..وتبقى الثورة تولد من رحِم الأحزان!

هلا امون
اعلان

منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان، لم ينقطع المغتربون اللبنانيون في كل أصقاع الأرض، عن تحويل مبالغ مالية الى ذويهم، وصلت قيمتها الى 150 مليون دولار شهرياً في الأشهر الاولى للأزمة، ثم تراجع حجم التحويلات الى 100 مليون دولار، ثم انخفض الى 80 مليون دولار ، ثم نزل الى 50 مليون دولار، الى ان وصلت قيمة التحويلات في شهر تموز المنصرم الى 20 مليون دولار فقط ، بعدما ساهم فتح المطار في عودة بعض المغتربين اللبنانيين الذين كانوا محتجزين في الخارج، وبالتالي دخول عشرات ملايين الدولارات الى لبنان، دون وساطةٍ من شركات تحويل الأموال.وطوال تلك الشهور ، كان المصرف المركزي يقوم – بقرارٍ من حاكمه مبدع فكرة الهندسات المالية – بالسطو على تلك الملايين من الدولارات، عبر إلزام شركات تحويل الأموال، تسليم الحوالات بالليرة اللبنانية، على سعر 3850 ليرة للدولار ، في الوقت الذي كان سعر الدولار الواحد قد تجاوز عتبة الـ 9 الآف ليرة في السوق السوداء.

اقرأ أيضاً: حكومة الإنهيار تتنكر لأزماتها العربية والدولية..عشية صدور الأحكام في جريمة الحريري!

السرقة الموصوفة

وكان الهدف من تلك السرقه الموصوفة او الهيركات المقنّع، تجميع الدولارات الواردة، بغية إعطائها للتجار كي يستوردوا سلة المواد الغذائية الاساسية بسعر مدعوم من المصرف، للتخفيف عن كاهل المستهلك اللبناني من عبء الاسعار التي ارتفعت بشكل جنوني، وصارت بلا ضوابط ولا سقوف محددة . وقد ظهر ان البعض من هؤلاء التجار كانوا يستوردون السلع بالسعر المدعوم، ثم يعيدون تصديرها الى الخارج، كي يحصلوا على الدولارات نقداً (fresh money) فيجنون الارباح على ظهر الشعب المسكين الذي لم يلمس فعلياً نتائج ذلك الدعم على رفوف المحال والسوبرماركات. وبعد تهريب المازوت والبنزين والطحين والعلف الى سوريا عبر الحدود السائبة، ها هو المصرف المركزي يتحدث عن دولار مدعوم يُعطى للصناعيين، ما يعني المزيد من الهدر والتبديد والاستنزاف لما تبقّى من احتياطات المصرف من العُملةٍ الصعبة، وهو ما قد يجبر الحاكم قريباً، على إعلان وقف “الدعم” في ظل سير الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد نحو المزيد من التأزم والتعقيد، بفعل عجز (أو عدم رغبة) حكومة المستشارين – المرتهنة بكل قراراتها لرغبةِ وأجندةِ واولوياتِ وإملاءاتِ رُعاتها – عن تحقيق أي إنجاز إصلاحي مرتبط بملفات الفساد والهدر وسرقه المال العام.

مفتاح التغيير والاصلاح وإزاحة زُمَر السلطة الفاسدة وتقويض المنظومة الحاكمة، هو في يد “الشعب اللبناني” المنهوب الذي من عمقِ مأساته وأزمته الوجودية، سيخرج حتماً نورٌ يزيح الظلمة

بلاد الاغتراب

هل تتخيل يا شعب لبنان، ماذا كان سيحدث للكثير من اللبنانيين، لولا هذه الدولارات المحوّلة والمُرسلة من ذويهم واقربائهم الذين تعيش ارواحهم في لبنان، وأجسادهم في بلاد الاغتراب؟ كانوا جاعوا. أجل، المغتربون (آباء، إخوة، أخوات، أعمام، أخوال..) كعادتهم هُم مَن ساند ودعم صمود الاف اللبنانيين في محنتهم، ومَن انقذهم من شبح الجوع والعوز، أو من السقوط في حبائل اليأس والانتحار الذي ترتفع معدلاته بشكل لافت في المجتمع اللبناني.
أما زعماؤكم الذين تعبدون، وبحياتهم تحلفون، وعن آثامهم تدافعون، ومن أجلهم كل الناس تخاصمون، ولتبرير خطاياهم تستنفرون، وأخبار سرقاتهم وصفقاتهم تنكرون، وعنهم تُهَم الشفط والنهب تنفون، فـهُـم مَن سرقكم، وجوّعكم، وأذلّكم. ولمّا عضّكم الجوع ومسّكم الضُرّ وحُبست عنكم مدخراتكم في المصارف، كانوا بنكبتكم لا يعبؤون ولا يبالون. ولمّا كانت العتمة تلفّ بيوتكم وشوارعكم، كانوا هم في قصورهم المضيئة والمكيّفة والمحروسة يعيشون، وآذانهم الطرشاء لمصائبكم يديرون، ومن على منابرهم الخطابية كانوا يتبجحون ويعلنون، انكم بوجودهم من الجوع لا تموتون!

تقديس الزعيم

فيا أنتِ التي تعشقين الزعيم، وبصُورك معه تتباهين، وله أسمى آيات التفخيم والتبجيل تقدّمين، انظري الى نفسك كم أنتِ قلقة، حزينة، مهمومة بكيفية تأمين اقساط المدارس وقروض البيت والسيارة وثمن كيلو اللحمة ومعمول العيد. ثم انظري الى زوجة الزعيم التي تحمل حقيبة يد بـ 20 الف دولار ، وترتدي فستاناً يشبه ستارة المطبخ بـ 30 الف دولار ، وتلبس مجوهرات لمناسبةٍ عادية بمائة الف دولار.

وأنتَ الذي تقدس زعيمك، وتعتبره خطاً احمر ممنوع انتقاده او المساس به، باعتباره الشريف الوحيد بين الأوغاد، والبريء الوحيد بين الثعالب، وصاحب الكفّ النظيف الوحيد بين أقرانه وخِلّانه وحلفائه من اللصوص والحرامية. انظر الى حالك: بائس، شقي، محبط، مقهور، ليرتك انهارت، وقرشك الأبيض الذي ادخرته ليومك الاسود ، خسر قيمته. ترسل فلذات اكبادك الى المهاجر، وتودّعهم بخليطٍ من مشاعر الحزن لفراقهم والفرح لنجاتهم . تعيش في وطنٍ، كلّ طموحك فيه أن تحصل على تأشيرة، وأن تركب أوّل طائرة ترميك في أوّل منفى يستقبلك، هرباً من عصابات المصارف ووحوش السلطة الفاسدة، ومن جحيم العتمة والغلاء وانسداد الأفق وفقدان الأمل وفيض خطابات السياسيين الكلمنجية. ثم انظر الى زعيمك: قصره، يخته، طائرته الخاصة، مواكبه، حاشيته، ثرواته البنكية، زفاف أبنائه وبناته، المشاوي في حديقته مع الشباب، أناقته، حذاؤه الذي يفوق ثمنُه راتبَك الشهري. 

لا يزعجه صراخك

هل تعتبر هذا عدلاً أو أمراً طبيعياً؟ هل تصدق انه لولا صوتك الانتخابي الذي اعطيته له طوعاً، أو بِعته له طمعاً، لما عاش عيشة الامراء والملوك في برجه العالي كي لا يزعجه صراخك وأنينك ومطالبتك الدائمة له بتنفيذ وعوده الانتخابية؟ أجل، صوتك جعله زعيماً. صوتك شرّع له سرقتك. صوتك حصّنه من المساءلة والمحاسبة والخضوع لحكم القانون. صوتك حوّله من تاجر اسلحة ورقيق أبيض وزير نساء، الى حرامي محترم ولصّ مُقدّر . صوتك حوّله من مجرم حربٍ مُدان وزعيم ميليشيا قاتل، الى سياسي ومشرّع مُهاب الجانب، والى عضو من أعضاء عصابة اهل الحل والربط والشفط والنهب المبجّلين في وطنك. 

يخدعك بارتداء العمامة التي تجعل كل كلمة من كلماته مقدسة ، وكل شطحة من شطحاته بمنزلة تكليفٍ شرعي. يبهرك بارتداء بذلة “براند” وكرافات “سِينية”، وساعة يد “سويسرية” يُطعِم ثمنُها قبيلةً من الجياع. يدخّن السيكار الكوبي الفاخر مع كأس الويسكي، ثم يخرج ليحدثك – وأنت الجائع والعاطل من العمل والعائش على ضوء الشمعة وتتناول اللحوم الفاسدة وتشرب الماء الملوّث وتشحد اموالك من المصارف والمهدد بالموت بسبب جائحة كورونا – عن فضيلة الصبر والتحمّل، أو عن عظمة الوطنية والميثاقية والمناصفة والعيش المشترك والمقاومة التي حفظت كرامتك، ومنعت داعش من أن يقطع رأسك ويسبي نساءك. 

انت رفعتَه فوق رأسك، وهو وضعك تحت قدميه. أنت بجّلتَه، وهو سحقك. انت تراهُ زعيماً وقائداً ومرجعية عظيمة لن يكررها التاريخ، وهو يراك عبداً ذليلاً وتابعاً جاهلاً وغوغائياً غِبّ الطلب . أنت أردتَه صوتاً مدوّياً للحق والعدل، وهو ارادك مجرد صوت في صندوق اقتراع، أو رقماً في حشد جماهيري يهتف باسمه، او جندياً في جيشه الالكتروني، وظيفتك إهانة الخصوم وتسفيه أقوالهم ومواقفهم وكيل الاتهامات لهم بالخيانة والعمالة . هل تعرف لماذا يسعد زعيمك بازدياد أعداد أتباعه ومؤيديه والمتعصبين له؟ لأن هذا يجعله صاحب سطوةٍ ونفوذٍ و”الرجل الأقوى” في طائفته، وبالتالي الأكثر استحقاقاً بلا منازع، للتشبيح على المواقع والمنافع والوظائف والحصص في الدولة التي لا يراها إلا “غنيمة” يتقاسمها مع الأقوياء في الطوائف الأخرى!

الزعماء الذين قادوا الشعب اللبناني الى الخراب والانهيار المالي والاقتصادي، وجعلوه يدور حول “أفق الحدث” أو “نقطة اللاعودة” قبل ان تسحبه الجاذبية الى جوف “الثقب الأسود” حيث المصير مجهول، هؤلاء الزعماء بات تأييدهم خطيئة، ومناصرتهم رِجس من عمل الشيطان، والمجاهرة بمحبتهم جناية، والدفاع عن أخطائهم جريمة. لذلك .. بالله عليكم يا أتباع الزعيم، تطهّروا من ذنوبكم وانزعوا محبته من قلوبكم، وحطموا الأغلال التي وضعها في رقابكم ليسوقكم كالعبيد الى قاع الفقر والحرمان والمذلة الذي انحدرتم اليه، حيث الأمهات تستجدين مساعدةً مالية أو غذائية من هنا وهناك، بعدما ضاقت بهنّ الدنيا بما رحُبت؛ وحيث الأباء يذرفون حين تعجز قلوبهم عن تحمّل الألم، دموعَ القهر على جوع اطفالهم او على موت أحد أفراد عائلتهم على ابواب المستشفيات المقفلة في وجوه الفقراء . متى تتوبون الى الله توبة نصوحا عن تكرار خطيئة إنتاجكم لسلطةٍ ظلمت، كذبت، خدعت، خانت، سرقت، نهبت، تواطأت، تآمرت، تسوّلت المساعدات، تحاصصت.. فعلت كل هذا وأكثر، بإسمكم أنتم؟!

هل تتخيل يا شعب لبنان، ماذا كان سيحدث للكثير من اللبنانيين، لولا هذه الدولارات المحوّلة والمُرسلة من ذويهم واقربائهم الذين تعيش ارواحهم في لبنان، وأجسادهم في بلاد الاغتراب؟

حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل انهم على حق. فبالله عليكم اغضبوا، اصرخوا، انتفضوا، انتصروا لعنفوانكم وكراماتكم المهدورة، تضامنوا مع اوجاعكم، قاوموا جلّاديكم وطُغاتكم وغرائزكم البدائية والقَبَلية، كونوا رجالاً ونساءً احراراً لا قطيعاً من الغنم يسير الى حتفه خلف المرياع ، سيروا على خطى الأنبياء في تحطيم الأوثان والأصنام وأوكار التجار وهياكل الفاسدين، كي تخرجوا من العتمة الى النور. ولن تخرجوا من ظلمة الكهرباء، إذا لم تخرجوا من ظلمة الجهل والعصبيات والاستتباع الأعمى، الى رحاب العقل والنقد والوعي. وإذا لم تفعلوا، فأنتم تستحقون بؤسكم وشقاءكم ومأساتكم التي صنعتموها بأيديكم.

الأعاصير الهوجاء

ولعل الأكثر وقاحةً وسورياليةً وخروجاً عن أبسط قوانين المنطق، أنه في عزّ الاعاصير الهوجاء التي تعصف بلبنان الذي تحوّل الى دولة مشلّعة ومهترئة ومفلسة، لا يزال أرباب الفساد من رموز النظام وأركانه ورؤوساء أحزابه، مصرّين على استحمار الشعب اللبناني وتضليله، من خلال إعلان رغبتهم في مكافحة الفساد، وذلك في محاولةٍ يائسةٍ لصرف الانتباه أو لطمس حقيقةٍ بديهية وجليّة، وهي انهم (قوى 8 آذار و14 آذار) أصلُ الفساد وفصله ولُحمته وسَدَاه وكلُّ حروف أبجديته: من أَلِـف التعيينات والصفقات والسمسرات في الوزارات والإدارات والتوظيف الانتخابي وتهريب ملايين الدولارات وكارثة سلسلة الرتب والرواتب ومنهبة الاملاك البحرية والنهريه وفضيحة المباني الرسمية المستأجرة وميزانيات الجمعيات الخيرية الوهمية.. الى يـاء السدود والبواخر ومعامل الكهرباء. والنفايات والكسارات والمرامل ومصانع الاسمنت ومافيات تجارة المخدرات وعصابات الخلوي واوجيرو والريجي والكازينو والمرفأ والجمارك وكارتلات المحروقات ومولدات الكهرباء والدواء . أليس غريباً أن تتوقعوا من فاسدٍ وسارقٍ وناهبٍ ومرتشٍ، أن يقوم بأيّ اصلاحات يطالب بها الثوار والمجتمع الدولي؟! أو أن يحاسب ويحاكم ويزجّ بنفسه في السجن؟!

العدالة والإنصاف

لذا، إياكم أيها اللبنانيون ان تنتظروا العدالة والإنصاف من ظالمٍ؛ أو استعادة الأموال المنهوبة من سارقٍ ؛ او الاصلاح والشفافية من فاسدٍ ؛ او التغيير من عاشقِ كرسي وفجعانِ سلطة ؛ أو الأمن والاستقرار من ميليشياوي متعصب ؛ أو الكرامة من مأجورٍ يتباهى بخيانته لوطنه وشعبه؛ أو السيادة من تابعٍ يفاخر بولائه الأعمى لدولة اجنبية.  إياكم ان تنتظروا أيّ خيرٍ من مافيات السلطة المتكبّرة المتجبّرة التي وضعت لبنان في عين العاصفة، وزجّته في قلب حرائق المنطقة، وحوّلته الى جزيرة معزولة عن محيطه العربي والدولي. وإذا كنتم تنتظرون منها أي خير ، فالعيب فيكم ، ولن تحصدوا إلا الصدمات والخيبات والحسرات والمزيد من الخسارات.

اقرأ أيضاً: سلطة من «سحسوح» إلى «سحسوح».. حوّل!

مفتاح التغيير والاصلاح وإزاحة زُمَر السلطة الفاسدة وتقويض المنظومة الحاكمة، هو في يد “الشعب اللبناني” المنهوب الذي من عمقِ مأساته وأزمته الوجودية، سيخرج حتماً نورٌ يزيح الظلمة، وفرحٌ ينتصر على الحزن، وإرادةٌ صلبة تبدّد هذا الكمّ الهائل من العبث والهذيان والدجل والصلف والرياء والخواء والهباء والفناء. ولا سبيل الى ذلك الا عن طريق “الـثـورة” التي تولد دوماً من رحِم الأحزان والخذلان والحرمان والاذلال. “الـثـورة” التي مرّ على اندلاعها 292 يوماً، والتي تمّ اختراقها واجهاضها بسبب الجهل والغباء وتعصّب الشعب اللبناني الأعمى لقياداته، وتقديسه لزعمائه الطائفيين. “الـثـورة” التي بات يرعبهم سماع اسمها أو التلفظ به في الاحتفالات الرسمية، لأنها المدخل الوحيد لتفكيك منظومة الفساد وإنهاء حُكم “عصابة الطُغاة” و”أمراء الطوائف”، وبناء “لبنان جديد” بعيداً عن وسخهم وقذارتهم وفجورهم وفسادهم.

السابق
بالفيديو: للشهر الثاني على التوالي حرائق إيران تتمدد..و«الفاعل مجهول»!
التالي
أمل عرفة في دائرة الضوء مجدداً:«خمس أطباء أكدوا إصابتي بالكورونا»!