدمة، وإن كانت الأولى أكثر حضوراً وأكثر توقيراً في الوجدان الشعبي من الثانية.

القمم العالية ليست خياراً اعتباطياً

ويترافق قيام المقام أو المزار – في الغالب – مع وجود شجرة بلوط ضخمة، أو شجرة بطم معمرة حسنة الظل، ولكن قلما نجد من بين هاتين ا؟لأخيرتين دكناً كثيفاً أو غابة على الإطلاق، بل تنفرد كل منهما بعلاقة رمزية فوق القمم الجردية، وكأنها هي الأخرى لا تقبل التشريك في وحدانيّتها، فمتى ما كانت الشجرة بحضن المقام، فإن الأهالي يحرمون على أنفسهم استخدام فروعها المتساقطة، وتعد مالاً وقفياً خارج الاستخدام، سواء في أغراضهم المنزلية أو في أي شيء آخر، لأن الأهالي يعتقدون – في حال الاستعمال – بحلول لعنة الولي عليهم، ولا يقتصر الحرم على فروع الشجر وحدها، وإنما يسري ذلك على الطيور والحيوانات البرية المجاورة للمقام، فلا يتم صيدها أو نفورها وإزعاجها للسبب المدرج أعلاه.

ويتألف المقام عادة من بناء مستطيل فيه فسحة فضائية واسعة بابه الوحيد لجهة الطول، وأمامه بئر تتجمع فيها أمطار الشتاء. وقد يصادف بجانب هذا الهيكل بناء لمجاور أو ناسك مات ودفن هناك، تطلق عليه العامة مصطلح الضريح، وقد شيّد فوقه قبة غالباً ما تطلى باللون الأخضر، كما هي الحال في مقامي يوشع والعويذي. وعند دخول العابد أو الزائر يخلع نعليه عند العتبة لكي لا يدنس الحضرة، كما أنه لا يقوم بأعمال من شأنها الإساءة إلى القوى الإلهية التي تظلل المكان المقدس.

اقرأ أيضاً: مراودة التاريخ العاملي

والمرتقى إلى هذه المقامات صعب، وصعب جداً، لا يتحصل إلا بالمكابدة والعزيمة النفسية، فكأن التجربة الروحية للمزريد لا تصل إلى كمال صفائها إلا بالكدح وبذل الجهد. لذا، فخيار القمم العالية موطناً لهذه الهياكل ليس خياراً اعتباطياً، وإنما هو في صلب العقائد الدينية القديمة، والصعود إلى القمة  ليس سلوكاً مادياً فحسب، بل هو ارتقاء رمزي متدرج، يبدأ من حضيض المادية ليتسلق سلم التجربة وصولاً إلى غايته الروحية. وكلما صعّد من طاقاته تخلص الجسد من أدرانه، الأمر الذي يستلزم قيام الجسد بدوام المعاناة، كما تستلزم الروح برياضتها التأملية والتعبدية. وفي كلتا الحالتين تخلع الروح وقميص الجسد “الملوث” بالرغائب والشهوات، لتستجمع للإنسان طاقاته التي هي في الوقت نفسه مداركه نحو التسامي والانعتاق!

(شؤون جنوبية – العدد الحادي عشر – كانون الأول 2002)

السابق
يحافظ على جمال وشباب البشرة.. إنّه «شاي الكومبوتشا» تعرّف عليه!
التالي
بالفيديو والوثائق: بعد إنفجار المرفأ..سالم زهران يحذر من خطر في المطار!