إيران والشيعة في لبنان

هاني فحص
اعلان

قبل نجاح الثورة الإيرانية كان هناك تحول يجري في البلاد العربية ومنها لبنان بصورة خاصة ، وقد أخذ هذا التحول يتبلور بعد نكسة عام 1967 في فلسطين ، التي أظهرت فشل قوى الحداثة العربية ( اليسار واليمين والحركة القومية والوطنية) . وأخذ الناس يعودون الى الدين من دون أن يكون هناك مثال أمامهم ، بنجاح الثورة الإسلامية وإعلان شعاراتها الأساسية (لا شرقية ولا غربية – اليوم إيران وغداً فلسطين) وإجراء الإنتخابات والإستفتاءات لتكوين المؤسسات ، كل ذلك جعل المسلمين عموماً ينتقلون من خيبة أملهم في الماضي الى الأمل بالمستقبل وأخذت ظاهرة الإلتزام الديني تتسع وتعبر عن نفسها في الإقبال على العبادات واللباس الشرعي للنساء والإقتراب من رجال الدين .. بعدما كان هذا الرجوع الى الدين قد ترتب على انكشاف الحداثة وعملية التحديث المشوهة وانكشاف حركة التحرر العربي في أطروحاتها وشعاراتها.

اقرأ أيضاً: الديموقراطية.. قدر إيران

احتلال الجنوب

ولم تلبث اسرائيل أن احتلت جنوب لبنان ، وأسهمت إيران في تأسيس المقاومة، فمالَ كثير من الشيعة المتضررين دائماً من اسرائيل ، الى النهج الإيراني بشكل واضح ، وأصبحوا أكثرية لاحقاً ، غير أن إيران لم تلتفت بشكل كامل الى ضرورة وحدة الشيعة إلا عندما أحكمت قبضتها على أكثريتهم ، ما جعل الفتنة بين حزب الله وحركة أمل تصيب الشيعة بجرح عميق ، ثم عادت الأمور الى نصابها بعد الخسائر الكبرى ، واستقامت المقاومة وانتهت الى التحرير ، فكان ذلك من أسباب تماسك الشيعة وانتشار احترامهم في أوساط العرب والمسلمين ، شعوبهم وحكوماتهم ، ولكن هذا الإحترام كان يرافقه شيء من الخوف من قوة الشيعة في لبنان وامتداد آثارها الى الشيعة في البلاد العربية مما كان في الأحداث التي حدثت في هذين البلدين دليل على أنه ، اي الخوف من الشيعة ، أمر معقول ومبرر . ولكن يمكن معالجته والعودة به الى مستوى عادي من خلال خوف الشيعة في البلاد العربية من مستقبلهم بناء على خوفهم من ماضيهم والذي لم تعمد الدول العربية الى إزالته من خلال تحولها الى دولة جامعة بدل أن تكون دولة مضيفة لجزء من سكانها الذين يشعرون بأنهم جالية ، ويبالغ بعضهم بهذا الشعور ويستغله آخرون كإيران لمصلحتها لا لمصلحتهم.

ولذلك صدرت آراء عن كثير من عقلاء الشيعة تدعو شيعة لبنان السياسية، حركة أمل وحزب الله تحديداً ، الى أن ينتقلوا بمساعدة إيران ودعمها من المقاومة الى المشروع السياسي الذي يحفظ وجودهم ويطمئن شركاءهم في الوطن .. تحسن الخطاب الشيعي نسبياً في هذا المجال ، ولكن المشروع الشيعي لم يتبلور حتى الآن كما ينبغي وهذا يحتاج الى جهد إيراني كبير وفاعل ومقتنع بضرورة ظهور الشيعة في لبنان بصورة المستقل الفعلي . يعضد الجهد اللبناني الذي هو الشرط الأول للمشروع .

هذا في الإيجاب .. أما في السلب فإن اهتمام إيران ببناء المقاومة ومجتمعها دفعها لأن تستخدم علاقاتها وإمكانياتها المادية في بناء حالة حزبية غنية ومترفة في زمن الفقر والحاجة، ومستقوية على المجتمع ، ومعتمدة على السياسة التي غلبتها على الخطاب الديني والعلاقات الدينية وحوّلت الدين الى ذريعة سياسية أو حزبية ، فتضافر المال مع القوة مع التنظيم مع السلوك الأمني على تهميش رجال الدين المستقلين وتقوية رجال الدين الشباب والتابعين من دون مناقشة وبصرف النظر عن أهليتهم العلمية إذا ما كانوا يحسنون ترديد المفردات التعبوية.

الثنائي الشيعي

لقد أصبح الشيعة مع حركة أمل وحزب الله وبالدعم الإيراني ومن خلال دخولهم في مؤسسات الدولة، مجلس النواب والوزارة والإدارة ، ومن خلال المقاومة وبريقها ، في حالة من الإشباع السياسي ، ما جعل رجال الدين عموماً يتوقفون عن اداء دورهم الاجتماعي ، وفقدان قدرتهم بسبب تحزبهم على اداء هذا الدور ، فانتشرت حالات اجتماعية صعبة كان يتم علاجها سابقاً من خلال التعاون بين رجال الدين وجماعات المجتمع الأهلي التي همش دورها -وهذا ما يفسر حالات الطلاق التي تتصاعد مع غيرها من الظواهر السلبية – ويمكن علاج أكثرها .. وما يعني ان رجال الدين تخلوا عن دورهم التاريخي الذي كان يحتاج الى مزيد من التجديد والتطوير ، ولولا رضا إيران بهذه الحالة ورغبتها فيها ما حدثت أو ما تضخمت ..

وإذا ما كانت حالات الطلاق والتفكك الأسري تعود في بعض أسبابها الى الإنقسام الحزبي والحربي بين أمل وحزب الله ، فإن الفقر وضعف الطبقة المتوسطة مركز الحيوية والثقافة والسياسة في المجتمع قد اسهم إسهاماً كبيراً في الخلل الإجتماعي، ولكن لم ترافقه حتى الآن حركات مطلبية شعبية تؤثر على الدولة التي تسهم بفسادها وسوء ادارتها وطريقة عملها الزبائنية وأسلوب تنميتها الذي لا يحسب بدقة حساب الأولويات ، هذه الحركات التي كان يقوم بها أهل المطالب من عمال وفلاحين وفقراء عموماً فيجبرون الدولة على التصحيح ولو قليلاً أو بعد حين ، لم يعد بإمكان هؤلاء القيام بها ، لأن حزب الله وحركة أمل بأنظمة المصالح التي يعملون من خلالها ( المال والوظائف) يعيقون دور المجتمع عن الحركة والفعل . وإذا قاموا هم بالتحرك فإنهم لا يصلون الى الغاية المطلوبة بسبب المساومة السياسية والمصالح الفئوية التي يهدفون إليها أو يحققونها .. إذن فأعضاء حزب الله المكتفون حالياً وأعضاء حركة أمل الطامعون بالوظيفة والذين يحصلون حاجتهم من المال أو أكثر منها أو أقل ، لا يتحركون مطلبياً ويمنعون الناس من التحرك ، واليسار مكشوف وضعيف ويتمسح بالسلطة بسبب هزاله وفشله .

الفقر والبطالة

وتتسع دائرة الفقر الشيعي والبطالة والهجرة والظواهر الاجتماعية الخطرة ، من المخدرات الى اللامبالاة ، الى الإنصراف ليلاً لمتابعة الفضائيات .. هذا في غياب حركة طلابية أو نسائية شيعية فاعلة ، يعيقها حزب الله أولاً وحركة أمل ثانياً ، بسلطة التنظيم الواسعة ما ينعكس ضعفاً وهزالاً وغياباً تاماً للحراك الطالبي على المستوى الوطني ، مع ما يرافق ذلك من تهميش العلماء والمثقفين وقمعهم واستلحاقهم ، تحت طائلة محاصرتهم وإقصائهم وقطع أرزاقهم ، وتشويه سمعتهم إن لم يطيعوا أو يمتنعوا عن المخالفة وهم في العموم يؤثرون النقد البناء على الفوضى والمغامرة فيميلون الى الهدوء ، خاصة بعدما استقطب دافعو الخمس بالترغيب الديني والمذهبي والدنيوي والترهيب الديني والمذهبي والدنيوي ، وظهر الى الوجود نظام مصالح مشتركة بين إيران وحزب الله وحركة أمل في حاشية المشهد وبين المتمولين الشيعة العائدين من افريقيا لأن النفوذ الشيعي أشد إغراءً وتأميناً للربح.

الحياة الدينية غير مريحة بسبب السياسة الحزبية وسيطرة حزب الله اولاً وبالشكل الاوسع والأقسى

الطبقة الدينية الجديدة التي نشأت ليست طبقة رجال الدين بل هي طبقة الحزبيين الشيعة ، في حركة أمل وحزب الله ، مع أعماقهم الذين يشكلون دورة إنتاجهم واستهلاكهم في الإعلام والثقافة والتجارة والعسكرة والأمن والخدمات الدينية السياسية أو السياسية الدينية ، وعموم رجال الدين في المجال الحزبي ليسوا أقوياء ، إلا من كان منهم في القيادة العليا .. وأكثرهم يؤثر الصمت والتبعية بسبب ضيق فرص العيش ـ بعد أن تبخرت الطبقة المتوسطة التي كانت تمدهم بالحقوق الشرعية ، وأصبح المتبقي مع قلة من الأغنياء الذين يخلطون حب الوجاهة بالإلتزام بدفع الحقوق الشرعية ، يؤثرون تقديمها الى حزب الله وبعض الأفراد من رجال الدين المشهورين والذين يحسنون من الدعاية واستدراج الأموال ولا يتعاملون مع رجال الدين المستقلين إلا على أساس التبعية والولاء مع قليل من العطاء .

 – هيئة علماء جبل عامل أنشئت عام 1983 للإسهام في المقاومة ولكنها تحولت الى مؤسسة فاشلة ولا تملك من أسباب بقائها إلا استمرار إيران بدفع المال لها ، وهذا ما جعل العدد الأكبر من رجال الدين الذين انتسبوا اليها يخرجون منها إما احتجاجاً على سوء التصرف وإما طمعاً بالمال . حتى اضطر الإيرانيون أخيراً أن يعلقوا عملها من دون أن يلغوها .. انها إحدى التعبيرات السلبية عن النفوذ الإيراني في أوساط رجال الدين الشيعة ، وهذه الحركة يتعامل معها الإيرانيون وحزب الله بشيء من الإزدواجية فبعضهم ينقدها نقداً قاسياً ويسخر منها ، وخاصة من الشخص الذي يترأسها من دون قبول من الآخرين ، والبعض الآخر يجد فيها أداة طيعة ولا يرى ضرورة لإهمالها رغم فشلها الفاضح .

ومثل “هيئة علماء جبل عامل” ، “تجمع العلماء المسلمين” الذي تأسس في طهران مع بداية الإجتياح الإسرائيلي للبنان ومن أجل توحيد الجهود في المقاومة .. وقد انضم اليه عدد كبير من العلماء السنة ، الذين عاد أكثرهم الى الإنسحاب منه بعدما ازدادوا تمسكاً بسنيتهم وشكاً في مصداقية شعار الوحدة الذي حمله التجمع ، أي بعد أن رأووا أن المتعصبين الشيعة الذين يعملون بتوجيه إيراني ، لا همّ لهم إلا تغطية عملهم بالعمائم السنية ، وبقي من مشايخ السنة في التجمع بعض الشباب المغبونين من مؤسساتهم الدينية  ، وقد تعرض هذا التجمع أكثر من مرة الى التعطيل التام .. ثم عاد أخيراً ليشتغل تحت إمرة الأجهزة الإيرانية وأجهزة حزب الله التي تتنازع عليه أحياناً . وهو قليل الفاعلية ولا يحضر إلا في مناسبات محدودة ، وعلاقاته واستمراره يقومان على ما يوفره من ظهور في المناسبات وفي أنشطته الإعلامية والعطاءات المالية القليلة أحياناً والسخية أحياناً أخرى .

اقرأ أيضاً: إيران: الاعتدال هو الحل

–  الحياة الدينية غير مريحة بسبب السياسة الحزبية وسيطرة حزب الله اولاً وبالشكل الاوسع والأقسى ، ثم حركة أمل بشكل جزئي ، على المساجد والحسينيات ، وتهميش دور العلماء المستقلين ، وتنصيب وعزل أئمة المساجد بقرارات حزبية فوضوية محلية أو مركزية ، لذلك أصبحت الحياة الدينية حياة حزبية سياسية بالمعنى الكامل ، أي خالية من الروح ، وانحسر المصلون العاديون عن المساجد التي أصبحت مكاتب ومنابر للخطاب السياسي الحزبي الخالي من الموعظة والمليء بالتحريض والدعوة الى التعصب والغلو والخرافة ، ولم تسلم مجالس التعزية من ذلك ، بل أصبحت مجالس حزبية عصبية بامتياز ، ما دفع أهل العزاء العاديين من الشباب والكهول وأهل العبادة الى البحث عن مساجد ومجالس عزاء خلفية يمارسون فيها عباداتهم وأحزانهم وحسرتهم على تحوّل الدين الى علم بالأحكام الفرعية من دون ثقافة دينية أو اجتماعية .. ومع هذه الحياة المحكومة بالسياسة لا بالقيم ، تسود في أوساط الشباب المتدين ظواهر مسلكية يتحدث الناس عنها بخوف شديد من آثارها على أخلاق الشيعة ومستقبلهم .

(2005)

السابق
إستنفار لـ«حزب الله» وإيران على هدير البوارج..ونصرالله يُهدّد داخلياً وخارجياً!
التالي
ماذا وراء خطوة الإمارات لفتح العلاقات مع إسرائيل؟