بعد أكثر من مئة يوم على «كورونا»: أخطاء فادحة أدت لأكبر أزمة صحية في هذا الجيل

رجل يضع قبعة أخطبوط لصد فيروس كورونا في تايمز سكوير في نيويورك (أسوشييتد برس)
هذا المقال هو ضمن ملف "فيروس كورونا: جائحة تمتحن الأرض" من موقع "جنوبية" المهتم بنقل كواليس التطورات التي يحدثها فيروس كورونا المستجد حول لبنان والعالم. تبحث في التحليلات التي ترافق عمل الحكومات وخلفيات الأحداث التي استجدت في المشهد العالمي على وقع انتشار وباء كوفيد 19.
اعلان

هذا الأسبوع، مرّ أكثر من 100 يوم على إعلان منظمة الصحة العالمية جائحة فيروس كورونا المستجد وباء عالميا. مئة يوم، منحنا قبلها وفيها الوباء علامات تحذير كثيرة.

أدى وباء كوفيد 19 الناتج عن الفيروس، الذي تم تحديده للمرة الأولى في كانون الأول في ووهان الصينية، إلى إصابة حوالى 9 مليون و400 ألف إنسان، وأكثر من 480 ألف وفاة حتى اللحظة.

وقعت الواقعة. وحصل ما حصل. وبتنا في أول جائحة عالمية منذ أزمة الإيدز. لكن ما هي الأخطاء الرئيسية الفادحة التي أدت إلى ما وصلنا إليه.

فيروس «كورونا» ليس بهذا السوء

لا يبدو، بحسب التقارير، أن الصين اتخذت إجراءات وقائية مبكرة وكانت مترددة في إبلاغ مواطنيها بالفيروس في الأيام الأولى من شهر كانون الأول.

تبين التحقيقات أن أول شخص معلوم أصيب بالفيروس في الأول من كانون الأول في الصين وفق مجلة “لانسيت” الطبية. حينها، انتشر المرض تزامنا مع اقتراب رأس السنة القمرية الصينية حين يسافر الصينيون لزيارة الأقارب. وقال عمدة مدينة ووهان تشو شيان وانغ إن 5 ملايين شخص غادروا المدينة قبل فرض قيود على السفر قبل حلول العام القمري الجديد.

وكشفت دراسة يوم 24 شباط عن معدلات الوفاة بالمرض في المجلة الطبية أن “كوفيد 19 انتشر بسرعة من مدينة واحدة إلى البلد بأكمله في غضون 30 يومًا فقط”.

وقالت الدراسة “إن السرعة الهائلة لكل من التوسع الجغرافي والزيادة المفاجئة في أعداد الحالات فاجأت السلطات وسرعان ما طغت على الخدمات الصحية وخدمات الصحة العامة في الصين”. وقال النقاد إن الحكومة الصينية كان بإمكانها فعل المزيد في تلك الأيام الأولى لتنبيه السلطات إلى وجود وباء كوفيد 19.

سوء التقدير الصيني لا يحمّل الصين وحدها المسؤولية، بل غيرها من البلدان التي تأخرت في الإجراءات للحد من انتشار الوباء وأبرزها الولايات المتحدة التي أعلن رئيسها دونالد ترامب في التاسع من آذار أن “37 ألف أميركي توفوا العام الماضي من الإنفلونزا”، مضيفا “لا شيء مغلقاً، والحياة والاقتصاد مستمران”.”. بعد 10 أيام فقط ، أجرى الرئيس منعطفًا على هذا البيان وقال “لا شيء سيكون أسوأ من إعلان النصر قبل الفوز بالنصر”، في إشارة إلى تفشي الوباء وقتله المزيد من الأميركيين.

مثال آخر عن قلة المسؤولية تجاه الوباء هو ما حصل في البرازيل وتسخيف الرئيس جايير بولسونارو للوباء وتنظيم تجمعات جماهيرية وسط الأزمة. اليوم هناك أكثر من مليون و150 ألف إصابة وأكثر من 52770 وفاة في البرازيل.

لا تضعوا الكمامات!

قد تكون هذه النقطة مفاجئة لكن في المرحلة الاولى من انتشار الوباء كان هناك جدل في عدد من الدول حول أهمية ارتداء الكمامات من عدمها، بعدما كان الفيروس غامضا ولم يتأكد فورا أنه ينتقل من إنسان إلى آخر.

في 29 كانون الثاني، بعد انتشر الفيروس في عدد من الدول، فقالت مجلة نيو إنجلاند الطبية: “هناك أدلة على أن انتقال العدوى من إنسان إلى آخر حدث بين جهات الاتصال الوثيقة منذ منتصف ديسمبر”.

ومع ذلك، رأينا الكثير من التجمعات في عدد من البلدان، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، من دون أن يرتدي الناس فيها الكمامات.

هنا، لا تقع المسؤولية على الناس بل على المسؤولين الذين لم يتواصلوا بالشكل الجيد وبالمعلومات الصحية اللازمة معهم.

في الولايات المتحدة مثلا إنتظرت السلطات أكثر من شهر على إعلان كورونا كوباء عالمي، وبعد انتشار الوباء في نيويورك للإعلان أن الكمامات ضرورية. بقي الجمهور في حيرة من أمره ، وكان بعض الناس مستاؤون من عدم وجود رسائل واضحة.

على سبيل المثال، قاوم ترامب توصية مسؤولي الصحة العامة بارتداء قناع عندما يكون في الأماكن العامة وقال حرفيا “ليس عليك القيام بذلك. أنا أختار عدم القيام بذلك ، لكن بعض الناس قد يرغبون في القيام بذلك ، ولا بأس بذلك “.

اليوم، تقدر منظمة الصحة العالمية حاليًا أن 16٪ من الأشخاص لا يعانون من الأعراض ويمكنهم نقل الفيروس، وفي نفس الاتجاه إلى مركز السيطرة على الأمراض، ينصحون الآن بارتداء الكمامات.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتسلم كمامة للوقاية من فيروس كورونا (Getty)

“هيدروكسي كلوروكوين” هو الحل

“هيدروكسي كلوروكوين”، هو عقار مصدّق من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية لعلاج الملاريا والذئبة الجهازية والتهاب المفاصل الروماتويدي. لكن سرعان ما انتقل هذا العقار إلى عالم مواجهة فيروس كورونا المستجد.

بين الأوائل الذين روّجوا للعقار هو العالم الفرنسي ديديه راوول. بالتحديد، قام بترويج مزيج من هيدروكسي كلوروكوين وأزيثروميسين، مضاد حيوي شائع، كعلاج لـ Covid-19.

في 16 آذار، نشر راوول نتائج تجربة سريرية صغيرة أظهرت، حسب قوله، معدل شفاء بنسبة 100٪. ومنذ ذلك الحين، نوقشت الدراسة على نطاق واسع.

إلا ان دراسة راوول لم تقنع حتى السلطات الفرنسية بشكل كامل، كما كشفت وسائل إعلام محلية. إلا أن الدراسات استمرت بخصوص هذا العقار وحصل “هيدروكسي كلوروكوين” على إذن استخدام الطوارئ (EUA) من إدارة الأغذية والأدوية في أميركا في منتصف آذار لاستخدامه في تجارب سريرية وسوق ترامب بنفسه للعقار حتى انه استعمل منه شخصيا.

إستمرت الدراسات الكثيفة ومنها في مجلة “لانسيت” التي وقعت في فضيحة علمية إذ أعلنت اعتذارها عن دراسة شاملة نفت فيها فعالية العقار المذكور. على الرغم من ذلك، تتالت الدراسات إلى ان أعلنت هيئة الغذاء و الدواء الاميركية توقف استخدام “هيدروكسي كلوروكين” كعلاج للوباء  لأنه لم يظهر “فعاليته كمضاد فيروسي”، مع استمرار استعماله في التجارب السريرية المسجلة.

تخفيف الإجراءات الوقائية

من الأسباب التي أعادت أرقام إصابات كوفيد 19 صعودا هي تخفيف الإجراءات باكرا، تزامنا مع عدم التزام الناس بتدابير التباعد والوقاية نفسها.

هذا الأمر دفع بمنظمة الصحة العالمية في أيار الماضي، وتحديدا عبر مايك رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية التابع للمنظمة وأخصائي الأوبئة السابق المتخصص في الأمراض المعدية والصحة العامة، إلى التحذير من الرضا عن الاسترخاء فيما يتعلق بتدابير التباعد الجسدي.

وقال رايان “ينبغي على الدول الاستمرار في تطبيق تدابير الصحة العامة والاجتماعية، وتدابير المراقبة، وإجراءات الاختبار، واستراتيجية شاملة لضمان استمرارنا في مسار انخفاض الاصابات”.

إلا أن الكثير من الدول لم تلتزم بهذه الإرشادات. هذا الأسبوع، أفادت مثلا شبكة “سي إن إن” الأميركية أن ولايات فلوريدا وألاباما وأريزونا وكاليفورنيا ونيفادا ونورث كارولاينا وأوكلاهوما وأوريغون وساوث كارولينا وتكساس شهدت جميعها ارتفاعًا في الحالات مع إعادة فتح الأنشطة التجارية وتخفيف الناس من سياسات التباعد الجسدي.

في الواقع ، يقول بعض المحللين أن فلوريدا قد تكون المركز التالي للفيروس حيث تواصل نيويورك تسطيح منحنى الحالات الجديدة.

في لبنان مثلا، ومع بدء تخفيف الإجراءات منذ الأول من حزيران الجاري، شهد هذا الشهر ارتفاعا ملحوظا حتى اللحظة في عدد الإصابات.