اللبنانيون يحولون «محنة» دمار بيروت الى «منحة» لإسقاط «سلطة الإذلال»!

علي الأمين
اعلان

يبدو ان اللبنانيين تلقفوا هذه المرة الفرصة الأخيرة، التي منحتهم إياها الدول الراعية والمانحة وفي مقدمها فرنسا، بفعل هول دمار بيروت، الذي سوى جزءا حيويا منها بالأرض، وأزهق بالمجان أروحاً لا تعرف بأي ذنب قُتلت سوى انها تعيش في زمن دولة فاسدة “مارقة” يحركها حزب الله بين أصابعه، وخلفت جروحا وندوباً موغلة في الجسد والروح والذاكرة.

 اللبنانيون على الرغم من انهم لا يزالون تحت وقع الصدمة، إلا انهم يتشبثون بلحظة الأمل “الدموية” بأسنانهم وأظفارهم، و شمروا عن سواعدهم وإستعادوا ساحاتهم بسلميتها وصخبها و”عنفها الثوري” للتعبير عن غضبهم المكبوت من جراء سلطة الإذلال والإهمال التي يعيشون تحت نيرها، وإنقاذ وجوههم  و وجودهم، و ما يمكن إنقاذه من وطنهم الممزق، والتصدي لنظام الفوضى الذى أرساه “حزب الله”، عبر إتيانه بحكومة نفح فيها من روحه، بالتكافل و التضامن “السلبي” مع عهد ينكث بكل العهود،  أوصلتهم الى ما وصلوا إليه.

إذا لبنان دولة فاشلة. هذا ما يقوله اللبنانيون عمليا في كل ما عبروا عنه من غضب تجاه منظومة السلطة، اثر النكبة التي اصابت لبنان من خلال التفجير الذي وقع في مرفأ بيروت، وهذا ما يقوله العالم المندفع لمساعدة لبنان للخروج من النفق الذي دخل فيه منذ تفجير اكثر من الفي طن من مادة نترات الامونيوم، ففرنسا والولايات المتحدة الاميركية وغيرهما من الدول، اعلنت من دون تردد، انها ستقدم مساعداتها مباشرة الى الشعب اللبناني. وخلال  مؤتمر المانحين لمساعدة بيروت والشعب اللبناني، الذي عقد في باريس افتراضيا امس، اعلن ان المساعدات سيتم الاشراف عليها من خلال الأمم المتحدة، وهي رسالة قوية للحكومة اللبنانية بأن لا ثقة دولية تجاه الحكومة وكل منظومة السلطة في لبنان، وهي مؤهلة لايصال المساعدات الى مستحقيها.

هذه الرسالة الدولية، تأتي استجابة لأصوات المنكوبين الذين اعلنوا من بيروت وامام الملأ وخلال زيارة الرئيس الفرنسي اثر الفاجعة، انهم يرفضون ان تتولى الدولة اللبنانية ومؤسساتها استلام المساعدات وتوزيعها على المنكوبين ومن يستحقها.

هذه الرسالة القوية والمؤسفة في آن، بسبب ما وصلت اليه الدولة اللبنانية ومؤسساتها من فشل وتلاش، تعطي الاشارة الى ان لبنان بات على اهبة الدخول في مرحلة جديدة، بعدما فشلت السلطة او تمنعت عن القيام بالحدّ الأدنى من الاجراءات الاصلاحية منذ مؤتمر سيدر وقوضت الفرصة التي اعطيت لها كما قال الرئيس الفرنسي في بيروت منذ نيسان ٢٠١٨، وجاءت نكبة التفجير لتقوض نهائيا كل الأمال التي بقيت معلقة على السلطة، بعدما كشف التفجير الغامض، ان الاهمال وغياب المسؤولية، والفساد، هي من الاسباب الواضحة والجلية لوقوع الكارثة مهما كان سبب التفجير المباشر.

ازاء ما تقدم فان لبنان امام استحقاق جديد، وهو اعادة ترميم الثقة والمصداقية، في سياق عملية الخروج من تحت الانقاض، وعملية ترميم واستنهاض الدولة.

لقد كشفت التسوية الرئاسية بكل ما تضمنته من وصول العماد ميشال عون الى السلطة، ومن تسليم شبه كامل ل”حزب الله” في التحكم في الدولة وخياراتها، ان هذه التسوية التي اتاحت لهذا الحزب الامساك بلبنان والتحكم بسياساته الداخلية والخارجية، والاشراف على نظام المحاصصة والفساد، قد وصلت الى مفترق طرق، ومفصل سيقرر مصير لبنان.

من هنا فان مؤتمر المانحين في باريس امس، تقدم خطوة باتجاه ملئ فراغ السلطة الذي سببه الحكم الفاشل والدولة المتهالكة بفعل السلطة وسوء الادارة ونظام المحاصصة، وهي فرصة للبنان من اجل اعادة الاعتبار لمفهوم الحكم الرشيد، وللدولة ومؤسساتها، وفرصة من اجل اسقاط الثنائيات التي قوّضت مصالح الدولة بما فيها الشعب الذي تعرض لأكبر عملية نهب من خلال احتجاز الودائع المصرفية، والى احدى اكبر الجرائم التي عبر عنها التفجير الاخير وما سببه من نكبة انسانية واقتصادية.

من هذا المنطلق فان ما يجب استكماله، ازاء خطوة مؤتمر المانحين في باريس، هو الأهم في سياق انقاذ ما يمكن انقاذه من لبنان الوطن والمؤسسات والشعب، فالرعاية الدولية ومن خلال الأمم المتحدة، باتت حاجة وجودية للدولة، ولعل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، التقط فرصة استثنائية لتحويل المشهد المأساوي في لبنان اليوم الى فرصة لانقاذ لبنان، وعلى رغم ان فرنسا تفتقد القدرة على تحقيق ما تصبو اليه في لبنان مع تراجع دورها ونفوذها في العالم العربي، الا انها تدرك ان ثمة فرصة تاريخية ان تلعب هي نفسها دورا محوريا في اعادة بناء دولة لبنان الكبير كما فعلت قبل مئة عام، وما اعلان ماكرون انه عائد الى لبنان في مطلع ايلول المقبل، اي في مئوية لبنان، الا مؤشر على ذلك، وفرنسا تدرك ان لبنان هو ما تبقى لها من دول الفرنكوفونية في هذا المشرق العربي.

ماكرون يدرك في المقابل ان فرنسا لم تعد فرنسا التي كانت قبل مئة عام، فليس هي من يقرر في هذا البلد، ثمة دور ايراني فاعل، واميركي حاضر، لكن ما يجعل الهبة الفرنسية تجاه لبنان مؤثرة، هو ان الخيارات المتاحة والمسيطرة باتت مدمرة، ولا ثقة لبنانية شعبية بها ولا بقدرتها على انتشال لبنان من الدرك الذي وصل اليه.

في المعنى السياسي فان مؤتمر المانحين، يفتح الباب مجددا للبنان من اجل الخروج من النفق الذي ادخل فيه، وهذا الخروج بات يتطلب بدرجة كبيرة انهاء المبررات المسببة للانهيار والتداعي، وهي الى حدّ كبير تتصل في جزء محوري منها حلّ سطوة “حزب الله” على الحياة السياسية، واعادة ربط لبنان بمحيطه العربي، وتثبيت الحدود البرية والبحرية مع اسرائيل، والتي اشار الرئيس نبيه بري قبل ايام الى انها باتت شبه منتهية، كما ضبط الحدود مع سوريا، عبر تحديدها وترسيمها، وتنفيذ كل القرارات الدولية المتصلة بلبنان، بما فيها القرار ١٧٠١.

هذه البوابات والطرق التي نفذت الأزمة من خلالها الى عمق الدولة، يتطلب بالضرورة اعادة الاعتبار للاصلاح السياسي، وهو ما لا يمكن تحققه طالما بقي السلاح خارج الدولة عنصرا مؤثرا في الحياة السياسية من جهة، وطالما بقي الخارج مصرا على تحويل لبنان الى ساحة تصفية حسابات، من هنا تأخذ الدعوة الى الحياد التي اطلقتها بكركي، اهميتها، بعدما نجحت الممانعة بقيادة “حزب الله” من القضاء على كل مصادر القوة الوطنية والاقتصادية واضعفت الدولة وقوضت كل ما هو تعدد وتنوع سياسي، واختصرت لبنان ببندقية.

الدور الفرنسي هو الفرصة المتاحة للبنان، وماكرون يلتقط هذه اللحظة المأساوية في محاولة لجعلها فرصة تاريخية تتلاقى مع اصوات اللبنانيين الغاضبة من سلطة عمياء ومدمرة وقاتلة بالوقائع والأرقام.

السابق
الإعتداء بالضرب على مفتي صور.. مُطاردة وإطلاق نار في صيدا!
التالي
بيروت و العراق وإيران.. إنفجارات غامضة وتواطؤات «تحت الطاولة»!