«الإعصار» يَهب..مرتين!

شباب وشابات فاثناء تطوعهم تنظيف شوارع بيروت بعد انفجار المرفأ
أول ما يتبادر إلى الذهن لدى محاولة فهم " إعصار النار " الذي ضرب بيروت في الرابع من آب الماضي ، هو جملة من الأسئلة أولها ما علاقة هذا الذي حصل بما يجري في المنطقة منذ الثاني من كانون الثاني الماضي يوم مقتل قاسم سليماني في العراق .
اعلان

من الصعب في منطقة كمنطقتنا المتفجرة وفي ظل الظروف التي نعيشها في لبنان في الفترة الأخيرة من إستنفار متبادل على الحدود الجنوبية وفي شهر الإستحقاقات الكبرى من صدور حكم المحكمة الدولية في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الذي تأجل للمرة الثانية بعد الإنفجار، وكذلك إستحقاق التمديد لليونيفيل والتجاذب الحاصل حول محاولة توسيع مهامها .

و من الصعب الإقتناع بأن هذا الإعصار الناري قد أتى قضاءً وقدرا أو نتيجة خطأ بشري ما ، مع تسليمنا الكامل بالإهمال الموجود الناتج عن الفساد المعشش في كل مفاصل الدولة اللبنانية وهذا موضوع آخر، خاصة وأن الأوضاع في لبنان تشبه أو لنقل لا تختلف كثيرا عن الأوضاع في العام 2004 قبل الزلزال الأول الذي ضرب لبنان في 14 شباط 2005 والذي لا نبالغ بالقول بأننا لا زلنا نعيش إرتداداته حتى اليوم وما نشهده من تطورات خير دليل على ما نقول.

 في العام 2004 كان العنوان تطبيق القرار 1559 الداعي إلى إنسحاب القوات الأجنبية من لبنان بما معناه يومها رفع الوصاية السورية عن البلد ، اليوم يأتي طرح شعار الحياد من قِبَل البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي لا يمكن أن يكون طرّحه عشوائيا وردود الفعل المحلية عليه بما يذكر بالمواقف عام 2004 ، والذي لا يقل أهمية عن القرار 1559 ويعني عمليا المطالبة بإنسحاب قوات حزب الله – يا للمفارقة – من الإقليم وعودته إلى لبنان ما يُترجَم سياسيا – ولنقل الأمور كما هي – برفع أو إضعاف الوصاية الإيرانية على لبنان.

إصرار المسؤولين في الدولة ومن أبواق الدويلة في لبنان على إستبعاد العامل الإسرائيلي في انفجار مرفأ بيروت

تترافق كل هذه التطورات مع إستمرار العدو الصهيوني بغاراته المتكررة التي أصبحت على ما يبدو روتينية على سوريا ضد المواقع العسكرية لإيران وأتباعها وعلى قافلات السلاح خاصة منها تلك المتوجهة إلى لبنان وهو ما دفع أمين عام حزب الله إلى التصعيد في الأشهر الأخيرة والإعلان عن أن الرد هذه المرة على مقتل عناصره في سوريا لن يقتصر على الأراضي السورية، بل سيكون الرد من لبنان ممكنا وهو ما تسبب في الأيام الأخيرة بالإستنفار المتبادل والتوتر على الحدود بعد مقتل أحد عناصر الحزب في غارة إسرائيلية على ضواحي دمشق وما تلاه من حديث إسرائيل عن إفشال تسلل من جنوب لبنان بإتجاه مزارع شبعا مؤخرا ، وما تبعه من محاولة زرع عبوات في الجولان وما نتج عنه من قصف للمجموعة ولمواقع للجيش الأسدي في القنيطرة قبل أيام قليلة من الإعصار الذي ضرب بيروت .

وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما يحصل في إيران منذ حوالي الشهرين من إنفجارات غامضة لم يسلم منها موقع نطنز النووي ، وحرائق متعددة طالت عدة مرافق هامة من مرافئ وسفن وثكنات وغيرها ، يصبح الحديث عن القضاء والقدر والخطأ البشري بإعصار بيروت الشبيه بغموضه بما يحصل في إيران هو نوع من المزاح الثقيل وتغطية السموات بالقبوات كما يقال ويعطي للسؤال الكبير عن العلاقة بين كل هذه الأحداث في المنطقة مصداقية ومشروعية أكبر . 

هذا السؤال الكبير على مستوى الصراع عن الترابط بين الأحداث يتفرع عنه أسئلة عديدة في الوقائع التي رافقت إنفجار المرفأ في بيروت بدءا من الرواية المتداولة عن وصول شحنة الأمونيوم إلى بيروت على متن السفينة روسوس وما نقل من تفاصيل على لسان القبطان الروسي والتي تطرح الكثير من علامات الإستفهام عن مدى صحتها وما إذا لم تكن تركيبة مخابراتية خاصة وأن بدايتها تعود للعام 2013 وهو العام الذي شهد الصفقة الأميركية الروسية بشأن تدمير مخزون الأسلحة الكيميائية السورية والتي كانت بداية تغيير موازين القوى لصالح النظام السوري ، فهل كان لهذه الشحنة علاقة بمخزون الأسلحة السوري مثلا ؟ السؤال الآخر هو هل يمثل هذا الإنفجار حلقة في سلسلة الضربات الإسرائيلية الممتدة من سوريا إلى إيران – ربما !!

هل يمثل هذا الإنفجار في مرفأ بيروت حلقة في سلسلة الضربات الإسرائيلية الممتدة من سوريا إلى إيران – ربما !!

بهدف شل قدرات حزب الله التسليحية أو غير التسليحية حتى ، عبر قطع الشريان الرئيسي الذي يغذي لبنان ومن ضمنه بطبيعة الحال حزب الله بحاجاته في كل مجالات الحياة وبهذا تكون إسرائيل قد ضربت عصفورين بحجر واحد حزب الله كمنظمة ولبنان كبيئة حاضنة خاصة بعد تهديداتها الأخيرة والمتكررة بأن البنى التحتية اللبنانية وغيرها من المنشآت الحيوية هي هدف مشروع لها إذا ما تعرضت لأي هجوم في ظل التوتر والإستنفار الحاصل جنوبا فكانت ضربة إستباقية بما يذكر بحرب 67 مع العرب ؟

وهنا يُطرح سؤال عن الإصرار منذ اللحظات الأولى من قبل المسؤولين في الدولة ومن أبواق الدويلة في لبنان على إستبعاد العامل الإسرائيلي في الموضوع والذهاب بداية بإتجاه أن الإنفجار ناتج عن شحنة مفرقعات ما يدعو للتساؤل عمن أعطى هذه التعليمة للإعلام قبل حتى أن يعرف أحد ماذا حصل أصلا.

والسؤال هنا مشروع ومبرر خاصة وأن هذا الفريق كان أول من يتهم إسرائيل في كل حادث أو عمل أمني يحصل في لبنان ولا يزال حتى اليوم يأخذ على الآخرين وبعد كل تحقيقات المحكمة الدولية إستبعادهم الفرضية الإسرائيلية في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وكل حوادث الإغتيال ومحاولات الإغتيال والتفجيرات التي تبعته ، فهل يكون هذا الأمر نوع من ” تجرع ” السم على الطريقة الإيرانية في العام 1988 بُعيد إسقاط طائرة مدنية إيرانية فوق مياه الخليج بصواريخ أمريكية الأمر الذي أدى إلى القبول الإيراني بوقف الحرب مع العراق ؟ 

إقرأ أيضاً: بالفيديو.. الجميزة لمراسل «الميادين»: « لازم تتعلق مشانقكم»!

وهنا أيضا يبرز سؤال هل هي صدفة وقوع هذا التفجير عشية صدور حكم المحكمة الدولية الذي بات معروفا بأنه سيتهم أفرادا معينين من حزب الله بالتخطيط والتنفيذ للجريمة أم هو أمر مدبر لزيادة الضغوط على الحزب في هذه الظروف ؟ والأخطر هل هي صدفة أيضاً أن يتشابه هذا الإنفجار مع السيناريو الذي كان قد هدد به إسرائيل منذ مدة أمين عام حزب الله حسن نصرالله بقصف حاويات الأمونيوم في ميناء حيفا ؟

هل هي صدفة وقوع هذا التفجير عشية صدور حكم المحكمة الدولية الذي بات معروفا بأنه سيتهم أفرادا معينين من حزب الله بالتخطيط والتنفيذ للجريمة ؟

ولا يصدِّقن أحد بأن إسرائيل ليست على دراية بوجود الأمونيوم في مرفأ بيروت .بعد كل هذه الأسئلة عن الذي حصل يبقى سؤالان مهمان عن الذي سيحصل فإذا كان الإنفجار ناتج عن تقصير وإهمال فما الذي يضمن أن لا تتكرر هذه المأساة في ظل هذه السلطة الغارقة في الفساد والإهمال لما فوق أذنيها ؟

وإن كان بفعل عمل تخريبي أو إعتداء فمن يضمن أيضا أن لا تتكرر المأساة في أماكن أخرى في ظل وجود مخازن السلاح والذخيرة وهذا أمر بديهي في ظروف كالتي نعيشها والتي لا أحد يعرف خارطة إنتشارها إن كانت بعيدة عن المناطق السكنية أم لا ؟

سؤال كبير وأسئلة صغيرة عديدة مشروعة ومرعبة والأجوبة عليها – إن وجدت – سيكون أحلاها مر لما هو مكتوب لهذا الوطن المظلوم والمنكوب بسلطة سافلة ولا أحقر أوصلته لما هو عليه اليوم وكل ما جرى ويجري اليوم هي المسؤولة عنه سواء كان الإنفجار نتيجة خطأ بشري – وهذا جد مستبعد برأيي – ناتج عن الإهمال الناتج بدوره عن سياسة المحاصصة والفساد.

أو نتيجة عمل تخريبي أو هجوم نتيجة تراخيها في ممارسة سيادة الدولة على كامل مرافقها ، سلطة لم ترَ في الإنفجار إلا فرصة لفك الحصار المفروض عليها نتيجة فسادها الذي فاق الوصف وصفاقتها التي تخطت كل الحدود والتي دفعت بالشعب اللبناني إلى هاوية العوز والفقر والتسول على أبواب الدول تلبية لمخططات أسيادها ومشاريعهم التوسعية في المنطقة وكذلك تلبية لنداء نفوسهم النتنة وطموحاتها النجسة في الوصول إلى أعلى مراتب الحكم .

سلطة كهذه لا حل بوجودها لأنها علة العلل والمرض الذي يفتك بالوطن الذي لن يستعيد عافيته إلا بإستئصالها من جذورها وإقامة سلطة بديلة تقيم دولة مدنية لا فضل فيها للبناني على آخر إلا بما يقدمه لمجتمعه ووطنه لا بما يمنحه إياه الزعيم أو الطائفة أو المذهب من بركة للتحكم برقاب العباد والبلاد نيابة عنه.

إن الرحمة للشهداء والشفاء للمصابين والتعويض على المتضررين لا تكون فقط بالدعاء لله ، فالله رحمن رحيم وليس بحاجة للدعاء ، بل يكون بالمحاسبة الجدية والإقتصاص من كل من له يد في هذه الجريمة من أسفل السافلين إلى أعلاهم وانا على يقين كغيري من اللبنانيين بأن التحقيق الجدي إذا ما أخذ مجراه سيظهر أن هذه السلطة جميعها مسؤولة بالتضامن والتكافل فيما بينها لأنها تتحاصص كل شيء في البلد ولولا ذلك ما كان لهذه الجريمة أن تقع أصلا وكانت كُشفت أسرار هذه الشحنة الملعونة في إطار التجاذب السياسي ، ولكن كما يقال ” دافنينو سوا ” وها هم اليوم يدفنوننا نحن المواطنين البسطاء سوا ومن كل الطوائف والمذاهب والإتجاهات السياسية .

التحقيق الجدي إذا ما أخذ مجراه سيظهر أن هذه السلطة جميعها مسؤولة بالتضامن والتكافل فيما بينها لأنها تتحاصص كل شيء في البلد ولولا ذلك ما كان لهذه الجريمة أن تقع

فهل سنستفيق وننتفض ونمسح عنا غبار الطائفية الأسود رأفة بما تبقى لنا من حاضر وما نتمناه من مستقبل لأولادنا وأحفادنا ؟ وماذا بعد ، في ظل التوتر في المنطقة وفي الفترة التي تفصلنا عن الإنتخابات الأميركية التي غالبا ما تكون فترة تسجيل نقاط بين المتصارعين ، هل سنبقى مكتوفي الأيدي أمام السلطة الغاشمة أم ننتفض ضدها ونستعيد زمام المبادرة ونقرر مصيرنا بأنفسنا بعيدا عن صراعات الآخرين ومصالحهم ومخططاتهم ؟ وإذا كان إعصار النار الذي ضربنا وأصابنا في الصميم غير قادر على جمعنا فما الذي يجمعنا بعدها يا ترى ؟ هذا هو السؤال الأكبر .

السابق
بالفيديو.. الجميزة لمراسل «الميادين»: « لازم تتعلق مشانقكم»!
التالي
مأساة إنفجار مرفأ بيروت تابع..5 شهداء جدد بينهم 3 عسكريين للجيش!