بيروت المنكوبة تستعيد أشعاره في ذكرى وفاته.. محمود درويش شاعر «الإلتزام الملحمي»!

محمود درويش
فيما لما يزل اللبنانيون منذ عدة أيام بلياليها،"يستحمون"بذهولهم المريع،وهم يلملمون شظاياهم الروحية،التي تناثرت كمدا وحزنا كبيرين ،على(أكثر من 150شهيدا وأكثر من 5000آلاف جريح )الذين سقطوا ضحايا فاجعة إبادة مرفأ بيروت وتصدع محيطه الواسع، جراء تفجر أطنان هائلة من نيترات الأمونيوم التي كانت مخزنة عشوائيا في احد عنابره الرئيسة، صودف أنه حلت الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
اعلان

هذه المصادفة حتمت علينا استعادة ما كتبه محمود درويش عن مدينة بيروت في ملحمته الشعرية: “مديح الظل العالي”،راثيا ورافضا لحالها التدميرية التي حصلت على يد الصهاينة في العام 1982.

ذلك أن هذه الإستعادة تظهر، ومن دون أدنى جهد تأملي يذكر، أن رثاء درويش لبيروت يبدو أنه كأنه قاله اليوم، على فاجعة بيروت الحالية، فإن حضور بيروت بأطيافها الكثيرة في “مديح الظل العالي “هو عصب التكوين الشعري _في الشكل وفي المضمون لهذه المتوالية الشعرية، التي منها نورد هنا بعضا من الأطياف الشعرية لمدينة بيروت، فلقد:

“هيأنا لبيروت القصيدة كلها
قلنا لبيروت القصيدة كلها
بيروت قلعتنا
بيروت دمعتنا
بيروت قصتنا
بيروت غصتنا

بيروت صورتنا
بيروت سورتنا “

نقول: إن وجوه التفجع الصارخ هذه ،يكللها ويظللها مع سواها من وجوه أخرى لهذا التفجع الباذخ ،الصيحة الكبرى والمدوية الباذخة أيضا بأبعادها العميقة الدلالات :”يا خالقي…

علمتني الأسماء
لولا
هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى!
بيروت كلا…”

وفي الحديث عن الشاعر الفلسطيني محمود درويش فإنه أثبت في تجلياته الإبداعية كافة-وبكل ما تملكه هذه التجليات ،من دلالات، وبجميع ما يمكن إستشرافه من أبعادها-أنه شاعر الإلتزام الملحمي(ذي النفس الشعري التراجيدي العميق)بقضية وطنه وشعبه، ونقصد هنا، دقة جوهرية المعنى الحرفي لهذا الإلتزام على الصعيد الإبداعي.

هذا الإلتزام الذي هو وليد رهافة شعرية نادرة ،مكنت القصيدة الدرويشية، بجمالياتها الخاصة، من النيل من الواقع بفرض شروط عالمها هي (أي العالم الداخلي للشاعر)على الواقع وليس العكس.

على أن الإلتزام الدرويشي قوامه مشروع شعري جمالي يجمع بين همي قضيتين كبيرتين، كل قضية منهما، تشكل لوحدها، عبئا كبيراً كعبء تاريخي بحد ذاته-له متطلباته التي على الشاعر أن يمتلكها، وهاتان القضيتان هما: القضية الفلسطينية، وقضية الشعر.

ولقد إستطاع درويش أن ينجح نجاحا لافتا ،في الإضطلاع بأعبائهما كافة، كقضية واحدة وموحدة لديه،بحيث وصف بأنه أمير الشعر الفلسطيني، وواحد من أكبر الشعراء العرب والعالم في العصر الحديث.

ولا يمكن لأحد أن يعبر عن ماهية الإلتزام الدرويشي، خيرا من محمود درويش نفسه، إذ هو يقول: “لا أرى تناقضا بين أن أكون منتميا ومؤمنا بقضية إنسانية كبرى، كالقضية التي أحمل، بما تتضمنه من معان، كالعدالة والحرية والمنفى، وبين أن أكون حريصا على تطوير مشروعي الشعري الجمالي، لأن التدقيق في جمالية الشعر، مسألة لا تقل أهمية عن البحث عن شعر القضية ،والبحث عن قضية الشعر، بحد ذاته، طبيعة مختلفة عن بعض أشكال التعبير الوطنية”.

ونجاح درويش في هذا المشروع المزدوج جعل منه، ليس شاعرا عربيا فحسب، بل شاعرا إنسانيا عالميا، نخبويا وشعبيا في آن معا.

ويعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى.

ولد محمود درويش في 13مارس/آذار عام 1941في قرية البروة في الجليل بفلسطين، ونزح مع عائلته إلى لبنان في نكبة 1948،وعاد إلى فلسطين متخفيا ليجد قريته قد دمرت ،فاستقر في قرية الجديدة شمال غرب قريته البروة.
أتم تعليمه الابتدائي في قرية دير الأسد بالجليل، وتلقى تعليمه الثانوي في قرية كفر ياسيف.

إنضم درويش الى الحزب الشيوعي الإسرائيلي في فلسطين، وعمل محررا ومترجما في صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد التابعتين للحزب،وأصبح فيما بعد مشرفا علىتحرير المجلة، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر.

إعتقل أكثر من مرة من قبل السلطات الإسرائيلية منذ عام 1961بسبب نشاطاته وأقواله السياسية. وفي عام 1972توجه الى موسكو ومنها إلى القاهرة، وانتقل بعدها الى لبنان حيث ترأس مركز الأبحاث الفلسطينية.

شغل منصب رئيس تحرير مجلة “شؤون فلسطينية “كما ترأس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وأسس مجلة “الكرمل “الثقافية في بيروت عام 1981.

انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988،ثم مستشارا للرئيس الراحل ياسر عرفات.
كتب إعلان الإستقلال الفلسطيني الذي أعلن في الجزائر عام 1988.واستقال من اللجنة التنفيذية بعد خمس سنوات احتجاجا على توقيع “إتفاق أوسلو “.

عاد درويش عام 1994إلى فلسطين، ليقيم في رام الله، بعد أن تنقل في عدة أماكن كبيروت والقاهرة وتونس وباريس.
بدأ درويش كتابة الشعر في المرحلة الابتدائية وعرف كأحد أدباء المقاومة. ولدرويش ما يزيد على ثلاثين ديوانا من الشعر والنثر،بالإضافة الى ثمانية كتب. وقد ترجم شعره الى عدة لغات .

وأثارت قصيدته “عابرون في كلام عابر “جدلا داخل الكنيست الإسرائيلي.

حصل على عدة جوائز، منها: جائزة لوتس عام 1969،لوحة اوروبا للشعر عام 1981،جائزة لينين في الاتحاد السوفيتي ،عام 1983جائزةالأميركلاوس(هولندا)عام 2004. جائزة العويس الثقافية مناصفة مع الشاعر السوري أدونيس عام 2004.

توفي درويش في 9 أغسطس/آب 2008بالولايات المتحدة الأميركية إثر خضوعه لعملية جراحية للقلب بمركز تكساس الطبي في هيوستن. ودفن في 13أغسطس/آب بمدينة رام الله في قصر رام الله الثقافي. الذي سمي ب”قصر محمود درويش للثقافة.

السابق
تطور على الحدود.. تراجع التعزيزات العسكرية الإسرائيلية جنوباً!
التالي
نكبة بيروت تفجر وزارة «حزب الله».. وتدك حكومات اللون الواحد!