نظرة في تاريخ علماء ومراجع جبل عامل

جزين
اعلان

كان جبل عامل قطراً صغيراً منزوياً عن العواصم والحواضر، وقد مرّ عليه عصر من العصور، صار فيه جامعة علمية يقصدها الطلاب من العراق وإيران وغيرهما، ورغم بُعد الشقة وصعوبة التنقل بلغ عدد تلامذته في زمان المحقق الميسي أربعمئة طالب وقيل: “اجتمع في عصر الشهيد الثاني في جزين سبعون مجتهداً بمناسبة جنازة متواضعة، وإذا كان هذا عدد المجتهدين فكم هو عدد الطلاب”!

أجل: إن بلداً هذا حاله، ينبغي الاعتراف بأهميته، وينبغي للباحثين والمنقبين، أن يتجهوا للبحث عن ماضيه، فإن ذلك حق من حقوقه، وذمتهم لا تزال مرهونة به”.

اقرأ أيضاً: نظرة على المرجعية الدينية عند الشيعة الإمامية في جبل عامل

وبعد هذا فالكلام عن نظرة في تاريخ علماء ومراجع جبل عامل منذ سنة 771هـ ولغاية أيامنا هذه في سنة 1423 هـ – وإن كان لا يوفي أولئك العظماء حقهم – ما هو إلا اعتراف بفضلهم على الإسلام والمسلمين، والشيعة والتشيع، وعلى لبنان وتاريخه، وعسى أن تقتدي الأجيال العاملية الصاعدة من طلبة العلوم الدينية بأولئك الأجداد الكرام.

الشهيد الثاني

الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين المعروف بعد استشهاده عام 966هـ على يدي أحمد باشا الجزار بالشهيد الثاني. قام بتأسيس حوزة علمية أخرى في قرية جباع من قرى إقليم التفاح في جبل عامل. وحال الشهيد الثاني في علمه ونظرياته أشهر من أن تُعرّف. فهو قد فاق من تقدمه ومن عاصره دقة، واطلاعاً، وتحقيقاً.. وكتابه الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية خير شاهد على هذا. من أثاره: حجية الإجماع وحاشية قواعد الأحكام، وتمهيد القواعد الأصولية والعربية، وله أثار أخرى في الفقه وغيره، كما كان رحمه الله تعالى مجتهداً في المذاهب الإسلامية الأخرى، ومفتياً بها وأستاذاً لهذه المذاهب عندما كان يحلّ في دمشق، وبعلبك.

الشيخ حسين بن الشيخ عبد الصمد الحارثي الهمداني الجبعي العاملي، المتوفى في البحرين سنة 984هـ، “والد الشيخ البهائي”، كان متقدماً في العلم والاجتهاد على شيوخ عصره، وكان من أعاظم تلاميذ الشهيد الثاني وأشهرهم، كما كان مقرباً إلى الشاه طهماسب الصفوي. ومن مصنفاته العقد الطهماسبي، وقد صنّفه للشاه طهماسب الصفوي، والعقد الحسيني، وحاشية الإرشاد، وكتاب الأربعين حديثاً.

السيد شمس الدين محمد بن علي نور الدين بن علي ابن أبي الحسن الموسوي العاملي المتوفى سنة 1009هـ. وهو سبط الشهيد الثاني، وقد هاجر مع خاله الشيخ حسن صاحب المعالم سنة 993هـ إلى النجف الأشرف للدراسة على يدي المحقق المقدس الأردبيلي المولى أحمد بن محمد، ومن أشهر كتبه مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، في العبادات، في ثلاثة مجلدات، وحاشية على ألفية الشهيد الأول، وحاشية على الروضة البهية للشهيد الثاني، وشرح المختصر النافع.

الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011هـ. درس على المولى أحمد بن محمد المقدس الأردبيلي. وقد صنف في أواخر القرن العاشر الهجري كتابه: معالم الدين وملاذ المجتهدين. مثّل فيه المستوى العلمي آنذاك بنحو أكمل وأدق، وفتح فيه باب التحقيق في المشائر الأصولية بنحو أوسع ممن تقدمه. نبه الخواطر إلى ما ينبغي أن يسلك. وهذا الكتاب الأصولي يعد خير ممثل للفكر العاملي الأصولي، ولحوزة النجف الأشرف أيام المقدس الأردبيلي.

الشيخ البهائي

الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الجبعي المشهور بالشيخ البهائي،  المتوفى في مشهد الإمام علي بن موسى الرضا(ع) في بلاد خراسان سنة 1021هـ.

كان شيخاً للفقهاء، والفلاسفة والمتكلّمين، والرياضيين، والفلكيين في زمانه، وزعيماً للحوزة العلمية في أصبهان، وشيخاً للإسلام في الدولة الصفوية، أهم أثاره في علم الأصول: زبدة الأصول، وحاشية على شرح ابن الحاجب، وحاشية على زبدة الأصول، وله آثار أخرى في علوم عديدة منها: شرح الصحيفة الكاملة السجادية، والكشكول، والمخلاة، ومفتاح الفلاح، والرسالة الإثني عشرية في الفقه وغير ذلك.

هذا وقد عاصر الشهيد الأول وهؤلاء الأعلام عشرات من فحول الفقه، والأصول، والكلام، والأخلاق، والأدب أهمهم على الإطلاق: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي من قرية “مشغرة” المتوفى في مدينة مشهد الإيرانية سنة 1104هـ والمدفون بجوار الإمام علي بن موسى الرضا. من أعظم مصنفاته كتابه: وسائل الشيعة إى تحصيل مسائل الشريعة.. والحر العاملي كان مرجعاً للأخباريين من الشيعة الإمامية الإثني عشرية في إيران والعالم الإسلامي، وقد تسالم على عدالته ووثاقته والأخذ من كتبه جميع علماء الإمامية الإثني عشرية من أصوليين وأخباريين.. ويعدّه المرجع الديني الشيخ الفقيه: “من أعظم رجالات الإسلام جهاداً في سبيل الدين وأكثرهم تأليفاً وإتقاناً…”.

مفتاح الكرامة

ومن المراجع العلماء في جبل عامل في تلك المرحلة والذين اتخذتهم حوزة النجف الأشرف مرجعاً وعميداً لها وشيخاً لأساتذتها وطلابها الشيخ أبو الحسن الفتوني العاملي النجفي، المتوفى في النجف الأِرف سنة 1138هـ، من آثاره: مرآة الأنوار، وضياء العاملين.

اقرأ أيضاً: مراودة التاريخ العاملي

والسيد محمد جواد محمد الحسيني العاملي النجفي من قرية شقراء (العاملية)، والمتوفى في النجف الأشرف سنة 1246هـ، صاحب كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة في الفقه. وهو أول من خصص كتاباً أجمع أقوال العلماء في كل مسألة. قام بتحقيق هذا الكتاب وطباعته في مصر الإمام المصلح السيد محسن الأمين الحسيني العاملي في الثلاثينات من القرن العشرين. ثم تلتهم أجيال أخرى تابعت رسالتهم الخلاقة ونشرتها في آفاق العالم الإسلامي في أيام الدولة العثمانية. وبقي الأمر كذلك إلى أن عصف والي عكار التركي أحمد باشا الجزار بجبل عامل في سنة 1195هـ الموافق لسنة 1780 م، وقد شابه عصفه هذا بعصف هولاكو وعساكره المغولية ببغداد ومدارسها وعلمائها وطلابها من قبل. وكان من فقهائنا الكبار الذين استشهدوا على أيدي أحمد باشا الجزار الشيخ زين الدين ابن الشيخ خليل بن موسى بن يوسف الزين العاملي، عرفه الدكتور الأميني في معجم رجال الفكر والأدب في النجف الأشرف بأنه: “فقيه أصولي عالم عامل مجتهد متكلم مجاهد متتبع مؤرّخ محقق. هاجر إلى النجف الأشرف ولبث فيها ما ينف على 15 عاماً، درس خلاله الفقه والأصول والحديث والدراية، وتخرج على السيد محمد مهدي بحر العلوم، والشيخ علي الكني. ثم عاد إلى بلاده بطلب من وجوهها واستقل بالزعامة الدينية والمرجعية ونشر مآثر الإمامية، إلى أن قبض عليه الحاكم التركي أحمد الجزار وقتله وأحرق جثته سنة 1211هـ، واستولى على خزانة كتبه وأحرقها أيضاً، عقبه: الشيخ علي المتوفى 1232هـ، له: تاريخ القبائل العربية الداخلة إلى جبل عامل. تأريخ مبدأ التشيع ودخول أبي ذر للشام. الذريعة في الفقه يشتمل على أبواب الطهارة والصلاة والقضاء والحج والمواريث والتجارة أقول والصواب أن استشهاده كان في سنة 1195هـ الموافق لسنة 1780 م كما عرفت مما تقدم!

(مجلة شؤون جنوبية – العدد التاسع – تشرين أول 2002)

السابق
بعد انفصاله عن أصالة.. هذه حبيبة طارق العريان الجديدة!
التالي
«خيبة أمل».. علوش: لا يمكن لـ4 متهمين من «حزب الله» تنفيذ الجريمة دون تنسيق مع قيادتهم