هدنةٌ ثابتة في ليبيا… أم حربٌ مؤجّلة؟

ليبيا
قبل الانتخابات الرئاسية، لا بد أن تتوصّل واشنطن الى: تحييد النفط الليبي، ضبط عناصر التصعيد، وتسهيل تعيين مبعوث أممي جديد ليتولّى تثبيت وقف إطلاق النار واستئناف التفاوض السياسي. إذا تأخّرت تبقي ليبيا والمنطقة رهن كل المخاطر.
اعلان

جال وزير الخارجية السعودي بين ثلاثة بلدان مغاربية، بعدما زار مصر، حاملاً فكرة التنسيق العربي لتوحيد الرؤى والتوجّهات في شأن الأزمة الليبية وحلّها سياسياً. هذا التحرّك كان مطلوباً منذ أكثر من عام، تحديداً غداة إخفاق خليفة حفتر في اقتحام طرابلس لتغيير الواقع الميداني ومعه تغيير معطيات أي تفاوض على حل سياسي. لكنه تحرّك في وقت مناسب، أولاً للحؤول دون صدام مصري – تركي يوسّع إطار الحرب ويكسر التوازنات، وثانياً لتفويت فرصة تفوّق تركي سياسي وعسكري من شأنه أن يطيل الصراع ويجعل تقسيم ليبيا خياراً واقعياً وحيداً، وثالثاً لبلورة دور عربي بين الأدوار الدولية المتكاثرة في ليبيا على أن يكون محورياً وانقاذياً لهذا البلد العربي. قد تكون هذه النيات، أما حظوظها في إحداث اختراق فتتوقّف على اقناع واشنطن بتقنين اعتمادها على تركيا.

يُفترض التساؤل أساساً عن الأسباب التي حالت سابقاً دون توافق دول الجوار العربية الأربع (مصر والجزائر وتونس والسودان) على خطة واحدة للتعامل مع الأزمة الليبية، ولماذا تركت الصراع يتصاعد متأرجحة بين حياد سلبي وتدخّل على استحياء، ولماذا لم تستمدّ دروساً من الأزمة السورية لتستوعب التدخّلات الأخرى العربية والأوروبية وتضبطها، ولماذا اعتُبر “اتفاق الصخيرات” (2015) وكأنه يخصّ المغرب الذي استضاف حوار الأطراف الليبية ولم يتدخّل فيه، ولماذا تحاول الجزائر مع تونس طرح مبادرة “جديدة” قوامها “صخيرات 2” معدّل، ولماذا لم تتمكّن حتى الدول الأوروبية من التوافق إزاء أزمة تتخوّف من تداعياتها الأمنية وما تستدرجه من هجرة غير شرعية؟ على رغم أن الجميع يجزم بأن الكلمة الفصل تبقى للولايات المتحدة وأن التزامها الصمت والغموض لفترة طويلة أفسد كل الحلول، فهل أخطأ حلفاء حفتر التقدير عندما شجّعوه على استدعاء تدخّل روسي، بل موّلوا هذا التدخّل، وهل أخطأت اميركا بدفع “حكومة طرابلس” وحلفائها الى أحضان تركيا مع علمها بأجندات اردوغان المتطلّعة الى مدّ النفوذ الإسلام السياسي والمتعطّشة للغاز والنفط؟

جبال من التعقيدات والمصالح الخارجية المتنافرة تكوّمت أمام كل مشاريع تفكيك الأزمة وحلّها

جبال من التعقيدات والمصالح الخارجية المتنافرة تكوّمت أمام كل مشاريع تفكيك الأزمة وحلّها، وأصبحت أي مواجهة مصرية – تركية مواجهةً بالوكالة عن اميركا وروسيا، وفيما يتردد يومياً أن الحلّ في ليبيا “سياسي وليس عسكرياً” فإن الشروط المتضاربة وما يُرى على الأرض يرجّحان أفضلية الحلّ العسكري. وجدت مصر نفسها وجهاً لوجه أمام واقع أمنها القومي المستهدف تركياً، أي اميركياً، فضلاً عن بُعد إسلامي – “اخواني” لا يمكنها تجاهله. ومن جهة أخرى، أوحت معارك غرب ليبيا لتركيا أن السيطرة على كل ليبيا ممكنة بل ضرورية لإيجاد موطئ قدم في درنة حيث تستطيع التنقيب عن الغاز في المتوسّط من دون الاصطدام باليونان. وفي السياق يمكن أن يتحقق الحلم “الاخواني” بالتكين في بلد نفطي على المتوسط.

بلغ الصراع الليبي عملياً “العُقدة السورية”، وأصبح حلّه رهن مساومات دولية لم تنضج بعد

استطراداً، بلغ الصراع الليبي عملياً “العُقدة السورية”، وأصبح حلّه رهن مساومات دولية لم تنضج بعد لكنها تدّعي كذباً أن مصير ليبيا يقرّره الليبيون. وكما أن المعارضين السوريين الوطنيين يشكون اليوم من الموانع الذاتية والموضوعية التي حالت دون أن تتمكّن ثورتهم من بلورة كيان موحّد كبديل من النظام الأسدي، كذلك أخفق الوطنيّون الليبيون رغم أن بداياتهم كانت أفضل بأشواط. وعندما منح المجتمع الدولي الليبيين فرصة، باعترافه بـ “اتفاق الصخيرات” وبـ “حكومة” تترجم “الوفاق”، كان سيف الانقسام قد سبق العذل، فبُدّد الاتفاق وحُرفت الحكومة عن الهدف الذي كلّف اليها تحقيقه.

لا يواكب التحشيد العسكري الراهن عند “الخط الأحمر”، سرت – الجفرة، أي تحشيد سياسي بل مجرد اتصالات تُتداوَل فيها أفكار متناثرة سبق أن طُرحت وأُشبعت درساً وقُبلت ورُفضت في مناورات لفظية لا يملك أطرافها صلاحية القرار. ماذا يريد خالد المشري ومن يمثّل، وما الهوية السياسية والدور الحقيقي لفتحي باشاغا، وهل أن مبادرة عقيلة صالح مقبولة أم مرفوضة ليبياً أو اوروبياً أو اميركياً، وهل انتهى دور خليفة حفتر ومَن يحلّ محلّه وبأي عقلية سياسية، وهل ترضى جماعة مصراتة بدور لفايز السراج أم تريد اعفاءه… كلٌّ من هؤلاء يلعب الدور الذي تتيحه له أجندات اللاعبين الكبار.

يسود حالياً تقدير للموقف مفاده أن واشنطن ترعى الهدنة الراهنة ولا تستبعد خيار الحرب بل تؤجله. تعرض تنازلات باسم تركيا وتتوقّع تنازلات من أطراف أخرى، والهدف اخراج الهلال النفطي من الصراع، بحيث تخدم مداخيله الجميع، بما في ذلك تمويل الحرب نفسها. وفي الانتظار تجمّد واشنطن تعيين مبعوث أممي خلفاً لغسان سلامة، مشترطةً هيكلة جديدة للبعثة الأممية تتيح لها إدارة الصراع عن كثب. لكن أمامها وقتاً لا ينفكّ يضيق، فخلال أسابيع قليلة ستدخل الإدارة الأميركية مرحلة “البطة العرجاء” لتصبح مبادراتها الخارجية محدودة. لم تسهّل واشنطن حدّاً أدنى من الاتفاق بين روسيا وتركيا، ولم تعرض أي تواصل مع موسكو في شأن ليبيا، ولم تحدّد أي بوصلة للأوروبيين ولا لسواهم من العرب. لذلك فإن غيبوبتها الانتخابية قد تكون مفتوحة على كل المخاطر في ليبيا وغيرها.

السابق
«حزب الله» من «الفوضى الخلّاقة» الى  نظام «الولاية»!
التالي
هذا ما جاء في مقدمات نشرات الأخبار المسائية لليوم 2/8/2020