غاب محسن ابراهيم فخسر المشرق العربي جزءاً من ذاكرته السياسية

محسن ابراهيم

محسن إبراهيم هو واحد من حملة مفاتيح خزائن اسرار، ظلت في غياهب سجنه الشخص الذي اصر على الاحتماء فيه، وعندما رحل، فقد التأريخ السياسي العربي اهم وثائقه الحية، وخسرت ملفات الوثائق المصرية في ازهى عهودها في عصر جمال عبد الناصر احد أطرافها السياسية الأساسيين… كان عبد الناصر معجبا” بأبو خالد ( سميه) وكان يستدعيه بين وقت وآخر الى القاهرة للاستماع الى ارائه في قضايا عربية عدة.

أبو خالد افقد التاريخ العربي صفحات كان يمكن ان يروي فيها تجربته واراءه ومساهماته وادواره من مصر عبد الناصر، الى فلسطين ياسر عرفات، الى دور حركة القوميين للعرب في مواجهة البعثين السوري والعراقي، ومن دون نسيان كيف كانت تؤخذ القرارات في واحدة من اغنى سنوات الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1976) وكيف انقلب الاخوة الرفاق – الأعداء على بعضهم البعض قتلا” وتشريدا” في اليمن الجنوبي…. وكل قادته من تلامذته…. وحتى مؤسس حركة القوميين العرب جورج حبش… كان ينظر بتقدير كبير لقدرات هذا الشاب الذي ولد موهوبا” بالقيادة وحسن التفكير والمبادرة.

إقرأ أيضاً: محسن إبراهيم.. يوم استبد الهوى اللبناني والفلسطيني بعابر الهويات!

كانت كفاءات محسن إبراهيم التنظيمية تسابق تقلباته الفكرية وكان يمتلك ملكة الاقناع في العروبة ، وفي اليسار وفي الماركسية وفي مواقفه السياسية حتى المتناقضة في الشيء وعكسه خصوصا” عندما صار امينا” عاما” تنفيذيا” للمجلس السياسي الذي كان هو وراء انشائه بزعامة كمال جنبلاط، وكان محسن الى يمينه دائما” كما كان جورج حاوي الى يساره.

وقيل على سبيل الطرفة ، ان أبو خالد كان يتماهى مع خطاب كمال جنبلاط السياسي الى حد كبير ، وكان يكتب بيانين للحركة  الوطنية بزعامة جنبلاط، يضع احدهما في جيب بدلته الأيمن، ويضع نقيضه في جيب بدلته الأيسر،  منتظرا” توجه جنبلاط لهذه المرحلة فاذا كان نحو اليمين سحب أبو خالد البيان من الجيب الأيمن ، واذا كان نحو اليسار سحب البيان الآخر من جيبه الأيسر.

فان لم يكن التوصيف الا طرفة فقط فان هذا كان كفاءة محسن إبراهيم في صياغة المواقف التي يقررها الزعيم ودائما” بنكهة ” ابراهيمية ” يمينا” او اغلب الأحيان يسارا” .

ولكن هذا لم يمنع ان أبو خالد شكل مع أبو انيس ثنائيا” غير مسبوق في العمل الحزبي – الوطني. وكان منح الصلح موفقا” كثيرا” حين طلب منه ابداء رأي في هذا الثنائي الذي بدا انه حكم لبنان المسلم – الوطني لعدة سنوات قبل ان ينقض عليه حافظ الأسد بعد قتله كمال جنبلاط في 16-3-1977 ليفترسه طيلة 28 سنة.

قال منح بيك ان أبو انيس غادر سيارة “موسكوفيتش” الشيوعية ليركب شاحنة العروبة ودواليبها المنفسة، وان أبو خالد غادر شاحنة العروبة المنطلقة ليركب دراجة الماركسية قالها بالبيروتية العتيقة  “طزطيزة”.

وطالما نحن نتحدث عن منح بيك لا بد من ذكر كفاءته الفكرية – السياسية وغيرته الاكيدة من صديقه اللدود محسن إبراهيم – وكم كان منح الصلح يتمنى ان ينظر اليه الناس كسياسي كما ينظرون الى محسن ، وهو كان يرى ان سنيته تؤهله كي يكون رئيسا” للوزراء كما كان عمي ” تقدين” أي تقي الدين الصلح .

ثنائية محسن وجورج ظلت متماسكة الى ان كسر الاحتلال الصهيوني للبنان صيف 1982 ما تبقى من جسم تنظيمي للحركة الوطنية اللبنانية . وكان افتراس حافظ الأسد للبنان منذ العام 1976 قد ضرب واحدة من اهم تجارب العمل الوطني المنظم المتماهي مع المقاومة الفلسطينية (1975- 1982)

وبلغت ثنائية محسن وجورج ذورتها حين شكل الاثنان (الحزب الشيوعي بزعامة جورج حاوي ومنظمة العمل الشيوعي بزعامة محسن إبراهيم) جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جمول مباشرة بعد خروج العدو الصهيوني في بيروت أواخر أيلول\سبتمبر 1982…. (غير ان هذا حديث آخر)

وطالما نحن نكتب عن هذه المرحلة، لا بد من استحضار احدى  طرائف منح بيك عنها، فبعد الاجتياح واحتلال بيروت بالكامل اثر اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل في 14-9-1982 . اضطر كلا من محسن وجورج الى الاختباء داخل السفارة السوفياتية عند كورنيش المزرعة في غرب بيروت واستمر أبو خالد في كتابة بيانات يومية ضد الاحتلال ….. حبكت مع منح الصلح فقال متهكما” : ان الحركة الوطنية اللبنانية تشبه شاحنة تدهورت وسقطت في الوادي مهشمة محطمة لكن صوت المذياع فيها ظل ملعلعا”.

أبو خالد وأبو عمار

نحن نعتقد ان اقرب شخصية لبنانية لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات هو محسن إبراهيم فاعجاب أبو عمار بابو خالد كان ظاهرا” للعيان وكان عرفات يتحدث عن ملكات محسن بحب وتقدير ، وكان محسن رسوله الى كمال جنبلاط عندما يحتاج موقفا” من الزعيم الاشتراكي، كما كان محسن بوصلة تحرك عرفات اللبناني والعربي.

في ذروة سيطرة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المسلحة على لبنان المسلم، انتقد أبو خالد ما اعتبره تفتيت عرفات لمنظمات العمل الوطني، وخاطبه من على منصة الخطابة في احد مهرجانات الحركة الوطنية بذكرى اغتيال المظلوم معروف سعد في قاعة سينما شهرزاد في صيدا: يا أبا عمار الحركة الوطنية كلها معك فلماذا تريد ان تأخذها بالمفرق.

وحين كانت مفاوضات أوسلو التي وقعت عام 1993 بين منظمة التحرير والعدو الصهيوني كان محسن حاضرا” في كل تفاصيلها من خلال وجوده في تونس ثم متابعاته مع أبو مازن (الرئيس محمود عباس اليوم) وكان رئيس الوفد المفاوض مع شمعون بيريس. وعندما قرر عرفات التوجه الى واشنطن لتوقيع الاتفاق مع اسحق رابين واصطحاب زوجه سهى معه، غضب أبو مازن فقال لمحسن: كان يجب ان أكون انا في حديقة البيت الأبيض لاوقع اتفاق كنت انا مع بيريس اللذان صنعناه، ومع هذا قبل  ان يذهب عرفات للتوقيع في حديقة البيت الابيض، لكن ان يصحب معه سهى ، فهذا لن اقبل به ابدا” …. نقل أبو خالد هذا الغضب من أبو مازن ناصحا” عرفات بالتراجع عن اصطحاب زوجه قائلا” لمحسن واضعا” يده على ذقنه : ” وحياة دي مش حفوتهاله”

ومع وليد جنبلاط

حرص محسن على التواصل مع وليد جنبلاط باكرا” ومنذ اغتيال والده  الزعيم الاشتراكي ، وكان محسن يبذل جهدا” لاقناع وليد بحضور اجتماعات المجلس السياسي للحركة الوطنية  في مقره في وطى المصيطبة ، وكان جنبلاط يشترط للحضور الا يطول الاجتماع … وكثيرا” ما كان جنبلاط ينهض للتمشي اثناء مداولات المجلس الذي يضم مندوبين من كل الأحزاب الوطنية والسياسية والقومية وشخصيات مستقلة، وقد شوهد مرة وقد صنع من أوراق امامه ما يسمى بصواريخ ورق كان يرميها من نافذة الطابق السادس على حرس الحضور عند مدخل المبنى ويعود ضاحكا” الى مقعده … وكان أعضاء في المجلس يفسرون حركات جنبلاط بأنها سخرية من عمل المجلس او نقاشات بعض أعضائه.

غير ان أبو خالد صار جليس وانيس وليد بيك الذي كان يظهر حبا” واعجابا” شديدين بقدرات أبو خالد … وخفة دمه… وكان يحرص على استضافته في المختارة بين الحين والآخر يستأنس برأيه ، مصغيا” الى أفكاره ولم تخل جلسة بينهما من طرائف أبو خالد …. وكانت خفة دمه احدى اهم خصائص محسن إبراهيم.

وأخيراً

كان محسن إبراهيم كنزا” في سوق التداول اليساري مفكرا” منظما” ، مبادرا” خلاقا” …. وكم كنا نحن الناصريين نحسد اليسار انه وجد في هذا الانسان قائده غير المسبوق، وكم كنا نتمنى لو ظل محسن إبراهيم ناصريا” موثوقا” الى هذا الحد من بطلنا جمال عبد الناصر ، لكان قاد اضخم حركة جاهيرية مرت في تاريخ العرب بعد الإسلام ومن دون ان تتعارض معه … مع التذكير بأن محسن هو اول من اطلق مصطلح الناصريين على جماهير جمال عبد الناصر في محلبة الحرية وقد لامه جمال في احدى لقاءاته معه في القاهرة عن هذه التسمية لأن جمال كان متمسكا” بمصطلح القوميين العرب بعيدا” عن الشخصنة.

شعرنا نحن الناصريين بالقيمة الكبرى لمحسن إبراهيم بعد رحيل بطلنا 28\9\1970 ولمسنا قدراته في كل المجالات اعتبارا” من العام 1975 …. وادركنا ان الناصريين اصبحوا ايتاما على موائد انظمة وحركات مختلفة كثيراً ما سعت  لاستتباعهم وتهجينهم…

وكنا نردد انه لو ظل أبو خالد ناصريا” لاكتسحت الحركة الناصرية كل أنظمة العرب على الأقل في مشرقها .. وما توفرت للجماعات المتمسلمة هذا الصعود الكارثي الذي جاء على حساب الحركة القومية الجامعة  وهل هي مصادفة هذه المعادلة …. ان تهزم الحركة القومية ليصعد الإسلاميين من الاخوان الى داعشي؟

لكن محسن آثر ان يكون زعيما” في حركة يسارية تمثل اقلية نخبوية لن يكتب لها العيش الا في الادبيات والنشرات الحزبية وفي المواقف التي تبلغ اقصى امانيها انها كتبت للتاريخ وليس للحاضر وليس للناس… وظل محسن زعيم اقلية قليلة تتناثر وتكاد تنقرض ، في عز حامية الأغلبية الشعبية الساحقة قبل صعود المتمسلمين لشخصية قيادية فذة مثله…. بل لربما ما تشتت الناصريون وتشردوا وتحول بعضم الى دكاكين لو وجودوا شخصية مثل شخصيته للقيادة.

 الناصريون اغلبية من دون قيادة قادة ظلوا من دون فاعلية اما أبو خالد فقد قاد اقلية ضج بها لبنان … ثم تبخر كل شيء وعاد معظم القطيع الى ” السيرة” حيث يرتاح ويطمئن الشيعي مع قطيعه والسني ( على قلة اليساريين فيه) والماروني والارثوذكسي والدرزي كل في (سيرته)

رحم الله السيد ابن السيد الشيعي المتزوج من صيداوية سنية، الجتمح نحو العروبة في حركة القوميين العرب، المتخلي نحو الماركسية في منظمة العمل الشيوعي المنكفي نحو مراجعة ما اتيحت لها المعرفة… فالعمل السياسي السري الى انقراض، ومحسن إبراهيم جعله سيرته النهائية… فرحل، ومحبيه كثر تأسوا على فراقه وكانوا ينتظرون لحظته… بعد ان يأسوا من إقناعه بالحضور… على الأقل في الكتابة عن ازهى عصور العرب، وقد غادرنا في أسوأ عقودهم .

من طرائف محسن ابراهيم

يجمع الذين يعرفون محسن ابراهيم على طرافته وسرعة بديهته وخفة دمه، نستحضر بعضاً من هذه الطرائف:

  • في مطار طرابلس الغرب وضمن وفد للحركة الوطنية ذهب للقاء العقيد معمر القذافي، التقى أمين المالية في الجماهيرية (وزيرالمالية الليبي) تقدم منه المسؤول الليبي محيياً مشيداً بنضال الحركة الوطنية وحملها امانة القضية الفلسطينية والعروبة و و .. قاطعه أبو خالد ضاحكاً، دخيلك خود عنا هالامانة واعطينا الامانة اللي عندك  (المالية)
  • وفي زيارة أخرى لليبيا قرأ في مطارها اشارة الى الامام نحو صالون الشرف فقال لاعضاء الوفد المرافق، يللا يا شباب يبدو انو الامام هون، اشارة الى الامام موسى الصدر.
  • في احدى لقائاته مع ياسر عرفات قدم له احدهم ورقة كي يوقعها الختيار، فقال له محسن مداعباً اخ ابو عمار: وقع بالقلم الأحمر واترك الازرق على جنب، اشارة الى ان لعرفات توقيعين احدهما واجب التنفيذ والأخر مؤخر التنفيذ او غير قابل له.

السابق
الحياة تعود الى نقطة «الذوق الثورية»..إعتصام إحتجاجي على الأوضاع!
التالي
محسن إبراهيم في نسخته الصامتة!