فشل القوى الحاكمة اقتصادياً وأمنياً يدفع الساحة اللبنانية باتجاه التدويل

الاقتصاد اللبناني

تبدو الساحة اللبنانية أكثر من أي وقت مضى مشرعة لكل أنواع التدخلات الدولية.
أولاً جراء الانهيار الاقتصادي والمالي الذي بات يستدعي تدخل صندوق النقد، وما يعنيه ذلك من شروط قاسية سيكون على لبنان الرضوخ لها للحصول على مبالغ تعيد تحريك عجلة اقتصاده المتهالك.
وثانياً جراء انفجار مرفأ بيروت الذي شكل رأس جبل الجليد بموضوع فساد وإهمال هذه الطبقة السياسية، كما بموضوع الانفلات الأمني، وعدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها حتى على مرافقها العامة الحيوية.
ولقد بدا وكأن القوى الدولية، أمام هول الكارثة التي ألمت بالعاصمة اللبنانية بعد انفجار مرفأها، قررت ما هو أبعد من فك الحصار والعزلة اللذين كانا مفروضين على لبنان. وقرأ خبراء بالحركة الحاصلة التي تقودها فرنسا اتجاهاً لتدويل الساحة اللبنانية، سواءً من خلال إدخال محققين فرنسيين وأميركيين على خط التحقيقات الحاصلة في الانفجار -رغم رفض السلطات الرسمية اللبنانية التحقيق الدولي- أو من خلال مبادرة الرئاسة الفرنسية لضمان تشكيل حكومة تحظى برضا كل الأفرقاء الإقليميين والدوليين والمحليين على حد سواء.

اقرأ أيضاً: نقاط خلافية في برنامج الثورة

ويعد مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن «المشهد الراهن يؤكد أن الساحة اللبنانية باتت مدولة، بعدما كانت نصف مدولة نتيجة انكشافها على الصراع في الإقليم»، وذلك نظراً لسيطرة إيران عليها، واستخدامها ورقة مفاوضات أحياناً، وأحياناً أخرى ورقة ضغط.
ويشير نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن فشل سياسات «حزب الله» بضمان استقرار لبنان كشفته اقتصادياً وأمنياً على حد سواء «فالحزب مسيطر على المرفأ، وأياً كان السيناريو الذي حصل، فهو يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية. أما من الناحية الاقتصادية، فرعايته لمنظومة الفساد التي كانت تشكل له الغطاء، وكان أصلاً جزءاً منها، أوصلتنا للانهيار الاقتصادي المالي، وأصبح الخيار الوحيد المتاح الذهاب إلى صندوق النقد، فالإصلاحات -على ضرورتها القصوى- لم تعد كافية لأن لبنان اليوم بأمس الحاجة لضخ سيولة في اقتصاده لتفادي الانهيار الكامل».

ويضيف نادر: «فشل هذه السياسات بتأمين الاستقرار والتواصل مع المجتمع الدولي أدت لانهيار اقتصادي وعزلة وانكشاف أمني تام، ما حتم التدخل الأجنبي في بلد متعدد، وحيث موازين القوى لا تحسم بشكل نهائي لمصلحة طرف واحد».
أيضاً يرى نادر أن «السؤال الأساسي اليوم هو: كيف سيتعامل (حزب الله) مع التدويل؟ فهل ستحاول من خلاله إيران أن تؤسس لقواعد اشتباك جديدة، مستفيدة من انتهاء العزلة التي كانت مفروضة على لبنان بعد التدويل الحاصل لمد قنوات تواصل مع الغرب، ما يؤدي لسيرها بصفقة جديدة، أم أن الحزب سيخيفه ويقلقه ما يحصل، خاصة أن من شأنه تغيير موازين القوى، ما سيستدعي أن تطلب طهران منه أن يقاوم حتى الانتخابات الأميركية، وبالتالي التضحية بكل ما تبقى من الكيان اللبناني؟!».

من جهته، يعد رياض قهوجي، رئيس «مركز الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري – إنيجما»، أن «هول انفجار مرفأ بيروت، والصدمة التي أحدثها لدى الرأي العام الدولي، جعلا الساحة اللبنانية مشرعة دولياً، كما جعلا الأحزاب الحاكمة في موقع مكشوف ضعيف، ومن ضمنهم (حزب الله). فالكل اليوم، دون استثناء، في قفص الاتهام»، لافتاً إلى أنه بعد فقدان المجتمع الدولية الثقة بأي جهة رسمية لبنانية، قرر التحرك لحل مشكلة لبنان، وهي ذات بعد إقليمي، ومساعدة الشعب اللبناني.
ويشير قهوجي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «السكوت المريب للسلطة عما كان يجري في المرفأ، ووجود مناطق ممنوع الدخول إليها لأنها تابعة لقوى حزبية، كشف حجم تورط الحزب في المرفأ، ولذلك يرفض التحقيق الدولي الذي بات أشبه بسيف مسلط على رقاب القوى اللبنانية، كونه سيكشف أموراً كثيرة متورطة فيها جهات كثيرة».

ويعد قهوجي أن الضغط الدولي هو اليوم أشبه بابتزاز للقيادات اللبنانية لكشف تورطها، وماذا كانت تغطي في المرفأ، مضيفاً: «هي تعي أنها مكشوفة، لكنها لن تسلم بسهولة، وستلجأ على الأرجح إلى عمليات تذاكي للالتفاف على الضغوط الدولية، ما سيعرضها لمزيد من العقوبات، ويعقد الأمور أكثر».
ويتابع: «لبنان حالياً في مرحلة تغيير كبيرة، بحيث يتم البحث عن هويته في ظل فلسفتين: الأولى تدفع به إلى محور الممانعة، والثانية إلى الحياد والنأي بنفسه عن مشكلات المنطقة». ويضيف أن «الجهد الدولي الحاصل هو لتقليص دور (حزب الله) بلبنان، ولذلك تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نظام جديد، فهل نكون على موعد مع طائف جديد؟ نحن أمام منعطفات خطيرة، والمشهد سيحتاج إلى وقت ليتبلور، ولكن ليس وقتاً طويلاً. وكل من سيحاول العرقلة أو التصدي للتحركات نحو التغيير سيتعرض لضغوط وعقوبات. أزمة لبنان باتت مدولة بالكامل، وسنشهد مزيداً من اتجاهات التدويل كلما كان هناك تشدد من القوى الحاكمة في تقديم تنازلات لصالح الإصلاح والتغيير».

السابق
بالكمامة.. الإعلامية كاتيا كعدي تدخل القفص الذهبي في تركيا!
التالي
هيل يُذكّر من المرفأ بضبط الحدود ومنع سيطرة «حزب الله» على مرافق الدولة!