مازح.. «قضاء» لا قدر !

القضاء

في اليوم الذي كان فيه اللبنانيون يصطفون طوابير أمام الأفران بعد الطوابير السابقة أمام البنوك ومحطات البنزين ومكاتب الصيرفة، في هذا اليوم  بالذات قامت “واحدة من الأهالي” في الجنوب بتقديم شكوى لدى قاضي الأمور المستعجلة في صور القاضي محمد مازح ضد السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا بتهمة المساس بسيادة لبنان والتدخل في شؤونه الداخلية وإثارة التفرقة بين أبنائه في سابقة هي الأولى من نوعها في لبنان.

اقرأ أيضاً: لبنان الرسمي أرْبَكهُ «تحرُّش»… «حزب الله» بالأميركيين

تصريح السفيرة

المواطنة اللبنانية التي لم يمس شعورها الوطني والإنساني ما يحدث في بلدها منذ 17 تشرين الأول بل ما قبل قبل 17 تشرين، ولم تستفزها شعارات شيعة شيعة شيعة، ولا العراضات التي تستقوي على أبناء وطنها من الطوائف الأخرى، ولا الشتائم التي مست بعض المقدسات لدى طوائف ومذاهب أخرى، هذه المواطنة إستفزها تصريح للسفيرة الأميركية في لبنان تعبر فيه عن وجهة نظر حكومتها بالأوضاع في لبنان وهو أمر ليس بجديد ولا هو نسيج وحده في لبنان من مختلف السفراء والسفارات بغض النظر عن جواز أو عدم جواز هذا الأمر في بلد شرَّعه أهله للتدخلات الخارجية من كل صوب، ما يدعو للتساؤل لماذا الآن وفي ظل تصاعد الموقف بين أميركا وحزب الله ودول المحور الممانع على خلفية قانون قيصر وتداعياته. 

طبعا من نافل القول أننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن سفيرة “الشيطان الأكبر” لا بصفتها الشخصية ولا الدبلوماسية، ولسنا في مجال الهجوم على المواطنة اللبنانية والقاضي محمد مازح مع تحفظنا على تصرفات كل الأطراف فما يهمنا أكبر من مجرد الهجوم والدفاع، ما يهمنا مصلحة لبنان وشعبه في ظل هذه المعمعة في المنطقة وهذا الصراع الذي لا ناقة لنا به ولا جمل، والسؤال هو هل من الجدية والحكمة أن يتنطح مواطن ليأخذ مكان الدولة في تقدير موقف بهذه الخطورة والتعامل معه في الوقت الذي ينتمي فيه هذا المواطن إلى بيئة يقاتل أبناؤها في أكثر من بلد في المنطقة دفاعا عن مشروع لا يمت لبلده بصلة بل ويحمِّله ما لا يطيق، ثم يقاضي سفير دولة أجنبية تتأثر مصالحه بهذه التدخلات من جراء تصريح صحفي يعبر عن موقف حكومته المعلن كل يوم تقريبا عبر الوسائل المتبعة والقرارات المتخذة في إطار التواصل بين الدولتين؟ وهل يحق للقاضي أياً كان أن لا يأخذ بالظروف المحيطة لأي قرار يتخذه ومدى تأثيره على مصلحة بلده وناسه وهو قبل غيره يعرف أنه قرار إستهلاكي شعبوي لا يمكن أن ينفذ في بلد مثل لبنان، لمجرد القول أنه لا خلفيات سياسية لقراره في حين أن الموضوع كله سياسي خاصة في ظل ظروف إستثنائية كالتي يمر بها البلد جراء أزماته المختلفة داخليا وأزمات المنطقة الممتدة من سوريا إلى العراق فاليمن مع تداعيات قانون قيصر ومدى تأثيره على الأوضاع في الداخل اللبناني؟

وما قرار “قضاء مازح” الذي أتى قبل أن يجف حبر بيان بعبدا، سوى دليل جديد على عبثية هذه اللقاءات وطبيعتها الإستعراضية ودليل أن القرار في لبنان هو في مكان آخر

الحريات الإعلامية

هذا إن لم نتحدث عن تعدي هذا القرار على الحريات الإعلامية وحرية نقل المعلومات التي تكفلها كافة القوانين اللبنانية، وليس أدل على مدى العشوائية والتسرع وخطورة إصدار مثل هذا القرار هو هذا التخبط الذي نشهده منذ إعلانه في تصرفات الحكومة والسلطة التي هي أصلا فاقدة للثقة الشعبية الداخلية ولثقة المجتمع الدولي الذي تتوسله لمساعدتها على حل بعض المشاكل الإقتصادية والمالية ما وضعها في موقف لا تحسد عليه داخليا وخارجيا الأمر الذي يدعو للتساؤل عن مدى جدية هذا القرار وتوقيته وأهدافه والرسالة التي يزمع أصحابها ومن وراءهم إيصالها للداخل والخارج، هل هو مثلا لصرف أنظار الناس في الداخل وإلهاءها عن المشاكل في يوم الأفران “العظيم”؟ أم هو رسالة لحكومة حسان دياب عن جدية الحديث مؤخرا عن التوجه شرقاً تمهيدا لإحراجها ومن ثم إخراجها؟ أم هو تصعيد بوجه الأميركيين ورسالة من ضمن لعبة عض الأصابع المتبادلة في ضوء التطورات الأخيرة في العراق بين حكومة الكاظمي وأذرع إيران العسكرية في محاولة لإفهامهم بأن لبنان ليس العراق الذي لطالما كانت التطورات فيه تعكس وجهة الصراع بين الجانبين التي تترك تداعياتها وتأثيراتها على لبنان نظرا لترابط الساحات؟ إذ ليس من السهل الإقتناع بأن أمرا كهذا يمكن أن يكون مجرد وجهة نظر مواطنة لبنانية من بيئة معينة عرف عنها “الإنضباط” والإلتزام في السياسة بحيث لا تتحرك سوى بـ”تكليف شرعي” في كل أمورها فكيف بالحري في موضوع بمثل هذه الحساسية، وقاضٍ نشيط ونزيه مارس صلاحياته في يوم عطلة نهاية الأسبوع تحت صفة العجلة في بلد يخضع فيه كل شيء لتأويل سياسي وطائفي ومذهبي ومناطقي.

اقرأ أيضاً: هل يستعجل «حزب الله» المواجهة مع أميركا من بوابة إسرائيل؟!

يحصل كل هذا والبلد غارق في مشاكله والمواطن يعاني من نقص في الأموال والوقود والخبز الحاف، والحكومة غارقة في أرقامها التي قدمتها لصندوق النقد الدولي والتي تتضارب مع أرقام مصرف لبنان، والعهد غارق في أوهام القوة والعظمة ولم يجد ما يقدمه سوى إجتماع روتيني هزيل عبارة عن لزوم ما لا يلزم بإعتبار أن الحاضرين هم أنفسهم من يمسكون بالسلطة والحكومة ومجلس النواب وما قرار “قضاء مازح” الذي أتى قبل أن يجف حبر بيان بعبدا، سوى دليل جديد على عبثية هذه اللقاءات وطبيعتها الإستعراضية ودليل أن القرار في لبنان هو في مكان آخر وهو الذي يرسم ويقرر “قدر لبنان” حتى إشعار آخر أو حتى يحزم اللبنانيون أمرهم وينتفضوا إنتصارا للدولة القوية الواحدة كما العراقيين، أو حتى تقضي التطورات والصفقات في المنطقة أمراً كان مفعولا وهو هنا بالطبع لن يكون لمصلحتهم في ظل واقع الإهتراء والتخبط والإنقسامات حول الرؤية الواحدة لمصلحة البلد والشعب الذي يعيشونه.

السابق
الحرب على رامي مخلوف في أقسى جولاتها.. نيران الأسد تصل السوق الحرة!
التالي
أحدث المهرجانات السينمائية إلى التأجيل.. الجونة في نهاية تشرين الأول!