الانهيار.. السلطة «تجلد» أبناءها و لا تقرّ بجلدها!

علي الامين

انه جنون السلطة. “نوبات” لا حدود لها تفلت من عقالها، تُسوي كل القيم الوطنية والسياسية والأخلاقية بالأرض. السلطة وحكومتها و أركانها و”أذنابها” كشّروا عن انيابهم، ونزلوا الى الشارع ليرهبوا المنتفضين ويحاولون النيل من حريتهم  وليرتهم وسمعتهم في الداخل والخارج.

حكومة تعيش حال من النكران الخطير، يجعلها تتصرف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، و تتجاوز ما إقترفت أيديها في لبنان وتتفرج على الإنهيار الكبير مالياً واقتصادياً و معيشياً، وجلُّ ما تفعله الهروب “شرقاً و”الإنتحار” غرباً. غير ان اللبنانيين بالمرصاد مهما جارت عليهم أيام الحكومة وان طالت! 

الانهيار المالي افقد احزاب السلطة الابتزاز بالوظيفة العامة.

الاعتداء على المحامي واصف الحركة قرب اذاعة صوت لبنان في منطقة الاشرفية، يأتي ضمن مسلسل ضغط وترويع طال ناشطين وشخصيات دينية واجتماعية معارضة للسلطة الحاكمة والمتحكمة، وهو سلوك بات ينذر بالمزيد من القمع لكل وجوه الانتفاضة اللبنانية، التي باتت تفرض وجودها في المشهد الوطني العام، كعنصر قوة للمجتمع الذي تجري استباحته من قبل السلطة.

إقرأ أيضاً: الشاهدة الأخيرة على إنتحار الهق تُناشد نصرالله بحرقة.. شعبك جاع وعم يموت بسلاحك!

القمع كما أنه تعبير عن ضيق الحاكمين بصرخات المواطنين وانينهم، فهي تعبير عن مشهد نهايات معادلة الحكم والحكومة، التي تدرك ان اي عملية اصلاح يلجم الانهيار المالي والاقتصادي سيعني بالضرورة انهيار هيكل السلطة الحاكمة، انطلاقا من أن قوّة هذه السلطة ونفوذها يتأتى من مصدرين اساسيين الأول، هو نظام المحاصصة والفساد الذي اتاح لمنظومة السلطة واطرافها تقاسم موارد الدولة واصولها لترسيخ النفوذ والسلطة، والثاني، مصدر النفوذ الخارجي الذي وفّر غطاء ودعماً لهذه السلطة، في مجملها ولأطرافها من خلال الموارد الخاصة التي كانت تنالها كل طرف من جهة خارجية ما.

هذان المصدران اليوم تعرضا لنكسة كبيرة، فمع انهيار العملة الوطنية وتردي الاقتصاد، فقدت السلطة جاذبيتها لجهة ابتزاز المجتمع بالتوظيفات في الادارة العامة، او غيرها من الحقوق التي لا ينالها المواطن الا بواسطة الاستزلام ونظام الزبائنية.

الخارج اما عاجز عن دعم منظومة السلطة او رافض لدعم سلطة ميؤوس من صلاحها.

الوظيفة العامة اليوم لم تعد محل اغراء بعدما انهارت قيمة الراتب الشرائية، حيث من المتوقع ان تشهد الادارة العامة استقالات وهجرة للكوادر والكفاءات، ولم يعد المواطن اليوم على وجه العموم، منهمكاً او منجذباً للوظيفة العامة. قدرة ابتزاز السلطة للمواطن وحتى للموظف نفسه انحسرت وتراجعت ومرشحة للانعدام مع استمرار الأزمة. 

ويمكن توقع المزيد من تراخي قبضة احزاب السلطة تجاه محازبيها، طالما ان المنافع تضمحل والقدرة على ضبط هذه القواعد تتراجع مع تراخي عصب المال الذي شكل الرابط الاساس بين احزاب السلطة واتباعها طيلة العقود الماضية.

وفي جانب آخر، بات من الصعب توقع دخول موارد مالية الى الدولة وحتى احزابها من الخارج، إمّا بسبب القطيعة العربية والدولية، التي ربطت اي مساعدة او قروض للبنان، بتنفيذ اصلاحات جدّية باتت معروفة، كما بات واضحا ان احزاب السلطة لا تريد تنفيذها، او بسبب تراجع قدرة ايران على توفير التمويل المعتاد لحزب الله، وتغطية العجز المالي والاقتصادي، الذي سببته القطيعة العربية والدولية للدولة اللبنانية، فايران ليست في احسن احوالها لا في الداخل ولا على امتداد ما يعرف بدول الهلال الايراني.

انطلاقا مما تقدم، فان المراوحة والانغلاق ضمن شبكة السلطة، يؤدي بالضرورة الى مزيد من الاستنزاف والتراجع، طالما لم تقرّ هذه السلطة أنّها عاجزة عن أيّ معالجة للانهيار الجاري في كل قطاعات الدولة، وهو الى ازدياد، ويشكل هذا الموقف مبرراً قوياً للانتفاضة ومجموعاتها من اجل الدفع نحو التغيير واعادة تشكيل السلطة، في ظل هلع وارتباك واضح لدى “حزب الله” من طرح الحكومة المستقلة التي تزداد الحاجة اليها كمعبر لا مفرّ منه للخروج من الأزمة، ويكشف موقف الحزب  القديم المتجدد من رفض خيار الحكومة المستقلة، حجم الترابط بين حزب الله ونظام الفساد والمحاصصة الذي اتاح له السيطرة على مفاصل القرار في الدولة، الى جانب السلاح الذي صارت وظيفته منذ سنوات السيطرة على الدولة مجتمعاً ومؤسسات.

العنف والترهيب والنظام البوليسي، هي الأدوات المتبقية لهذه السلطة، لتدجين المجتمع وقمع الانتفاضة التي باتت تتمدّد الى مناطق نفوذ “حزب الله” او ما يمكن ان نسميها قلاعه الأمنية والعسكرية، هذا التمدد يقلق الحزب الذي اعتاد على ان يكون حارسا لأنفاس المواطنين، وقلقا من اي تعبير مجتمعي لا يمر من القنوات التي يحددها هو وعلى طريقته وفي الاتجاه الذي يلائمه، لذا فان خروج تظاهرة من جديدة مرجعيون قبل يومين (السبت) لم يكن جديدا بذاته، لكن المستجد هي الشعارات التي اطلقها المتظاهرون من كل الطوائف ولا سيما الشيعة منهم ضد كل رموز السلطة بالاسم الصريح، وهذا يدلّل على ان اوجاع الناس ستدفعهم مع استفحال الفقر والجوع، الى اسقاط الكثير ممن نصبوهم هم انفسهم آلهة عليهم.

الحكومة المستقلة الآن هي حبل نجاة ما تبقى من السلطة واحزابها، لأن الانتفاضة قد لا تكون في وضعية تتيح لها التقاط هذه الفرصة اليوم، وقد يكون من حسن حظ “الانتفاضة” ومجموعاتها ان “حزب الله” لم يرم خيار الحكومة المستقلة وبالتالي الأزمة، في وجهها، في المقابل وازاء العجز المتمادي للحكومة والبرلمان ولراعيهما حزب الله، عن الانخراط في الاصلاح، فان التداعيات المرتقبة مرشحة لأن تزيد من انهاك المجتمع وتحلل الدولة وازدياد ظاهرة العنف في الشارع. أمّا ظاهرة الانتحار والتي تعبر عن خيار فردي في المجتمع يزداد حضوره، يقابله انتحار سياسي باتت السلطة واحزابها متجهة اليه لكن على طريقة “الروليت الروسية، معتقدة ان رصاصة واحدة في المسدس” لكنها لن تكتشف ان المسدس محشوٌّ بالكامل..

السابق
الدولار إلى عادة التحليق والتجويع..والثوار يحاصرون الحكومة!
التالي
البطريرك الماروني يُطْلِقُ «نداء النجدة»